الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفارس ذو العصابة
أما أبو دجانة، وهو الركن الثاني من أركان المعركة، والذي أبى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطي سيفه لأحد سواه عندما عرضه على أصحابه (قبل المعركة) فقد أبلى بلاء عظيمًا، فكان يوم أُحد لا يقوم له أحد وقد كان لبسالته أثر عظيم في اندحار المشركين في الصفحة الأولى من المعركة.
قال الزبير بن العوام .. وجدت في نفسي حين سألت رسول الله السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت أنا ابن صفية عمته (1) ومن قريش وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني؟ ؟ والله لأنظر ما يصنع، فاتبعته، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
(1) هي صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشقيقة حمزة ووالدة الزبير بن العوام، أمها هالة بنت وهب (خالة رسول الله) كان أول من تزوج صفية: الحارث بن حرب بن أمية، فلما هلك عنها خلف عليها العوام بن خويلد أخو خديجة أم المؤمنين، كانت من السابقات إلى الإسلام، هاجرت مع ولدها الزبير، وكانت رضي الله عنها ذات شجاعة وإقدام، فقد ذكر المؤرخون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لملاقاة الأحزاب في الخندق، جعل النساء في حصن يقال له (فارغ) وجعل معهن حسان بن ثابت، وصادف أن تسلق أحد اليهود الحصن. قالت صفية، فقلت لحسان قم فاقتله، فقال لو كان ذلك في، كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت صفية فقمت إليه فضربته حتى قطعت رأسه، وقلت لحسان قم فاطرح رأسه على اليهود وهم أسفل الحصن، فقال والله ما ذاك، (أي لا أستطيع) قالت فأخذت رأسه فرميت به عليهم، فقالوا: قد طعنا، إن هذا (يعني النبي) لم يكن ليترك أهله خلوا، ليس معهم أحد، فتفرقوا، وكانت صفية رضي الله عنها أول امرأة قتلت رجلا من الكفار، وذكر ابن حجر في الإصابة أن صفية بنت عبد المطلب، لما انهزم الناس في أحد كان بيدها رمح تضرب به في وجوههم، توفيت سنة عشرين هـ حزنت صفية على أخيها البطل حمزة حزنًا شديدًا، وقد رثته بأبيات شعر غاية في الجودة والرقة ومنها: إن يومًا أتى عليك ليوم كورت شمسه وكان مضيئا.
أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب، فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع جريحًا إلا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله (1).
وقال كعب بن مالك (2) كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلى المسلمين (أي بعد الانتكاسة) قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة (أي استكمل كل عدة حربه) يجوز المسلمين وهو يقول (استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم) وإذا رجل من المسلمين ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصرى، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين، ثم
(1) البداية والنهاية 4 ص 17.
(2)
هو كعب بن عمرو بن مالك بن القين الأنصاري السلمي الخزرجي، صحابي شهير وكان من أكابر الشعراء المشهورين في الجاهلية وفي الإسلام، كان من شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد الذين اشتركوا في إبرام بيعة العقبة، تخلف عن بدر وشهد أحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبوك، وكان من الثلاثة الذين تخلفوا وتاب الله عليهم، كما جاء في القرآن الكريم، كان كعب من الذين ساندوا الخليفة عثمان أيام المحنة وحرض الأنصار على نصرته وأنجده يوم الثورة، التزم كعب الحياد في الفتنة التي حدثت بين علي ومعاوية، وقال روح بن زنباع الجذامي أشجع بيت وصف به رجل قومه، قول كعب بن مالك.
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا
…
يومًا ونلحقها إذا لم تلحق
أخرج أصحاب الحديث في كتبهم ثمانين حديثًا لكعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي كعب سنة خمسين هـ.