الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد كان من المتوقع أن تقضي كثرة العدو العديدة المتفوقة - التي أعادت تنظيمها بعد حركة خالد الناجحة - كان من المتوقع أن تقضي هذه الكثرة على القلة من المسلمين المطَّوقين وتسحقهم سحقًا كليًّا.
ولكن الليوث لا تصاد بسهولة.
فالبرغم من المأزق الحرج الذي وقع فيه سواد الجيش الإسلامي، فإنهم أخذوا يقاتلون بضراوة ليشقوا طريقهم نحو قائدهم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي تأكدوا من سلامته بعد أن سمعوه يناديهم بصوته الكريم من مقر قيادته.
فشقوا طريقهم (ولكن بصعوبة كبيرة) وسط غابات الرماح والسيوف التي أحاطهم المشركون بها من كل جانب بعد نجاح حركة خالد المفاجئة.
ولقد اتصل المسلمون من جديد بنبيهم الذي بقى (مع بعض هيئة أركان حربه) يرقبون مطاردة المسلمين للعدو وتخلصوا من الطوق المضروب عليهم ولكن بعد أن دفعوا الثمن غاليًا.
كيف انقسم الجيش الإسلامي
كان المسلمون بعد كشف المشركين عن معسكرهم ونزول الهزيمة بهم، قد انقسموا إلى فرق ثلاث:
1 -
الفرقة الأولى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض أركان حربه ظلوا في مركز القيادة العامة ولم يشتركوا في المطاردة، ومن بين هؤلاء أبو بكر
الصديق وطلحة بن عبيد الله وغيرهما من المهاجرين والأنصار وقد كانت الفرقة قليلة العدد جدًّا إذ لم يزد عددهم على أربعة عشر رجلًا (1).
2 -
وفرقة ثانية اشتركت في مطاردة العدو، ولكنها لم تتوغل، وبقيت على مقربة من مقر قيادة الرسول، وهذه الفرقة لم يتمكن المشركون من تطويقها، عندما تغير مجرى القتال، ويظهر أن من أفراد الفرقة أنس بن النضر وعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص (2).
وهذه الفرقة أيضًا كانت صغيرة جدًّا، إلا أن رجالها كانوا يعدون بالمئات، فقد سارع هؤلاء بالانضمام إلى الرسول في مقره، وألفوا جبهة لحماية الرسول من كرة العدو.
3 -
وفرقة ثالثة، وهي الفرقة الكبرى التي ضمت سواد الجيش الإسلامي، وقامت بمطاردة العدو حتى أجلته عن معسكره واحتلت مقر قيادته واستولت على ما في المعسكر من غنائم.
وهذه الفرقة (وإن شئت قل هذا الجيش) هو الذي تمكن جيش قريش من تطويقه توطيقًا كاملًا بعد ضربة خيالة بن الوليد المفاجئة وقد انقسم الجيش الإسلامي المطوّق إلى قسمين:
1 -
القسم الأول (وهو صغير جدًّا) تمكن من الإفلات وانهزم نحو المدينة، حيث لم يوفق في شق طريقه نحو مقر قيادة الرسول في الشعب، متوهمًا أن جيش المسلمين قد هزم، وأن نبيهم قد قتل.
(1) سمط النجوم العوالي، للعصامي ج 2 ص 85.
(2)
تقدمت ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
ولكن هذا القسم الصغير لما وصل بعضه أسوار المدينة عنفهم النساء اللواتي كن هناك في الآطام (1) وعلى التلال يرقبن المعركة .. عنف النساء هؤلاء الرجال المنهزمين وحَثَتْ الزوجات التراب في وجوه أزواجهن، ونبهنهم إلى أن الرسول لم يُقْتَل.
فعاد هؤلاء المنهزمون أدراجهم مسرعين نحو المعركة، ولكنه لم يتمكنوا من الاتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد انتهاء المعركة، ويقال أن بعضًا من هؤلاء المنهزمين لم يرجعوا إلا بعد ثلاثة أيام من المعركة، وهؤلاء هم الذين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، لقد ذهبتم فيها (أي الهزيمة) عريضة، أو كما قال:
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الفئة المنهزمة ونص على أن الله تعالى عفا عنهم، فقال تعالى:
أما القسم الأكبر من سواد الجيش المطوّق، فقد حدث ارتباك شديد داخل صفوفه، وانهارت الروح المعنوية (أو كادت) في نفوس بعض أفراده الذين أصابهم الذهول بعد الانتكاسة، وخاصة عندما سرت بينهم إشاعة مصرع النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ولقد كان والد حذيفة بن اليمان (3)
(1) الآطام: الحصون.
(2)
آل عمران: 151.
(3)
هو حذيفة بن حميل بن جابر اليماني العبسي، من كبار الصحابة، أسلم حذيفة وأبوه، وأراد شهود بدر فصدهما المشركون، شهد حذيفة الخندق وأحد وما بعدهما، وكان من الولاة =