الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هي مقدمة لعمل عسكري اعتزموا القيام به ضد المسلمين مغتنمين فرصة ما أصابهم في أُحد من جرح وقتيل.
ولكن نجاح حملة حمراء الأسد (1) السريعة التي قام بها النبي (كما تقدم) لمطاردة جيش مكة أثبت لهؤلاء الخصوم بأن المسلمين أثبت وأقوى من أن تنحني هاماتهم أو تتضعضع عزائمهم للمصاب الذي نزل بهم في أُحد، ولذلك خفف هؤلاء الأعداء من غلوائهم في معالنة المسلمين العداء وعادوا (وخاصة المنافقين) إلى التظاهر بالإخلاص للإسلام والرسول مع انطوائهم على بغضهما والكيد لهما.
إهانة رأس النفاق في المسجد
فبعد عودة النبي من حملة حمراء الأسد (ظافرًا) وقف رأس النفاق، عبد الله بن أبيّ في المسجد متظاهرًا بتأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى الالتفاف حوله، فقام إليه المسلمون وجرّوه من مكانه، بعد أن أسكتوه وأبلغوه أنه أكذب من أن يصدقه أحد فيما يقول، بعد الذي حدث منه من أعمال وأقوال سيئة ضد المسلمين.
وكأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر (شرفًا له في نفسه وفي قومه) وكان فيهم شريفًا، إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس، قام (ابن أُبيّ) فقال:
أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صنع ورجع بالناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذه المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا، أجلس أي عدو الله لست لذلك
(1) انظر تفصيل هذه الحملة في هذا الكتاب تحت عنوان (حملة حمراء الأسد).
بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج عدو الله يتخطى رقاب الناس وهو يقول، والله لكأنما قلت بجرًا (1) أن قمت أشدد من أمره، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فقال .. ما لك؟ ويلك، قال .. قمت أشدّد من أمره فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجرًا أن قمت أشدد أمره، قال .. ويلك أرجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال والله ما أبتغي أن يستغفر لي (2).
وبعد حادثة تظاهر المنافقين وإعلان فرحتهم بما أصاب المسلمين في أُحد اشتد حذر المسلمين منهم وازدادت يقظتهم.
ب - اليهود
أما اليهود فقد كانوا أكثر إظهارًا للفرح واستبشارًا بما أصاب المسلمين في معركة أُحد، بل إن حادثة أُحد قد أعطت هؤلاء اليهود مزيدًا من الجرأة على المسلمين، فأخذوا (على الرغم من المعاهدة القائمة بينهم وبين النبي) يكيدون المسلمين سرًّا وجهرًا ويتكتلون ضدهم، ويتربصون بهم الدوائر، وصاروا يعدون العدة للانقضاض على المسلمين ظنًّا منهم أنهم قد أصبحوا (بعد نكبة أُحد) ضعفاء، من السهل ضربهم، وأخذ ثارات كعب بن الأشرف وبني قينقاع (3) منهم.
وكانت أولى أعمال اليهود العدوانية محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) البجر (بفتح أوله وسكون ثانية) الأمر العظيم.
(2)
سيرة ابن هشام ج 2 ص 105.
(3)
انظر في أول هذا الكتاب قصة مقتل كعب بن الأشرف اليهودي وإجلاء بني قينقاع.
هذه المحاولة التي دبّرها يهود بني النضير، عندما ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، للاستعانة بهم في دفع دية رجلين من بني عامر لزمت المسلمين، كما سنفصل ذلك عند أول الحديث عن (غزوة الخندق وبني قريظة التي ستكون الكتاب التالي لهذا الكتاب إن شاء الله). وقد اتضح أن اليهود كانوا يعدون العدة لتسديد ضربة شديدة مفاجئة إلى المسلمين داخل المدينة مما أدى إلى إجلاء يهود بني النضير.
جـ - الأعراب
أما البدو الذين لا يبعدون كثيرًا عن المدينة، فقد كانوا - بعد نكبة المسلمين - في أُحد أكثر جرأة على المسلمين واستخفافًا بقوتهم وسلطانهم.
فقد ظن هؤلاء الأعراب (الذين لا يحترمون شيئًا غير القوة) أن ما أصاب المسلمين في معركة أُحد كفيل بأن ييسر لهم القتل والنهب والسلب، فأخذوا يفكرون (جديًا) في الإغارة على المدينة وضرب المسلمين فيها، ظنًّا منهم أن كل ما فيها أصبح (بعد نكبة المسلمين في معركة أُحد) غنيمة باردة لهم.
فقد سارعت عدة قبائل في التجمع للإغارة على المدينة، وهدم سلطان المسلمين فيها، وكانت بنو أسد (1)(وهم من قبائل نجد القوية) أول من تحرك من القبائل للإغارة على المدينة (بعد معركة أُحد مباشرة).
كما تحركت أيضًا قبائل هذيل (2) بقيادة خالد بن سفيان
(1) هم بنو أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عبدنان، ومنهم قبيلة عنزة بن أسد وجديلة بن أسد.
(2)
تقدمت ترجمة هذه القبيلة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
وتجمع كذلك بنو ثعلبة وبنو محارب من قبائل غطفان لغزو المدينة في ذلك الظرف الدقيق.
د - قريش
أما قريش فقد طارت فرحًا بنتائج أُحد على الرغم من أن نتائجها لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارًا تعبويًا، بينما كانت نتائجها فشلًا سوقيًا (1) عليهم (أي أن انتصارهم كان ظاهريًا فقط بينما كانت حقيقته فشلًا لهم (2).
ومع هذا فقد ذهبت قريش (بما لديها من وسائل الدعاية والنشر) تضخم من معاني هذا النصر الإسمى بين العرب، وتشن حربًا دعائية ضد هيبة المسلمين وسلطانهم، فتهون من شأنهم في نفوس سكان الجزيرة العربية، الذين كانت نفوسهم قد امتلأت بهيبة المسلمين كنتيجة لمعركة بدر الحاسمة التي سحق الجيش الإسلامي فيها جيش مكة المشرك سحقًا كاملًا ذهلت له الجزيرة بأكملها.
ولقد توسعت قريش في دعاياتها الحربية (ضد المسلمين) بعد معركة أُحد، وطارت قصائد شعرائها (والشعر في ذلك العصر كان أهم وسائل الإعلام) تشيد بالنصر الذي تم لها في معركة أُحد، وتتوعد المسلمين وتهددهم، وتحط من قيمتهم العسكرية مما كان له أثر في استخفاف كثير من قبائل العرب بالمسلمين والتهيؤ لضربهم في المدينة.
(1) الانتصار التعبوي انتصار محدود في موضع محدود لوقت محدود لا أثر له مصيري أما الانتصار السوقي (بفتح السين وسكون الواو) فله أثر حاسم على نتائج المعركة هكذا عرفه اللواء الركن محمود شيت خطاب .. انظر كتابه (الرسول القائد).
(2)
الرسول القائد ص 130 ط 2.