الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل
صاحب اليمن على مكة حرسها الله تعالى
[109 ب] كنا قد ذكرنا (1) في حوادث سنة إثنتى عشرة وستمائة إستيلاء الملك المسعود صلاح [الدين (2)] يوسف بن السلطان الملك الكامل على اليمن وقبضه على سليمان شاه بن سعد الدين شاهان شاه بن الملك المظفر تقى الدين الذى كان تغلب عليها؛ وتسييره إياه إلى مصر. وكان الملك المسعود يسمى أتسز (3) وهو اسم بلغة الترك، والعامة يسمونه الأقسيس (4). وكانت للملك المسعود صرامة عظيمة وهيبة شديدة.
وكان صاحب مكة الشريف أبا عزيز قتادة بن إدريس العلوى الحسنى (5) وكان عظيم الشأن شما شجاعا. وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم وبلغ من العمر نحو تسعين سنة. وكانت له قلعة ينبع بنواحى المدينة، وكثر عسكره، واستكثر من المماليك الترك، وخافته العرب في تلك البلاد خوفا عظيما. وكان في أول أمره لما ملك مكة حسن السيرة، أزال عنها المفسدين، وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم. ثم إنه
(1) انظر ما سبق من ابن واصل، ج 3، ص 227.
(2)
ما بين الحاصرتين من نسخة س وساقط من م.
(3)
كذا في ابن الأثير، ج 12، ص 413 (حوادث سنة 620) وفى أبو الفدا (المختصر، ج 3، ص 131) ورد اللقب «أطسز» .
(4)
صحة هذا الاسم «أطسيس» انظر ما سبق من ابن واصل، ج 3 ص 227 حاشية 3 للدكتور الشيال. وقد ذكر ابن تغرى بردى (النجوم، ج 6 ص 272) الأسم «أضسيس» .
(5)
في نسخة س «الحسينى» وهو تصحيف والصيغة المثبتة من نسخة م، انظر زامباور، معجم الأنساب، ج 1 ص 30 - 31؛ المقريزى، السلوك، ج 1 ص 206.
[بعد ذلك (1)] أساء السيرة وجدد المكوس بمكة، وفعل أفعالا منكرة شنيعة، ونهب الحجاج في بعض السنين وقد ذكرنا ذلك. وكان يقول الشعر الجيد، فذكر أنه طلب مرة ليحضر عند أمير الحاج العراقى كما جرت عادة أمراء مكة فلم يفعل، فعوتب من جهة الخليفة على ذلك، فكتب إلى الإمام الناصر لدين الله [أمير المؤمنين هذه الأبيات (2)]:
ولى كفّ ضرغام أدلّ (3) ببطشها
…
وأشرى بها بين الورى وأبيع
تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها
…
وفى وسطها للمجدبين (4) ربيع
أأتركها (5) تحت الرحا ثم ابتغى
…
خلاصا لها؟ أنى إذا لرقيع
وما أنا إلا المسك في كل بلدة
…
يضوع، وأما (6) عندكم فيضيع
فلما كانت سنة ثمانى عشرة وستمائة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد مدينة النبى صلى الله عليه وسلم، فنزل بوادى السباع (7) وهو مريض. وسير أخا له على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة، فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال
(1) ما بين الحاصرتين من س.
(2)
ما بين الحاصرتين من س.
(3)
في نسخة م «أصول» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن ابن الأثير، الكامل، ج 12، ص 403.
(4)
في نسخة م «للمجتدين» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن ابن الأثير، نفس المرجع والصفحة؛ انظر أيضا، ابن كثير، البداية، ج 13، ص 92.
(5)
في ابن الأثير (الكامل، ج 12، ص 404)«أأجعلها» .
(6)
في نسخة م «فأما» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن ابن الأثير، ص 404، وابن كثير، ج 13، ص 92.
(7)
كذا في نسختى المخطوطة، وورد في ابن الأثير، الكامل، ج 12، ص 402 (حوادث سنة 618)«وادى الفرع» ، وذكر ياقوت (معجم البلدان) أن وادى السباع «بين البصرة ومكة بينه وبين البصرة خمسة أميال» . كما ذكر ياقوت أيضا (نفس المرجع) أن الفرع قرية من نواحى الربذة على طريق مكة بينها وبين المدينة ثمانية برد.
لبعض الجند «إن أخى مريض وهو ميت لا محالة» ، وطلب منهم أن يحلفوا له على أن يكون له ملك مكة بعد أخيه قتادة.
ولما بلغ ذلك الحسن أحضر عمه واجتمع إليه كثير [110 ا] من الأشراف ومماليك أبيه، وقال لعمه: بلغنى أنك فعلت كذا وكذا. فقال عمه: «لم أفعل ذلك» . فأمر الحسن الحاضرين بقتل عمه فامتنعوا، وقالوا له:
«أنت أمير وهذا أمير، فلا نمد (1) أيدينا إلى قتل أحدكما» . فقال له مملوكان لأبيه قتادة: «نحن عبيدك فمرنا بما شئت» . فأمرهما [بقتله (2)] فوضعا عمامة عمه في عنقه وقتلاه (3). وبلغ ذلك قتادة، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ابنه، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن وعرّفه ذلك وقال له:«ابدأ به قبل أن يقتلك» . فعاد الحسن إلى مكة وقصد دار أبيه في نفر يسير، فرأى على الباب جمعا كثيرا فأمرهم فانصرفوا، ودخل الحسن على أبيه قتادة، فلما رآه [أبوه (4)] شتمه وبالغ في ذمه وتهدده. فوثب الحسن على أبيه فخنقه لوقته، ثم خرج إلى الحرم الشريف، وأحضر الأشراف وقال:«إن أبى قد اشتد مرضه وقد أمركم أن تحلفوا لى على أن أكون أميركم» . فحلفوا له ثم أنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس أنه مات حتف أنفه وأنه في التابوت، وكان قد دفنه سرا.
فلما استقرت له الأمارة بمكة أرسل إلى أخيه الذى بقلعة ينبع على لسان أبيه يستدعيه، فلما حضر أخوه عنده قتله أيضا، وارتكب أمرا عظيما بقتل أبيه وعمه وأخيه، فلم يمهله الله تعالى وعجل زوال أمره.
(1) في نسخة م «تمتد» والصيغة المثبتة من نسخة س ومن ابن الأثير، ج 12، ص 402.
(2)
اضيف ما بين الحاصرتين من نسخة س.
(3)
في نسخة م «وقتله» والصيغة المثبتة من س.
(4)
ما بين الحاصرتين للتوضيح من ابن الأثير، ج 12، ص 403.
وكان لقتادة ابن آخر أسمه راجح وكان مقيما عند العرب بظاهر مكة، يفسد وينازع أخاه الحسن في ملك مكة. فلما قدم الحاج العراقى إلى مكة - سنة ثمان عشرة وستمائة - وكان أميرهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله أسمه آق باش (1)، وكان حسن السيرة [مع الحاج (2)] في الطريق، كثير الحماية لهم، فأتاه راجح بن قتادة وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على استنزاع مكة من الحسن، وأن يكون هو أميرها. فأجابه آق باش إلى ذلك ووصلوا إلى مكة ونزلوا بالزاهر. وتقدم راجح وآق باش إلى مكة مقاتلين لحسن بن قتادة. وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرهم، فخرج إليهما من مكة وقاتلهما. وتقدم آق باش من بين عسكره منفردا، وصعد جبلا هناك إدلالا بنفسه، وأنه لا يقدم عليه أحد، فاحتاط به أصحاب حسن وقتلوه وعلقوا رأسه على رمح، فانهزم العسكر العراقى. واحتاط [110 ب] أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل اليهم حسن عمامته أمانا لهم، فعاد أصحابه عنهم ولم ينهبوا منهم شيئا. وسكن الناس وأذن حسن لهم في دخول مكة، وإقامة مناسك الحج، فدخل الحاج وقضوا مناسكهم، وعادوا إلى العراق سالمين. وعظم على الخليفة الناصر لدين الله ما فعله حسن بن قتادة [في قتل أمير الحاج (3)]، فوصلت رسل حسن [بن قتادة إلى الخليفة (4)] يعتذر ويطلب العفو عنه فأجيب إلى ذلك. [ولم يظهر لراجح بن قتادة خبر بعد الوقعة (5)].
فلما كان الموسم من هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة وستمائة - قدم الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى مكة حاجا، فلما كان يوم عرفة وقد
(1) في نسخة م «آق تاش» وبدون تنقيط في نسخة س، وورد الأسم في ابن الأثير، ج 12، ص 401، وفى ابن كثير، ج 13، ص 92 «آقباش» .
(2)
اضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح من ابن الأثير، ج 12، ص 401.
(3)
ما بين الحاصرتين من نسخة س.
(4)
ما بين الحاصرتين من نسخة س.
(5)
ما بين الحاصرتين من نسخة س.
تقدمت أعلام الخليفة لترفع على الجبل، تقدم الملك المسعود بعساكره ومنع من ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل الواردة من الديار المصرية على أعلام الخليفة، ولم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك، ثم رجع إلى اليمن بعد قضاء مناسك الحج. ولما بلغ الخليفة ذلك عظم عليه، وراسل السلطان الملك الكامل في إنكار ذلك، فوقع الاعتذار عنه، فقبل الخليفة العذر.
وأقام الملك المسعود باليمن بعد قدومه إليها مدة يسيرة، ثم حدثته نفسه بقصد مكة وانتزاعها من حسن بن قتادة، وكان حسن قد أساء السيرة في الأشراف ومماليك أبيه وتفرقوا عنه، ولم يبق عنده إلا نفر قليل.
فقدم الملك المسعود مكة في رابع شهر ربيع الأول (1) من سنة عشرين وستمائة، فلقيه حسن بن قتادة في المسعى، وقاتله ببطن مكة، فانهزم الحسن وفارق مكة بمن معه. وملك الملك المسعود مكة واستولى عليها، وأمر أن ينبش قبر أبى عزيز قتادة ويحرق، فنبشوه فظهر التابوت الذى دفنه الحسن والناس ينظرون اليه، فلم يروا فيه شيئا، فعلموا حينئذ أن الحسن كان دفن أباه سرا، وأنه لم يجعل في التابوت شيئا. وذاق الحسن وبال أمره [وقطيعة رحمه (2)] بقتله أباه وعمه وأخاه، وولى الملك المسعود بمكة واليا من قبله وعاد إلى اليمن.
(1) في نسخة س «سابع شهر ربيع الأول» بينما ذكر ابن الأثير (الكامل، ج 12 ص 413 حاشية 2) ونقل عنه الفاسى (العقد الثمين، ج 4 ص 168 - 169) أن الملك المسعود وصل إلى مكة «رابع ربيع الآخر» .
(2)
اضيف ما بين الحاصرتين من نسخة س وفى ابن الأثير، ج 12، ص 413 «وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم» .