الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصود بالذات. {مِنْ فَضْلِهِ} أي يثيبهم من فضله، وهذا دليل على أن الإثابة تفضل محض. {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ} أي يعاقبهم.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى سوء حال المشركين، والشرك سبب الفساد، بدليل قوله تعالى:{لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا} [الأنبياء 22/ 21] ذكر أن الفساد قد ظهر بين الناس، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وفشا الظلم، وكثرت الحروب، ثم نبههم وأمرهم بالمسير في الأرض، فينظروا كيف أهلك الأمم بسبب معاصيهم وإشراكهم، فإن الله تعالى أهلك قوما بسبب الشرك، وقوما بسبب المعاصي، والإهلاك قد يكون بالشرك، وقد يكون بالمعاصي، ثم أمر تعالى رسوله بالثبات في الدين الحق قبل مجيء الحساب الذي يتفرق فيه الناس: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فمن كفر فعليه وبال كفره، ومن آمن وعمل صالحا فقد أعد لنفسه المهاد الذي يستريح عليه.
التفسير والبيان:
{ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ، لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي عمّ العالم ظهور الخلل والانحراف، وكثرة المضار وقلة المنافع ونقص الزروع والأنفس والثمرات، وقلة المطر وكثرة الجدب والقحط والتصحر، بسبب شؤم معاصي الناس وذنوبهم، من الكفر والظلم، وانتهاك الحرمات، ومعاداة الدين الحق، وعدم مراقبة الله عز وجل في السر والعلن. والاعتداء على الحقوق وأكل مال الغير بغير حق، ليذيقهم الله جزاء بعض عملهم وسوء صنيعهم من المعاصي والآثام، وحينئذ ربما يرجعون عن غيهم ومعاصيهم، كما قال تعالى:{وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف 168/ 7].
ثم هدد الله تعالى على ظهور الفساد بالعقاب كعقاب الأمم السابقة، فقال:
{قُلْ: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ} أي قل أيها الرسول للمفسدين والمشركين: سيروا في البلاد، وتأملوا بمصير من قبلكم، وكيف أهلك الله الأمم المتقدمة، وأذاقهم سوء العذاب بسبب كفرهم وسوء أعمالهم، وانظروا ما حلّ بهم من تكذيب الرسل وكفران النعم، وأن الهلاك في الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر، وكان أيضا بغير الشرك كالإهلاك بالفسق والمخالفة، كما فعل بأصحاب السبت {الْيَهُودُ} .
قال في الكشاف: دل بقوله: {كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأن ما دونه من المعاصي يكون سببا لذلك
(1)
.
فسبب عذابهم في الغالب هو كفرهم بآيات ربهم وتكذيبهم رسله، وهو تعليل لما سبق، فهو دليل على تعليل الأحكام، وعلى التزام ظاهرة العدل في العقاب الإلهي.
وبعد بيان ظاهرة الشرك والانحراف والفساد وبيان عاقبتها، وبعد نهي الكافر عما هو عليه، ذكر تعالى ما يقابلها من حال الاستقامة، وأمر المؤمن بما هو عليه، فقال:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} أي بادر أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين إلى الاستقامة في طاعة الله، وبادر إلى الخيرات، ووجه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين المستقيم، البليغ الاستقامة، وهو دين الإسلام من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا رادّ له ولا مانع منه، فلا بد من وقوعه؛ لأن الله كتب مجيئه وقدّره، وما قدّره وأراد حدوثه فلا راد له ولا بد أن يكون.
(1)
الكشاف 511/ 2
ذلك اليوم الذي يتفرق فيه الناس بحسب أعمالهم، ففريق في الجنة، وفريق في السعير.
ثم بين الله تعالى أن جزاء كل فريق بحسب عمله ونتيجة فعله، فقال:
{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} أي من كفر بالله وكتبه ورسله، وكذب باليوم الآخر، فعليه وبال كفره ووزره وإثمه وعاقبته، ومن آمن بالله وكتبه ورسله وبالبعث، وعمل الأعمال الصالحة، فأطاع الله فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه، فقد أعدّ لنفسه الفراش الوطيء الوثير المريح، والمسكن الفسيح، والقرار الدائم.
وإنما قال: {وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً} ولم يقل: ومن آمن؛ لأن العمل الصالح المقبول لا يكون إلا بعد الإيمان، ولأن بالعمل الصالح يكمل الإيمان، فذكره تحريضا للمكلف عليه، وأما الكفر إذا حدث فلا زنة للعمل معه.
وسبب التفرقة في الجزاء هو ما قال:
{لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ} أي أنا المجازي فكيف يكون الجزاء؟ وأنهم يتفرقون فريقين فكيف يجازون؟ إنني أجازي المؤمنين الذين يعملون الصالحات بفضلي وإحساني، فالمجازاة مجازاة الفضل، فأكافئ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى ما شاء الله، وأما الكافرون فإن الله يبغضهم ويعاقبهم، ولكنه عقاب عادل لا يجور فيه، وهذا تهديد ووعيد.
ودل قوله: {مِنْ فَضْلِهِ} على أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، لقلته وحقارته، ولكن بمحض فضل الله تعالى.
ويلاحظ أنه عند ما أسند الله تعالى الكفر والإيمان إلى العبد المخلوق، قدّم الكافر، فقال:{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} وعند ما أسند الجزاء إلى نفسه، قدم