الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر منازلة السلطان الملك الكامل دمشق وحصاره لها
قد ذكرنا (1) منازلة السلطان الملك الأشرف دمشق بمن معه من أصحابه وعسكر حلب، والملك الصالح بن الملك العادل وابن أخيه الملك المغيث ومن اجتمع معهم من عسكر دمشق، والملك المجاهد صاحب حمص، وتأخّر قدوم السلطان الملك الكامل. فأرسل إليه الملك الأشرف يستعجله على [147 ا] القدوم ويحثه عليه، فأرسل إليه الملك الكامل بعد فراغه من صلح الفرنج يقول له:«إن البلاد التي قد عينت لى حصون ومعاقل مثل الكرك والشوبك والصلت ربما تعذر أخذها علىّ لحصانتها، وتحصل أنت على دمشق» .
فقررت القاعدة بينهما على أن تكون البلاد الشرقيه التي عينت للملك الناصر للسلطان الملك الكامل، ويكون للملك الأشرف دمشق وبلادها إلى عقبة فيق (2)، ويعوض الملك الناصر بما يقع الاتفاق عليه إذا فتحت دمشق من البلاد التي ما بين عقبة فيق وغزة، وما يبقى منها يكون للملك الكامل.
ولما وقع الاتفاق على ذلك رحل الملك الكامل من تل العجول بعد طول مقامه بها، ووصل إلى ظاهر دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ست وعشرين وستمائة - واتفق هو والملك الأشرف على محاصرتها ومضايقتها. وكانت منزلته بمسجد القدم (3) قبلى دمشق، وقطع عنها نهر باناس
(1) انظر ما سبق ص 236 - 240.
(2)
انظر ما سبق، ص 231 حاشية 1.
(3)
يعرف هذا المسجد باسم «مسجد القدم» أو «مشهد القدم» انظر ابن العديم (زبدة الحلب ج 3، ص 207)؛ المقريزى (السلوك، ج 1 ص 234).
والقنوات، وضويق البلد مضايقة شديدة حتى جاف البلد لانقطاع الماء عنه.
وبقى شرب الناس من الآبار، فكان أهل دمشق يخرجون كل يوم مع العسكر.
ويقاتلون أشد قتال، ويناصحون صاحبهم (1) أشد مناصحة لمحبتهم له ولوالده الملك المعظم، وكراهية لخروج الملك من أولاده.
وكنت في أكثر الأوقات أصعد مع جماعة على منارة دمشق، ونشاهد القتال، فكان ربما كر الدمشقيون على العسكر المصرى، وطاردوهم وأنكوا فيهم. وأحرقت مواضع للبلد، وطالت المدة إلى آخر رجب من هذه السنة، فاشتد ذلك على أهل دمشق لإقبال الصيف وعدم الفواكه عندهم، وغلاء السعر. ولم يكن بدمشق رخيص غير السكر والحلواء، فكانت الحلوى الصابونية (2) وغيرها من الحلاوات أرخص من الجبن والخبز لكثرة السكر [الذى (3)] كان بدمشق. ونفر من العسكر الدمشقى جماعة قليلة منهم أرغش المعظمى.
ونفدت النفقات عند الملك الناصر فأنفق في هذه المدة [147 ب] جميع ما في الخزائن، ثم شرع في ضرب ما عنده من الأوانى الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها حتى أتى على أكثر ما عنده من الذخائر (4).
(1) أي الملك الناصر داود بن الملك المعظم.
(2)
نوع من الحلوى تصنع من الدقيق الذى يحمص بالسمن، ثم يضاف إليه السكر واللبن، ويعمل منه قوالب مثل الصابون، توضع في طبق وتبقى في الفرن حتى تنضج، انظر: الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب (مخطوط بدار الكتب 74 علوم صناعية) ورقة 52 ب؛ الشيزرى، نهاية الرتبه في طلب الحسبة، ص 41 حاشية 6 للدكتور العرينى.
(3)
ما بين الحاصرتين يقتضيه السياق.
(4)
انظر أيضا المقريزى، السلوك، ج 1، ص 234.