المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقال الزركشي عن [في] في الآية: (وقيل: ظرفية؛ لأن الجذع - منهج ابن عقيل الحنبلي وأقواله في التفسير جمعا ودراسة

[راشد بن حمود الثنيان]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌أسباب اختيار الموضوع:

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدراسات السابقة:

- ‌خطة البحث:

- ‌منهجي وعملي في البحث:

- ‌التمهيد ترجمة موجزة لابن عقيل

- ‌أولاً: اسمه ونسبه وكنيته:

- ‌ثانياً: مولده:

- ‌ثالثاً: أسرته:

- ‌رابعاً: شيوخه:

- ‌خامساً: تلاميذه:

- ‌سادساً: مكانته العلمية:

- ‌سابعاً: مصنفاته:

- ‌ثامناً: ابن عقيل والمعتزلة:

- ‌تاسعاً: وفاته

- ‌القسم الأول مصادر ابن عقيل ومنهجه في التفسير

- ‌الفصل الأول مصادر ابن عقيل في التفسير

- ‌المبحث الأول مصادر القرآن وعلومه:

- ‌المبحث الثاني مصادر الحديث:

- ‌المبحث الثالث مصادر الفقه:

- ‌المبحث الرابع مصادر العقيدة:

- ‌الفصل الثاني منهج ابن عقيل في التفسير

- ‌المبحث الأول تفسير القرآن بالقرآن:

- ‌المطلب الأول تخصيص العموم:

- ‌المطلب الثاني تقييد المطلق:

- ‌المطلب الثالث بيان المجمل:

- ‌المطلب الرابع جمع النظائر:

- ‌المبحث الثاني تفسير القرآن بالسنة

- ‌المطلب الأول تخصيص العموم:

- ‌المطلب الثاني بيان المجمل:

- ‌المطلب الثالث الترجيح بالسنة:

- ‌المبحث الثالث تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين:

- ‌المطلب الأول تخصيص العموم:

- ‌المطلب الثاني دفع موهم التناقض:

- ‌المبحث الرابع تفسير القرآن باللغة:

- ‌المطلب الأول اهتمامه بمعاني المفردات والحروف، ومرجع الضمائر:

- ‌المطلب الثاني عنايته بالشعر وأقوال العرب:

- ‌المطلب الثالث اهتمامه بالأوجه البلاغية ولطائف التفسير:

- ‌المبحث الخامس تفسيره لآيات الأحكام

- ‌المطلب الأول مذهبه الفقهي:

- ‌المطلب الثاني نقله للإجماع:

- ‌المطلب الثالث اهتمامه بالقياس:

- ‌المطلب الرابع منهجه في الاستنباط:

- ‌الفصل الثالث علوم القرآن عند ابن عقيل

- ‌المبحث الأول الناسخ والمنسوخ:

- ‌المبحث الثاني أسباب النزول:

- ‌المبحث الثالث المحكم والمتشابه:

- ‌المبحث الرابع العام والخاص:

- ‌القسم الثاني أقوال ابن عقيل في التفسير - من أول القرآن إلى آخره - مع دراستها

- ‌سورة الفاتحة

- ‌سورة البقرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سورة النساء

- ‌سورة المائدة

- ‌سورة الأنعام

- ‌سورة الأعراف

- ‌سورة التوبة

- ‌سورة الرعد

- ‌سورة الحجر

- ‌سورة النحل

- ‌سورة الإسراء

- ‌سورة الكهف

- ‌سورة الأنبياء

- ‌سورة الحج

- ‌سورة النور

- ‌سورة الفرقان

- ‌سورة الشعراء

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الأحزاب

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة الزمر

- ‌سورة الشورى

- ‌سورة الزخرف

- ‌سورة الأحقاف

- ‌سورة الفتح

- ‌سورة الحجرات

- ‌سورة الطور

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌سورة المجادلة

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌سورة الطلاق

- ‌سورة التحريم

- ‌سورة الملك

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة القدر

- ‌سورة الزلزلة

- ‌سورة العصر

- ‌الخاتمة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

- ‌ملخص الرسالة

الفصل: وقال الزركشي عن [في] في الآية: (وقيل: ظرفية؛ لأن الجذع

وقال الزركشي عن [في] في الآية: (وقيل: ظرفية؛ لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور فلذلك جاز أن يقال: [في])

(1)

. والله تعالى أعلم.

‌سورة الأنبياء

قال تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)} [الأنبياء:77].

100/ 1 - قال ابن عقيل: ({وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}، أي: على القوم اهـ)

(2)

.

الدراسة:

فسر ابن عقيل [من] بـ[على]؛ لأن [نصر] إنما يعدى بـ[على]، وهذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية، وهو قول الجوهري

(3)

، والثعالبي

(4)

.

قال ابن قتيبة: (قال الله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77]، أي: على القوم)

(5)

.

والقول الثاني: أن [من] على معناها الأصلي، وقوله تعالى:{وَنَصَرْنَاهُ} [الأنبياء:77] مضمن معنى آخر، وهو قول النسفي

(6)

، وابن كثير

(7)

.

(1)

البرهان 4/ 303.

(2)

الواضح 1/ 122.

(3)

الصحاح 5/ 1770.

(4)

تفسير الثعالبي 3/ 59، وهو أبو زيد عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري المالكي، من تصانيفه: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، والذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز، مات سنة 875 هـ، له ترجمة في: طبقات الأدنه وي ص 342، الأعلام 3/ 331.

(5)

تأويل مشكل القرآن ص 302.

(6)

تفسير النسفي 3/ 85.

(7)

تفسير ابن كثير 5/ 2326.

ص: 358

قال ابن تيمية: (قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء:77]، ضمن معنى: نجيناه وخلصناه، وكذلك قوله: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان:6]، ضمن: يروى بها، ونظائره كثيرة)

(1)

.

وكلا القولين صحيح؛ لأن الجميع قالوا بالتضمين في الآية

(2)

، فأصحاب القول الأول ضمنوا [من] معنى [على]، وأصحاب القول الثاني ضمنوا [النصر] معنى يناسب تعديته بـ[من] كالإنجاء والتخليص ونحوها، وليس أحد التضمينين بأولى من الآخر.

ولذا لم أجد من جزم بترجيح أحد القولين، بل جمع الطبري بينهما حيث قال:(يقول: ونصرنا نوحاً على القوم الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين)

(3)

.

والذي عليه أكثر المفسرين وغيرهم: ذكر القولين دون ميل لأحدهما مما يدل على تساويهما

(4)

.

قال السمرقندي: ({وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77]، أي: على القوم الذين كذبوا بآياتنا، يعني: كذبوا نوحاً بما أنذرهم من الغرق، ويقال: نصرناه من القوم، أي: نجيناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا)

(5)

.

وقال ابن الجوزي: (قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77]، أي: منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء، وقيل [من] بمعنى [على])

(6)

.

(1)

مجموع الفتاوى 13/ 342.

(2)

وهو أسلوب بلاغي معروف عند العرب، بأن يُشربوا لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه، وفائدته: أن تؤدي الكلمة معنى كلمتين، ينظر: مغني اللبيب ص 648.

(3)

جامع البيان 16/ 319.

(4)

ينظر مثلاً: الجامع لأحكام القرآن 11/ 306، مغني اللبيب ص 316، لسان العرب 13/ 421، تفسير الثعالبي 3/ 59، أضواء البيان 3/ 77.

(5)

تفسير السمرقندي 2/ 433.

(6)

زاد المسير 5/ 272.

ص: 359

وقال الزركشي: ({وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الأنبياء:77]، أي: على القوم، وقيل: على التضمين، أي: منعناه منهم بالنصر)

(1)

.

وحكى الآلوسي قولاً يؤيد ما ذكرت وهو: (أن النصر يتعدى بـ[على]، و [من]؛ ففي الأساس نَصَرَه الله تعالى على عدوه، ونَصَرَه من عدوه، وفُرِّق بينهما: بأن المتعدي بـ[على]: يدل على مجرد الإعانة، والمتعدي بـ[من]: يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار)

(2)

.

وقال الزمخشري: (هو نَصَرَ الذي مُطاوِعُه انتصر)

(3)

.

وبهذا يتبين أن لا خلاف في الآية بين القولين؛ بل كل ما ذكر فيها يصح تفسيرها به،

ومن قواعد التفسير: أنه إذا احتمل لفظ الآية معاني عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حُمِل عليها

(4)

. والله أعلم.

قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء:78].

101/ 2 - قال ابن عقيل: ({وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء:78]، إنما أراد به: حكم الأنبياء كلهم، ويحتمل: أنه أراد داود وسليمان والمحكوم له اهـ)

(5)

.

(1)

البرهان 4/ 420.

(2)

روح المعاني 17/ 73، ومثله ذكر الشوكاني في فتح القدير 3/ 516.

(3)

الكشاف 3/ 128، ومثله قال ابن جزي في التسهيل 2/ 40.

(4)

ينظر: قواعد التفسير 2/ 807.

(5)

الواضح 3/ 430.

ص: 360

الدراسة:

جاء في بداية الآية ذكر داود وسليمان حيث يقول تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} ، ثم ختمت بالجمع في قوله جل وعلا:{لِحُكْمِهِمْ} [الأنبياء:78] فقال بعض العلماء في الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان

(1)

، ومنهم الفراء

(2)

، وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة عند قوله تعالى:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء:11]

(3)

، وترجح لي خلافه.

والإجابة عن هذا الاستدلال بما ذكر ابن عقيل وغيره فيُقال:

أولاً: هذا ليس صريحاً في كون أقل الجمع اثنان، ومن الاحتمالات عليه:

1 -

أن يكون المراد حكم الأنبياء كلهم.

2 -

أن يكون المراد داود وسليمان والمحكوم له؛ لأن ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له

(4)

.

3 -

أن يكون المراد: الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال: هذا حكم المسلمين، يريد به: الحكم المشروع لهم

(5)

.

(1)

وهذه مسألة أصولية تراجع في مظانها: العدة 2/ 649، المسودة ص 149، الإحكام للآمدي 2/ 226، التمهيد لأبي الخطاب 2/ 59.

(2)

معاني القرآن 2/ 208، وينظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 307، الجلالين ص 328.

(3)

ينظر: ص 172 من هذا البحث.

(4)

ينظر: الواضح 3/ 430، زاد المسير 5/ 273، تفسير البيضاوي 4/ 102، الجامع لأحكام القرآن 11/ 307، روح المعاني 17/ 74.

(5)

ينظر: العدة 2/ 655.

ص: 361

4 -

أن يكون الجمع على سبيل التفخيم والتعظيم، كما قال تعالى:{وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)} [الأنبياء:78]، وهو واحد سبحانه لا شريك له، وقال:{مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [النور:26]، وأراد به عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل

(1)

، قال ابن العربي:(قد ينطلق لفظ الجماعة على الواحد، تقول العرب: نحن فعلنا، وتريد القائل لنفسه خاصة)

(2)

. وإذا دخل الدليل الاحتمال بطل فيه الاستدلال.

ثانياً: على فرض صحة الدلالة لما جاء في بعض النصوص من إطلاق الجمع على الاثنين؛ فإنما هو بدلالة أخرى غير اللفظ؛ ولو كان الاثنان جمعاً في اللغة لما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيان جماعة الصلاة بقوله صلى الله عليه وسلم: " اثنان فما فوقهما جماعة "

(3)

، وإنما حُجبت الأم بالأخوين مع أن نص الآية:{فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء:11] لإجماع الصحابة على ذلك

(4)

.

وأيضاً فإن أهل اللغة فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع فقالوا: رجل ورجلان ورجال، وجعلوا للإفراد باباً، وللتثنية باباً، وللجمع باباً، ولو كان الاثنين جمعاً كالثلاثة، لقالوا في الاثنين: رجال، كما قالوا: رجال في الثلاثة

(5)

.

فإذا قامت الدلالة على إرادة الاثنين بلفظ الجمع فلا خلاف في قبول ذلك عند الجميع، وإذا كان اللفظ بالجمع المطلق فالأكثر على أن المراد الثلاثة فما فوقها.

(1)

ينظر: تأويل مشكل القرآن ص 173.

(2)

أحكام القرآن 1/ 441، البرهان 4/ 32.

(3)

سبق تخريجه، ينظر: ص 174.

(4)

ينظر: العدة 2/ 651.

(5)

ينظر: ضياء السالك 1/ 57.

ص: 362

وبعد التأمل في أدلة من قال: أقل الجمع اثنان، لم أجد دليلاً على أنه إذا أُطلق لفظ الجمع المطلق انصرف إلى اثنين، بل كل أدلتهم قامت القرائن ودل السياق على أنه أُريد بلفظ الجمع الاثنين، وهذا ليس محلاً للنزاع فيما ظهر لي، مع إمكان توجيه أدلتهم، كما في الآية التي معنا.

قال ابن عقيل: (ولا خلاف بيننا وبين من خالفنا من أصحاب الشافعي أنه إذا قال: له علي دراهم، أنه يلزمه ثلاثة فصاعداً، حسب ما يُفَسِّر، ولو فسره بدرهمين؛ لم يقبل، ولو كان أقل الجمع اثنين لقبل منه التفسير بهما)

(1)

. والله أعلم.

قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)} [الأنبياء: 79].

102/ 3 - قال ابن عقيل: ({فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]، وتخصيص سليمان بالفهم دلالة على أحد أمرين: إما بالسلب للفهم في حق داود، أو إصابة الحق بفهمه دون داود، وإلا سقطت فائدة التخصيص بالتفهيم اهـ)

(2)

.

الدراسة:

أشار ابن عقيل إلى أن النص بالتفهيم لسليمان لا بد أن يدل على أحد أمرين: إما نفيه عن داود مطلقاً

(3)

، أو نفيه عنه في هذه المسألة، وإلا سقطت فائدة التخصيص، وهذا خلاف ما عليه العرب.

أقول إن هذه الآية مما اختلف فيها العلماء على قولين:

(1)

الواضح 3/ 429، وينظر: العدة 2/ 652.

(2)

الواضح 5/ 358.

(3)

وهذا لا يقول به ابن عقيل، ولكن من باب السبر والتقسيم لمفهوم النص على التفهيم.

ص: 363

القول الأول: أن سليمان أصاب الحق في هذه المسألة باجتهاده دون داود مع عدم نفي العلم عنه في غيرها من المسائل، وهذا هو قول ابن عقيل، وهو ما عليه جمهور العلماء

(1)

.

واستدلوا: بالآية التي معنا، ووجه الاستدلال: تخصيص سليمان بالفهم دون داود.

القول الثاني: أنهما مصيبان جميعاً؛ لأنهما حكما بوحي؛ لكن ما حكم به داود كان منسوخاً، وما حكم به سليمان كان ناسخاً؛ فعلم سليمان النص الناسخ وغاب عن داود

(2)

.

واستدلوا: بالآية نفسها، ووجه الاستدلال: أن الله آتى كلاً منهما حكماً وعلماً.

والقول الراجح هو قول جمهور العلماء: أن سليمان أصاب باجتهاده وأثنى الله عليه بذلك، أما داود عليه السلام فقد اجتهد وأخطأ

(3)

، وذلك لأمور منها:

1 -

أن في الآية قرائن تدل على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لوماً ولا ذماً بعدم إصابته، ومنها:

أ/ قوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا} [الأنبياء:79] دليل على أنه فهمها من نصوص ما عنده من الشرع لا أنه نزل عليه وحي جديد ناسخ.

ب/ أن داود لم يفَهَّم هذه المسألة ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفَهَّماً إياها

(4)

.

ج/ أن في سياق الآية دلالة على أن كل واحد منهما حكم بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحياً لما ساغ الخلاف

(5)

.

(1)

ينظر: الواضح 5/ 356، المحرر الوجيز 4/ 91، الجامع لأحكام القرآن 11/ 309.

(2)

ينظر: تفسير السمعاني 3/ 394، روح المعاني 17/ 76.

(3)

والمجتهد المخطئ معذور، ولم يُقر على ذلك من الله تعالى.

(4)

ينظر: أضواء البيان 3/ 115.

(5)

ينظر: زاد المسير 5/ 274، أضواء البيان 3/ 115.

ص: 364

2 -

ما قاله ابن عقيل: وهو أن تخصيص سليمان بالفهم لا بد أن يكون له فائدة، وهو دليل على رجحان قول سليمان، ولا يلزم من هذا انتقاص داود فخطأ المجتهد لا يقدح في كونه مجتهداً، بل هو فضيلة راجعة إلى داود لأن الوالد تسره زيادة ولده عليه، وقد مدحه الله بأن له حكماً وعلماً يرجع إليه في غير هذه النازلة

(1)

.

3 -

أن القول بالنسخ دعوى تحتاج إلى دليل، ولو كان فيه نص ناسخ لحكم لما خفي على نبي تلك الشريعة، والقول به تأويل بعيد

(2)

.

4 -

أن الخطأ يجوز على الأنبياء؛ لكن لا يقرون عليه

(3)

.

5 -

أن الحق عند الله في واحد من أقوال المجتهدين والباقي باطل وهذا هو مذهب أكثر الفقهاء والأصوليين، وقد اختلف حكم داود وسليمان فلا بد من كون أحدهما أصاب والآخر أخطأ

(4)

.

(1)

ينظر: تفسير السمرقندي 2/ 434، الكشاف 3/ 129، الجامع لأحكام القرآن 11/ 308، تفسير أبي السعود 4/ 350، تفسير السعدي 5/ 250.

(2)

ينظر: الواضح 5/ 360.

(3)

تفسير السمعاني 3/ 394، معالم التنزيل 3/ 214.

(4)

ينظر: الواضح 5/ 351، التفسير الكبير 22/ 169.

ص: 365

6 -

أن الحاكم قد يصيب الحق وقد يخطئ ولا يلام على خطئه إذا اجتهد وتحرى وإلا تحرج الحكام وتركوا الحكم، وهذا هو ما دلت عليه نصوص الشريعة، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر "

(1)

، وكونه مخطئاً ليس براجع إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحق بدليله؛ وإنما يرجع إلى أنه لم يصب حكم الله، كأن يقتطع المحكوم له مال خصمه أو حقه بذلك الحكم؛ لكذب الشهود، أو كون الخصم ألحن بحجته

(2)

. ولذا قال الشافعي: (قال الحسن بن أبي الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا لصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده)

(3)

، وفي رواية ذكرها القرطبي:(ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده)

(4)

.

7 -

أن كثيراً من أصحاب القول الثاني يرون أن سليمان عليه السلام فهم القضية وأفتى بالأرجح لا أن الحكم الأول خطأ، فكلاهما مصيب، ولكن حكم سليمان أولى، وهنا يجتمع القولان ويزول الخلاف

(5)

، قال ابن عطية:(وكثيراً ما يكون بين الأقوال في هذه المسائل قليل تباين، إلا أن ذلك الشفوف يشَرِّف القول، وكثيراً ما يبين الفضل بين القولين بأدنى نظر)

(6)

. والله أعلم.

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (7352)، ومسلم في كتاب الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (1716) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه.

(2)

ينظر: الواضح 5/ 362، المحرر الوجيز 4/ 91، التفسير الكبير 22/ 169.

(3)

الأم 7/ 93. وأخرجه البيهقي في كتاب آداب القاضي باب اجتهاد الحاكم فيما يسوغ فيه الاجتهاد وهو من أهل الاجتهاد (20152).

(4)

الجامع لأحكام القرآن 11/ 309.

(5)

ينظر: الكشاف 3/ 129.

(6)

المحرر الوجيز 4/ 92.

ص: 366

قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} [الأنبياء: 98].

103/ 4 - قال ابن عقيل: (لما نزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98] قال ابن الزِّبعرى

(1)

: لأخصمن محمداً، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد عُبِدت الملائكة، وعُبِد المسيح، أفيدخلون النار؟! فأنزل الله:{إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء:101]

(2)

، فاحتج بعموم اللفظ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم تعلقه بذلك، وأنزل الله سبحانه جواب ذلك، مما دل على تخصيصٍ، لا منكراً لتعلقه، فعلم أن العموم مقتضى هذه الصيغة اهـ)

(3)

.

_

الدراسة:

بين ابن عقيل في كلامه على هذه الآية مسألتين:

(1)

هو عبدالله بن الزِّبعرى بن قيس أبو سعد القرشي السهمي الشاعر، كان شديداً على المسلمين في الجاهلية، أسلم بعد الفتح، واعتذر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل منه وعذره وأحسن إليه، له ترجمة في: الإصابة 4/ 87، طبقات فحول الشعراء 1/ 233 وما بعدها.

(2)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12/ 153 (12739)، والواحدي في أسباب النزول ص 252، وذكره الوادعي في المسند الصحيح من أسباب النزول ص 135، وينظر: مجمع الزوائد 7/ 69.

(3)

الواضح 3/ 314.

ص: 367

المسألة الأولى: سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء:101]. وهذا السبب هو ما ذكره عامة المفسرين، ومنهم: الطبري

(1)

، والسمرقندي

(2)

، والسمعاني

(3)

، والبغوي

(4)

، وابن عطية

(5)

، وغيرهم

(6)

.

المسألة الثانية:

أن صيغة العموم تدل على الاستغراق، بدليل استدلال ابن الزبعرى بعموم اللفظ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفهم؛ بل أنزل الله الآية التي تبين حكم الله فيمن ذكر كعيسى والملائكة، وهذا استدلال صحيح؛ فلا بد لإخراج شيء من لفظ العموم من دليل خاص.

قال الزركشي: (وقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98]، ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيراً؛ فنزلت الآية مطلقة اكتفاء بالدلالة الظاهرة على أنه لا يعذبهما الله وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ، فلما قال المشركون: هذا المسيح وعزير قد عُبِدا من دون الله أنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)} [الأنبياء:101])

(7)

.

وقال الرازي: (هب أنه ثبت العموم، لكنه مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير؛ لبراءتهم من الذنوب والمعاصي، ووعد الله إياهم بكل مكرمة)

(8)

.

وذهب بعض العلماء إلى أن الصيغة لا تفيد العموم.

وأجابوا عن سؤال ابن الزبعرى بأجوبة منها:

(1)

جامع البيان 16/ 419.

(2)

تفسير السمرقندي 2/ 442.

(3)

تفسير السمعاني 3/ 410.

(4)

معالم التنزيل 3/ 227.

(5)

المحرر الوجيز 4/ 101.

(6)

ينظر: زاد المسير 5/ 288، التفسير الكبير 22/ 193، الجامع لأحكام القرآن 11/ 343.

(7)

البرهان 2/ 186.

(8)

التفسير الكبير 22/ 193.

ص: 368

1 -

أن الخطاب لأهل مكة، و [ما] في الآية لغير العاقل فلا يدخل إلا الأصنام التي عبدوها، وفي إدخالها النار زيادة ذل ومهانة لعابديها، فكيف يورد هذا على المسيح والملائكة

(1)

.

2 -

أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة؛ لقوله سبحانه: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)} [الأنبياء:99]

(2)

.

وهذه الأجوبة وإن كانت محتملة في هذه الآية؛ إلا أن بقاء اللفظ العام على عمومه هو الأولى والأقوى والأظهر

(3)

لأمور منها:

1 -

أن ابن الزبعرى استدل بـ[ما] في الآية على العموم، وهو حجة في اللغة

(4)

.

2 -

أكد ذلك أنه لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل جاءت الآية الأخرى مبينة لها.

3 -

أن لفظة [ما] وإن كان استعمالها لغير العاقل فقد تستعمل للعاقل، كما قال تعالى:{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)} [الكافرون:2 - 3].

4 -

أنه على فرض خطأ استدلال ابن الزبعرى كما ذكر بعض العلماء، فلا يمنع من بقاء الاستدلال بالعموم على عمومه، ويكون المانع له في هذا الدليل صوارف غير لفظ العموم. والله تعالى أعلم.

(1)

ينظر: تفسير السمرقندي 2/ 442، تفسير السمعاني 3/ 410، معالم التنزيل 3/ 227، تفسير ابن كثير 5/ 2349.

(2)

ينظر: التفسير الكبير 22/ 193.

(3)

وهذه مسألة أطال فيها الأصوليون فينظر مثلاً: العدة 2/ 485، الإحكام للآمدي 2/ 185، الإحكام لابن حزم 1/ 338، شرح الكوكب المنير 3/ 108، شرح مختصر روضة الناظر 2/ 465.

(4)

ينظر: العدة 2/ 490.

ص: 369