الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر فتح دمياط والنصرة على الفرنج
وبينما الأمر متردد في معنى الصلح، والفرنج ممتنعون إلا على الشرط الذى اقترحوه، عبر جماعة من عساكر المسلمين في بحر المحلة (1) إلى الأرض التي [102 ا] عليها الفرنج من بر دمياط، ففجروا فجرة عظيمة في النيل، وكان ذلك في قوة زيادته، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، وكيفية فجر جسوره. فركب الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بينهم وبين دمياط.
ولم يبق للفرنج جهة يسلكوها غير جهة واحدة فيها ضيق، فأمر السلطان الملك الكامل عند ذلك بنصب جسور عند أشمون طناح، فعبرت العساكر عليها، وملكوا الطريق التي يسلكها الفرنج إلى دمياط إن أرادوا العود إليها، فلم يبق لهم خلاص، وبقوا محصورين من جميع الجهات. واتفق في تلك الحال أنه وصل إلى الفرنج مركب عظيم يسمى مرمه (2) وحوله عدة حراقات (3) يحمونه، والجميع مملوء من الميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه. فوقعت عليه شوانى المسلمين وقاتلوهم قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالمرمة وما معها من الحراقات فأخذوها. فلما رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم، وعلموا أنهم قد ضلوا الصواب بمفارقتهم دمياط، وتوغلهم في طرق لا يعرفونها. وأحاطت عساكر المسلمين بهم من كل ناحية يرمونهم بالنشاب، ويحملون على أطرافهم.
(1) في نسخة م «الحلة» والصيغة المثبتة وهى الصحيحة من نسخة س، انظر ايضا المقريزى، نفس المرجع والجزء، ص 207؛ أبو الفدا، المختصر، ج 3، ص 129.
(2)
المرمة نوع من السفن الكبيرة في العصور الوسطى، انظر ما سبق ابن واصل، ج 3، ص 206 حاشية 1.
(3)
الحراقة (والجمع حراقات وحراريق) نوع من السفن الحربية كان يستعمل بكثرة في البحر المتوسط وفى نهر النيل، انظر ما سبق، ج 2 ص 331 حاشيه 1.
ولما اشتد الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم، وأرادوا الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم، لعلهم يقدرون على العود إلى دمياط والإعتصام بها، فعجزوا عن ذلك، وحيل بينهم وبينه لكثرة الوحل والمياه الراكبة للأراضى حولهم.
فلما رأوا عجزهم عن دفع المسلمين عنهم، وأن المنايا قد كثرت [لهم (1)] عن أنيابها، وكانت الأقوات قد عدمت عندهم جدا، ولم يبق لهم سبيل إلى وصول ميرة اليهم، ذلت نفوسهم، وتنكست صلبانهم، فراسلوا السلطان الملك الكامل وأخويه الملك الأشرف، والملك المعظم، يطلبون منهم الأمان لأنفسهم ليسلموا اليهم دمياط من غير عوض.
فاستشار السلطان الملك الكامل ملوك أهل بيته في ذلك، فأشار بعضهم بأن لا يؤمنهم ويأخذهم أخذا باليد، فانهم قد صاروا في قبضته، وهم جمهور أهل الشرك، [102 ب] وأنه إذا فعل ذلك أخذ منهم دمياط، وجميع ما بقى لهم من البلاد الساحلية. فلم ير السلطان الملك الكامل ذلك مصلحة وقال «إن هؤلاء ليسوا جميع الفرنج، وإذا أبدناهم لا نقدر على أخذ دمياط إلا بمطاولة وحروب كثيرة مدة، ويسمع ملوك ما وراء البحر من الفرنج وباباهم (2) بما يجرى على الفرنج، فيقدم [إلينا (3)] أضعاف هؤلاء وتعود للحرب خدعة، وقد ضجرت العساكر من الحرب وكلّت» .
(1) اضيف ما بين الحاصرتين من ابن الأثير، الكامل (ج 12 ص 330، حوادث 614)، وقد استعان ابن واصل إلى حد كبير بما ذكره ابن الأثير.
(2)
في نسخة س «ما نالهم وما جرى عليهم» والصيغة المثبتة من نسخة م، ومن الثابت أن لفظ «البابا» كان معروفا عند الكتاب المسلمين، انظر، القلقشندى (صبح، ج 5، ص 472).
(3)
ما بين الحاصرتين من نسخة س.
وكانت مدة مقام الفرنج بالديار المصرية ثلاث سنين وشهورا. فاتفق رأى الكل على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم، فأجيبوا إلى ما طلبوا على أن يأخذ منهم السلطان الملك الكامل ملوكهم رهائن إلى أن يسلموا دمياط، وطلبوا هم أن يأخذوا ولد السلطان وجماعة من خواصه رهائن إلى أن يرجع ملوكهم اليهم.
فتقررت القاعدة على ذلك والأيمان سابع رجب من هذه السنة، أعنى سنة ثمان عشرة وستمائة. وكانت رهائن الفرنج: ملك عكا (1)، واللكاف (2) نائب البابا صاحب رومية الكبرى، وكندريس (3) وغير هؤلاء من الملوك تتمة عشرين ملكا (4).
وكانت رهائن السلطان الملك الكامل، ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجماعة من خواصه. وكان عمر الملك الصالح يومئذ خمس عشرة سنة؛ لأن مولده سنة ثلاث وستمائة.
ولما قدم هؤلاء الملوك إلى السلطان الملك الكامل جلس لهم مجلسا عظيما.
ووقف بين الملوك من إخوته وأهل بيته جميعهم، [ورأى الفرنج (5)] من
(1) ملك عكا في تلك السنة كان حنا برين Jean de Brienne.
(2)
في المتن «والكاب» بدون تنقيط والصيغة المثبتة من نسخة س وكذلك من ابن أيبك (الدر المطلوب ورقة 156) حيث ورد «المعروف بالكاف» وقد ورد الاسم في ابن تغرى بردى (النجوم، ج 6 ص 241) في صيغة «اللوكان» والمقصود به الكاردينال بلاجيوس Cardinal Pelage.
(3)
في نسخة س «كندرس» والصيغة المثبتة من نسخة م وورد الاسم في ابن ايبك (الدر المطلوب، ورقة 156)«كندريس الكبير» بينما ذكر ابن الأثير (الكامل، ج 12 ص 330 حوادث سنة 614) الأسم في صيغة «كندريش» والمقصود بكلمة «كند» الكلمة الانجليزية Count (كونت) ولعله يعنى لويس دوق بافاريا الذى كان أحد رهائن الصليبيين.
(4)
ذكر ابن ايبك (الدر المطلوب ورقة 156) أن رهائن الفرنج كانوا أربعة عشر ملكا وذكر أسماءهم وأنهم «أعظم ملوك دين الصليب» .
(5)
في الأصل «ورأوا» وفى نسخة س «فراؤا الفرنج» .
عظمته وناموسه ما هالهم. ثم أرسلت الفرنج قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط لتسلم إلى المسلمين، فسلمت اليهم تاسع عشر رجب من هذه السنة. وكان يوم تسلمها يوما مشهودا عاد به الدين الإسلامى جديدا بعد أن كانت قد ساءت [به](1) الظنون، وخيف على الديار المصرية والشامية من الفرنج خوفا شديدا.
وفى اليوم الذى سلمت فيه دمياط، وصل إلى الفرنج نجدة عظيمة من البحر، فلو سبقوا المسلمين اليهم لا متنعوا من تسليمها (2).
ولما دخلها المسلمون رأوها وقد حصنها الفرنج [103 ا] تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام، ولا يوصل إليها. ورجعت رهائن الفرنج إليهم، [ورهائن المسلمين اليهم (3)]. وولاها السلطان الأمير شجاع الدين جلدك المظفرى التقوى (4)، وكان رجلا خيرا شهما.
وكان للفرنج بدمياط لما وقع الصلح صوار (5) عظام جدا، فأرادوا أخذها وحملها معهم إلى بلادهم، فمنعهم من ذلك شجاع الدين، فبعثوا إلى السلطان الملك الكامل يشكونه (6) ويقولون:«إن هذه الصوارى لنا، وأن مقتضى الصلح أن ترد إلينا» . فكتب الملك الكامل إلى شجاع الدين يأمره أن يرد الصوارى اليهم. فأصر على الأمتناع وقال: «إن الفرنج أخذوا منبر جامع دمياط وكسروه،
(1) اضيف ما بين الحاصرتين من نسخة س.
(2)
ذكر ابن ايبك (الدر المطلوب، ورقة 157) أن هذه النجدة اشتملت على «الف مركب موسوقة رجال وعدد وسلاح ومأكول» ، ومثل هذا العدد مبالغ فيه.
(3)
ما بين الحاصرتين مذكور في الهامش في نسخة م.
(4)
في نسخة س «الورى» والصيغة المثبتة من نسخة م، وقد ذكر أبو الفدا (المختصر، ج 3، ص 130) أنه من مماليك الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
(5)
في نسخة س «صوارى» وهو تصحيف والصيغة المثبتة من نسخة م.
(6)
في نسخة م «يسألونه» والصيغة المثبتة من نسخة س.
وأهدوا كل قطعة منه إلى ملك من ملوكهم، فيأمرهم السلطان أن يردوا إلينا المنبر لنرد عليهم الصوارى». فكتب السلطان اليهم، وذكر لهم ما ذكره شجاع الدين فعجزوا عن رد المنبر وأعرضوا عن ذكر الصوارى.
وهنت الشعراء الملك الكامل وإخوته بفتح دمياط، وأكثروا. فمما قيل في ذلك، قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك المعظم عيسى رحمه الله ومطلعها: -
سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنا
…
إذا جهلت آياتنا والقنا اللّدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلا
…
من الروم لا يحصى يقينا ولا ظنّا
قد اتفقوا رأيا وعزما وهمة
…
ودينا وإن كانوا قد اختلفوا لسنا
تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت (1)
…
جموع كأن الموج كان لهم (2) سفنا
عليهم من الماذى كل مفاضة
…
دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا
…
إلينا سراعا بالجياد وأرقلنا
فما برحت شمر الرماح تنوشهم
…
بأطرافها حتى استجاروا بنامنّا
سقيناهم كأسا نفت عنهم الكرى
…
وكيف ينام الليل من عدم الأمنا
لقد صبروا صبرا جميلا ودافعوا
…
طويلا فما أجدى دفاع ولا أغنى
لقوا (3) الموت من زرق الأسنة أحمرا
…
فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا
وما برح الإحسان منا سجية
…
توارثها عن صيد آبائنا الأبنا
[103 ب] وقد جرّبونا قبلها في وقائع
…
تعلّم غمر القوم منا بها الطعنا
(1) في نسختى المخطوطة «وأقبلت» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، نشره وحققه خليل مردم، ص 30.
(2)
في نسختى المخطوطة «لها» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 30.
(3)
في نسختى المخطوطة وكذلك في السلوك للمقريزى (ج 1، ص 211)«بدا» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 30.
أسود وغى لولا قراع سيوفنا (1)
…
لما ركبوا قيدا ولا سكنوا سجنا
وكم يوم حرّ ما لقينا هجيره
…
بستر وقرّ ما طلبنا له كنّا
فإن نعيم الملك في شظف الشقا
…
ينال وحلو العيش من مرّه يجنى
يسير بنا من آل أيوب ماجد
…
أبى عزمه أن يستقر به مغنى
كريم الثنا (2) عار من العارباسل
…
جميل المحيا كامل الحسن والحسنى
سرى نحو دمياط بكل سميذع
…
نجيب يرى [ورد الوغى المورد الأهنا](3)
مآثر مجد خلّدتها سيوفه
…
لها نبأ يفنى الزمان ولا يفنى
وقد عرفت أسيافنا ورقابهم
…
مواقعها فيها (4) فإن عاودوا عدنا
منحناهم منا حياة جديدة
…
فعاشوا بأعناق مقلدة منّا
ولو ملكوا لم يأتلوا في دمائنا
…
ولوغا ولكنا ملكنا فأسجحنا
ومن ذلك قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك الأشرف [بن الملك العادل (5)] مطلعها: -
جعل العتاب إلى الصدود توصّلا
…
ريم رمى فأصاب منى المقتلا
أغراه بى واش تقوّل كاذبا
…
فأطاعه وعصيت فيه العذّلا
ما عمّه بالحسن عنبر خاله
…
إلا ليصبح بالسواد مجملا
صافى أديم الحسن ما خطت يد ال
…
أيام في خديه سطرا مشكلا
كل مقر بالجمال له فما
…
يحتاج حاكم حسنه أن يسجلا
(1) في نسختى المخطوطة وكذلك في السلوك (ج 1، ص 211)«وقائع سمرنا» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 31.
(2)
في نسخة م «الينا» والصيغة المثبتة من نسخة س وكذلك ديوان ابن عنين، ص 31، والسلوك للمقريزى، ج 1، ص 211.
(3)
في نسختى المخطوطة «كسب الثنا المغنم الأسنى» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 31.
(4)
في نسختى المخطوطة وكذلك في السلوك (ج 1، ص 211)«منا» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 32.
(5)
اضيف ما بين الحاصرتين من نسخة س.
ومنها
في التخلص إلى المدح (1)
ولربّ لائمة علىّ حريصة
…
باتت وقد جمعت علىّ العذّلا
قالت أما تخشى الزمان وصرفه
…
وتقل من إتلاف مالك قلت: لا
أأخاف من فقر، وجود الأشرف الس
…
لطان [قد ملأ البسيطة والملا (2)]
الواهب (3) الأمصار محتقرا لها (4)
…
إن غيره وهب الهجان والبزّلا (5)
ملك غدا جيد الزمان بجوده
…
حال ولولاه لكان معطّلا
ومنها
لولاك لا نفصمت (6) عرى الأسلام في
…
مصر وأهمل (7) ذكره وتبدّلا
وتحكمت فيها الفرنج وغادرت
…
أعلاجها محراب عمرو هيكلا
أنت الذى أجليت عن (8) حلب العدا
…
وحميت بالسّمر اللدان الموصلا
كم موقف ضنك فرجت مضيقه
…
وطريقه لخفائه قد أشكلا
ونثرت بالبيض المهندة الطّلى
…
ونظمت بالسّمر المثقفة الكلا
فالله يخرق في بقائك عادة الد
…
نيا ويعطيك البقاء الأطولا
(1) الأبيات الخمسة التالية غير مذكورة في نسخة س.
(2)
في ديوان ابن عنين، ص 11 «في الآفاق قد ملا الملا» .
(3)
في نسخة م «الراهب» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 11.
(4)
في نسخة م «بها» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 11.
(5)
ورد هذا الشطر في نسخة م «اذ غيره يهب الجياد البزلا» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 11.
(6)
في نسختى المخطوطة «لا نتقضت» والصيغة المثبتة من ديوان ابن عنين، ص 11.
(7)
في ديوان ابن عنين، ص 11 «وأخمل» .
(8)
في نسخة م «من» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن ديوان ابن عنين، ص 11.
ومن ذلك قصيدة لبهاء الدين زهير بن محمد بن على القوصى رحمه الله يمدح بها السلطان الملك الكامل مطلعها: -
بك اهتزّ عطف الدين في حلل النصر
…
وردّت على أعقابها ملّة الكفر
ومنها:
وما فرحت مصر بذا الفتح وحدها
…
لقد فرحت بغداد أكثر (1) من مصر
ولو (2) لم يقم في الله حق قيامه
…
لما سلمت دار السلام من الذعر
وأقسم لولا عزمة كاملية (3)
…
لخافت رجال بالمقام وبالحجر
ومنها:
وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى
…
لما (4) حلمت إلا بأعلامك (5) الصفر
عجبت لبحر جاء فيه سفينهم
…
ألسنا نراه [عندنا ملك (6)] الغمر
ألا إنها من فعله لعجيبة
…
سيطلب عفوا من أناملك العشر (7)
ثلاثة أعوام أقمت وأشهرا
…
تجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو
ومنها:
وليلة نفر للعدو وإنها (8)
…
بكثرة من أرديته ليلة النحر
فيا ليلة قد شرف الله قدرها
…
فلا غرو إن سميتها ليلة القدر
(1) في نسختى المخطوطة «أعظم» والصيغة المثبتة من شرح ديوان بهاء الدين زهير (ط. بيروت 1968)، ص 98.
(2)
كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح ديوان بهاء الدين زهير، ص 98 «فلو» .
(3)
هذا البيت ساقط في نسخة «س» ، وفى شرح ديوان ابن زهير، ص 98 «همة كاملية» .
(4)
في نسختى المخطوطة «لما» وفى شرح الديوان، ص 99 «فلا» .
(5)
في نسختى المخطوطة «بأعلامك» وفى شرح الديوان، ص 99 «بأعلامه» .
(6)
في نسخة م «عبدنا يلك» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن شرح الديوان، ص 99.
(7)
كذا في نسختى م، س وورد البيت في شرح الديوان، ص 99: الا إنها من فعله لكبيرة سيطلب منها عفو حلمك واليسر
(8)
كذا في نسختى المخطوطة، وفى شرح الديوان، ص 99 ورد هذا الشطر:«وليلة غزو للعدو كأنها»
سددت سبيل البر والبحر عنهم
…
بسابحة دهم وسابقة (1) غر
أساطيل ليست في أساطير من مضى
…
فكل غراب راح أقنص من (2) صقر
وباتت جنود الله فوق ضوامر
…
بأوضاحها تغنى السراة عن الفجر
فما زلت حتى أيد الله حزبه
…
وأشرق وجه الدين جذلان بالنصر
فروّيت منهم ظامئ البيض والقنا
…
وأشبعت منهم طاوى الذئب والنسر
وجاءت ملوك الروم نحوك خضّعا
…
تجرر أذيال المذلة (3) والصّغر
أتوا ملكا فوق السّماك (4) محلّه
…
فمن جوده ذاك السحاب الذى يسرى
فمنّ عليهم بالأمان تكرما
…
على الرغم من بيض الصوارم والسمر
كفى الله دمياط المخافة (5) إنها
…
لمن قبلة الإسلام من موضع البحر
وما طاب ماء النيل إلا لأنه
…
يحل محل الريق من ذلك الثغر
فلله يوم الفتح يوم دخولها
…
لقد (6) طارت الأعلام منه (7) على وكر
ومنها:
لك الله من أثنى عليك فإنما
…
من القتل قد أنجيته أو من الأسر
يقصّر عنك المدح من كلّ مادح
…
ولو جاء بالشمس المنيرة والبدر
قلت: لقد أبدع بهاء الدين زهير رحمه الله في هذه القصيدة، وأتى بكل معنى بديع لطيف، وكذا أكثر شعره رحمه الله. وسنذكر شيئا من أخباره إذا انتهينا إلى ذكر مخدومه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب رحمه الله.
(1) كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح الديوان، ص 99 «وسابحة» .
(2)
كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح الديوان، ص 99 «أفتك» .
(3)
كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح الديوان، ص 100 «المهانة» .
(4)
في نسخة م «السماء» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن شرح الديوان، ص 100.
(5)
في نسخة س «المحاجة» وفى شرح الديوان، ص 100 «المكاره» .
(6)
كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح الديوان، ص 100 «وقد» .
(7)
كذا في نسختى المخطوطة وفى شرح الديوان، ص 100 «منها» .
وقد [والله (1)] أبدع بعض الشعراء في ذكر إنجاد السلطانين الملك المعظم والملك الأشرف أخاهما السلطان الملك الكامل، قدس الله أرواحهم، في قوله من قصيدة: -
أعبّاد عيسى إن عيسى أتاكم
…
وموسى جميعا ينصران محمدا
وقالت ست الفخر بنت التاجر مغنية الملك الأشرف تمدحه، وتذكر كسره الفرنج، وقد أبدعت في المعنى: -
ولما طغى فرعون عكا وقومه (2)
…
وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض
أتى نحوهم موسى وفى يده العصا
…
فغرّقهم في اليمّ بعضا على بعض
ولما فتحت دمياط دخلها السلطان الملك الكامل، وفى خدمته إخوته، وملوك [105 ا] أهل بيته، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا. ثم توجه إلى القاهرة، وأذن للملوك في الرجوع إلى بلادهم، فرجع كل ملك منهم إلى بلاده. وعمت هذه البشارة آفاق الأرض؛ فان التتر كانوا قد أهلكوا بلاد العجم، وكادت باقى البلاد الإسلامية تستأصل بالفرنج، فنصر الله المسلمين عليهم وكفاهم شرهم (3). وعقدت الهدنة مع الفرنج مدة معلومة.
وتوجه الملك الأشرف إلى الشرق، وانتزع الرقة من الملك الأمجد محمود ابن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى، ولقى محمود بغيه على أخيه وقد ذكرنا قتله له. وأقام الملك الأشرف بالرقة، وورد إلى خدمته الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة، فأقام معه مدة ثم رجع إلى بلده (4).
(1) اضيف ما بين الحاصرتين من نسخة س.
(2)
كذا في نسختى المخطوطة وفى السلوك للمقريزى، ج 1، ص 209 «ببغيه» .
(3)
الجزء التالى ساقط من نسخة س، وسوف ينوه عند نهاية هذا الجزء الساقط.
(4)
انظر أيضا أبو الفدا (المختصر، ج 3، ص 130).
وورد إلى الملك الأشرف وهو بالرقة كتاب من الخليفة الأمام الناصر لدين الله، يأمر فيه بإقامة الخطبة بولاية العهد لابنه عدة الدين أبى نصر محمد، وهو الذى ولى الخلافة بعده، ولقب الظاهر بأمر الله. وكنا قد ذكرنا (1) أن الخليفة كان قد ولاه عهده، وكتب بذلك إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله وسائر ملوك الأطراف، وأنه خطب له بذلك على سائر البلاد الإسلامية، وضربت السكة باسمه بعد إسم والده. ثم ذكرنا أن أباه بعد ذلك خلعه من ولاية عهده، وكتب بذلك إلى ملوك الأطراف فطرحوا إسمه من السكة والخطبة. وأن الخليفة مال إلى ولده الأصغر أبى الحسن على وأهله لولاية عهده (2). ثم ذكرنا وفاة علىّ سنة إثنتى عشرة وستمائة، وحزن الخليفة عليه (3). ولما كانت هذه السنة ألجأت الخليفة الضرورة إلى إعادة إبنه أبى نصر إلى ولايه عهده، وتقدم إلى الملوك بإعادة الخطبة له بولاية العهد.
وفى هذه السنة سير الملك الأشرف إلى الأتابك شهاب الدين طغريل مربى الملك العزيز بن الملك الظاهر رسالة تتضمن أنه: «لما وقع الأتفاق في الأبتداء، وعرض علىّ الجبول وبزاعا وسرمين (4) أحببت أن آخذ (5) ذلك [105 ب] ليعلم المخالف والعدو أن البلاد قد صارت واحدة، والكلمة متفقة. والآن فقد تحقق الناس كلهم ذلك، وأوثر الآن التقدم إلى نواب المولى الملك العزيز
(1) انظر ما سبق من هذا الكتاب (ابن واصل، ج 2، ص 278 - 279).
(2)
انظر ما سبق من هذا الكتاب (ابن واصل، ج 3، ص 168 - 169).
(3)
انظر ما سبق من هذا الكتاب (ابن واصل، ج 3، ص 229).
(4)
الجبول قرية كبيرة إلى جانب ملاحة حلب، وبزاعه وسرمين بلدتين من أعمال حلب، انظر ياقوت (معجم البلدان).
(5)
في ابن العديم (زبدة الحلب، ج 3، ص 191)«أجبت إلى ذلك» .
في قبضها، وإجرائها على العادة، وصرفها في مصالح بلاده». فوقعت الأجابة إلى ذلك، ورفع الملك الأشرف نوابه عنها (1).
وتوفى في هذه السنة الملك الصالح ناصر الدين محمود بن نور الدين محمد ابن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا وآمد بالقولنج (2)، وقام بملك تلك البلاد بعده ولده الملك المسعود (3)، وهو الذى انتزع منه السلطان الملك الكامل آمد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
(1) في ابن العديم، نفس المرجع والصفحة «أيدى نوابه عنها» .
(2)
انظر ما سبق من هذا الكتاب (ابن واصل، ج 2، ص 106 حاشية 3).
(3)
انظر أبو الفدا، المختصر، ج 3، ص 130؛ المقريزى، السلوك، ج 1 ص 212؛ وذكر ابن الأثير (الكامل، ج 12، ص 412) وفاته في حوادث سنة 619.