الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ} مبالغة في التمثيل، صور القلوب في خفقانها واضطرابها، كأنها وصلت إلى الحلقوم.
{لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ} كناية عن الفرار من الزحف.
{سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ} استعارة مكنية، شبه اللسان بالسيف المصلت، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق أي الضرب، بطريق هذه الاستعارة، و {حِدادٍ} ترشيح.
{مَسْطُوراً} {بَصِيراً} {غُرُوراً} {فِراراً} {يَسِيراً} {كَثِيراً} توافق الفواصل في الحرف الأخير.
{هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ} إطناب بتكرار اسم الله والرسول صلى الله عليه وسلم للتعظيم والتشريف.
{قَضى نَحْبَهُ} استعارة، أستعير النحب وهو النّذر للموت نهاية كل حي؛ كأنه نذر لازم في رقبة كل إنسان.
{وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} قوله: {إِنْ شاءَ} اعتراض للدلالة على أن العذاب أو الرحمة بمشيئة الله تعالى.
المفردات اللغوية:
{إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب وهم قريش بقيادة أبي سفيان، وغطفان بقيادة عيينة بن حصن، وبنو أسد بإمرة طليحة، وبنو عامر بزعامة عامر بن الطّفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النّضير من اليهود برئاسة حييّ بن أخطب وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة من اليهود أيضا وسيدهم كعب بن أسد، وقد نقض هؤلاء اليهود عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وتواطؤوا مع قريش. وبلغ مجموع الأحزاب عشرة آلاف، أو زهاء اثني عشر ألفا.
{فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً} ريح الصبا {وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها} هم الملائكة {وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ} من حفر الخندق، وعلى قراءة: يعملون تحزيب المشركين ومحاربتهم {بَصِيراً} رائيا مطلعا تمام الاطلاع {مِنْ فَوْقِكُمْ} أي من أعلى الوادي، من جهة المشرق {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} من أسفل الوادي من جهة المغرب {زاغَتِ الْأَبْصارُ} مالت عن مستوى نظرها، فلم تلتفت إلا إلى عدوها حيرة ودهشة {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ} المراد أنها فزعت فزعا شديدا، والحناجر:
جمع حنجرة: وهي منتهى الحلقوم وهو مدخل الطعام والشراب والتنفس، وتصوير ذلك: أن الرئة تنتفخ من شدة الرعب، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة {وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا} أي تظنون مختلف الظنون من نصر ويأس، فالمؤمنون المخلصون خافوا الزلل وضعف الاحتمال، والمنافقون
ومرضى القلوب كذبوا بوعد الله، وتشككوا فيه، وأعلنوا بطلانه.
{اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} اختبروا وامتحنوا، فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل {وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً} اضطربوا كثيرا من شدة الفزع وكثرة العدو {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ضعف اعتقاد، وهم قوم كان المنافقون يستميلونهم بالإغراءات وزرع الشّبه في قلوبهم، لحداثة عهدهم بالإسلام {ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ} بالنصر أو الظفر وإعلاء دينه {إِلاّ غُرُوراً} إلا وعدا باطلا لا حقيقة له، أو خداعا.
{طائِفَةٌ مِنْهُمْ} أي المنافقين {يا أَهْلَ يَثْرِبَ} أهل المدينة ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل {لا مُقامَ لَكُمْ} أي لا إقامة ولا مكانة لكم هاهنا {فَارْجِعُوا} إلى منازلكم في المدينة هاربين، وذلك بعد أن خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى «سلع»: جبل خارج المدينة للقتال {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} في الرجوع {يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ} قاصية غير حصينة، يخشى عليها الاقتحام من الأعداء {وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ} بل هي حصينة {إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً} أي ما يريدون إلا هروبا من القتال مع المؤمنين.
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} المدينة {مِنْ أَقْطارِها} نواحيها وجوانبها {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ} طلب منهم الداخلون الشرك والردة، ومقاتلة المسلمين {لَآتَوْها} لأعطوها وفعلوها، وقرئ:
لأتوها أي لجاؤوها {وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً} ما أخّروها، أو ما أخروا إعطاء الفتنة إلا لوقت يسير {لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ} المراد لا ينهزمون ولا يفرون من الزحف. والأدبار: جمع دبر وهو ما قابل القبل، ويطلق على الظهر {وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً} عن الوفاء به، ومجازي عليه. وهم بنو حارثة عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله.
{وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ} إذا فررتم لا تتمتعون في الدنيا بعد فراركم {إِلاّ قَلِيلاً} أي لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا أو زمانا قليلا {يَعْصِمُكُمْ} يمنعكم أو يجيركم {إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً} هلاكا وهزيمة {أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً} فيه محذوف أي: أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم خيرا، فقد يكون المصاب خيرا {مِنْ دُونِ اللهِ} غيره {وَلِيًّا} مواليا ينفعهم {وَلا نَصِيراً} ناصرا يدفع الضر عنهم.
{الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ} المثبّطين منكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم المنافقون {وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ} من ساكني المدينة {هَلُمَّ إِلَيْنا} تعالوا، وأقبلوا إلينا، أو قرّبوا أنفسكم إلينا {وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً} أي لا يأتون الحرب والقتال إلا إتيانا أو زمانا قليلا، رياء وسمعة {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} بخلاء عليكم بما ينفعكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله، جمع شحيح {عَلَى الْخَيْرِ} حريصين على مال الغنائم، يطلبونها {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ} تدير أعينهم أحداقهم {كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي كنظر أو دوران عين المغشي عليه من سكرات الموت خوفا {فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ} زالت حالة الخوف وحيزت الغنائم {سَلَقُوكُمْ} آذوكم بالكلام ورموكم {بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ} أي ألسنة ذربة سليطة قاطعة
كالحديد يطلبون الغنيمة {لَمْ يُؤْمِنُوا} حقيقة {فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ} أبطل ثمرة أعمالهم {وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} أي وكان ذلك الإحباط هينا سهلا على إرادة الله، فإذا أراد شيئا كان، ولم يمنعه عنه أحد. {يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ} من الكفار {لَمْ يَذْهَبُوا} إلى مكة، لخوفهم منهم، المعنى: يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا، ففروا إلى داخل المدينة {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ} كرة أخرى {يَوَدُّوا} يتمنوا {بادُونَ فِي الْأَعْرابِ} كائنون معهم في البادية {يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ} أخباركم مع الكفار، وما جرى عليكم {وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ} هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة {ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً} أي ما كان قتالهم إلا قتالا ظاهريا قليلا، رياء وخوفا من التعيير.
{أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قدوة صالحة، يتأسى به، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد {لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} أي يرجو ثواب الله أو لقاءه، ونعيم الآخرة {وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} قرن بالرجاء كثرة ذكر الله المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول صلى الله عليه وسلم من كان كذلك، بخلاف غيره.
{وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ} من الكفار الذين تجمعوا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه {قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ} من الابتلاء والنصر، بقوله تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ.} . [البقرة 214/ 2]
وقوله صلى الله عليه وسلم:
«إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر» «سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم» . {وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ} في الوعد والابتلاء {وَما زادَهُمْ} ذلك الذي رأوه من الخطب أو البلاء {إِلاّ إِيماناً} تصديقا بوعد الله {وَتَسْلِيماً} لأمره ومقاديره.
{صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة لإعلاء الدين {قَضى نَحْبَهُ} مات أو قتل في سبيل الله شهيدا، ووفّى نذره، كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب: النذر، فجعل كناية عن الموت {مَنْ يَنْتَظِرُ} الشهادة، كعثمان وطلحة {وَما بَدَّلُوا} العهد ولا غيروه، بخلاف حال المنافقين {لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تعليل للمنطوق وهم المؤمنون المخلصون، وللمعرّض به وهم المنافقون، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، لكن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، والمراد به التوفيق للتوبة {غَفُوراً رَحِيماً} لمن تاب.
{وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الأحزاب {بِغَيْظِهِمْ} متغيظين {لَمْ يَنالُوا خَيْراً} غير ظافرين {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ} بالريح والملائكة {وَكانَ اللهُ قَوِيًّا} على إيجاد ما يريد {عَزِيزاً} غالبا على كل شيء {ظاهَرُوهُمْ} ظاهروا الأحزاب أي عاونوهم {مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ} يعني من بني قريظة {مِنْ صَياصِيهِمْ} من حصونهم، جمع صيصة وهي كل ما يتحصن به