الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا يُؤَذَّنُ لَهُمَا وَقِيلَ: يُؤَذَّنُ لِلْأُولَى فَقَطْ وَالْمَشْهُورُ يُؤَذَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاتَّفَقَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُقَامُ لِكُلِّ صَلَاةٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيَجْمَعُ الْإِمَامُ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْإِمَامِ فَتُجْزِئُهُمْ إقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ (الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ) نَقَلَ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لِإِمَامٍ مُعَيَّنٍ فَتَعَذَّرَ فَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَؤُمَّ أَنَّهَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ، وَأَنَّهُ جَهِلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
(الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ) لَوْ أَقَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ، قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ فَلَا يُعِيدُ. أَشْهَبُ وَكَذَلِكَ فِي الْإِقَامَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: بِلَا فَصْلٍ مَسْأَلَةُ: مَا إذَا رَعَفَ الْمُقِيمُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَحْدَثَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَبَنَى عَلَى إقَامَتِهِ أَوْ بَنَى غَيْرُهُ عَلَى إقَامَتِهِ أَنْ يُجْزِئَهُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ أَشْهَبَ.
ص (وَلْيُقِمْ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ)
ش يَعْنِي أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ عِنْدَنَا فِي وَقْتِ قِيَامِ الْمُصَلِّي لِلصَّلَاةِ حَالَ الْإِقَامَةِ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُنَا، قَالَ فِي الْأُمِّ: وَكَانَ مَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ وَقْتًا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يَقُومُونَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ الْقَوِيُّ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ عَلِيٌّ قِيلَ: لِمَالِكٍ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ حَدًّا وَلْيَقُومُوا بِقَدْرِ مَا اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ وَفَرَغَتْ الْإِقَامَةُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يَقُومُ حَتَّى يَسْمَعَ: " قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ " انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا، قَالَ:" حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَقَالَ سَعِيدٌ إنَّهُ يَقُومُ إذَا، قَالَ الْمُؤَذِّنُ:" اللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِذَا، قَالَ: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " اعْتَدَلَتْ الصُّفُوفُ فَإِذَا قَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " كَبَّرَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الزَّاهِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ لِلصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ انْتَهَى.
[فَصْلٌ شَرْطُ الصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ شَرْطُ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ)
هَذَا الْفَصْلُ يُذْكَرُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَشَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ وَشَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ فَأَمَّا شُرُوطُ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ فَسِتَّةٌ.
(الْأَوَّلُ) بُلُوغُ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} [الإسراء: 15](الثَّانِي) دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ الْقَرَافِيُّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ.
وَسَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا فَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْوَقْتِ إجْمَاعًا وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا إلَّا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجَمْعِ (الثَّالِثُ) الْعَقْلُ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ. إلَّا إنْ أَفَاقَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ إفَاقَتِهِمَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ السَّكْرَانِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِإِدْخَالِهِ ذَلِكَ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَجْنُونِ وَلَا السَّكْرَانِ. إنْ كَانَ عَقْلُهُ غَائِبًا وَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ وَلَكِنَّ الْخَمْرَ فِي جَوْفِهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ (الرَّابِعُ) ارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى حَائِضٍ وَلَا عَلَى نُفَسَاءَ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا وَلَا يَقْضِيَانِ إلَّا مَا طَرَأَ فِي وَقْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ (الْخَامِسُ) وُجُودُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ الصَّعِيدِ عِنْدَ عَدَمِهِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ.
فَمِنْ عَدَمَهُمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَقَضَاؤُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (السَّادِسُ) عَدَمُ السَّهْوِ وَالنَّوْمِ فَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ. لَكِنْ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ زَوَالِ ذَلِكَ (وَأَمَّا) شُرُوطُ الْوُجُوبِ دُونَ الصِّحَّةِ فَاثْنَانِ (الْأَوَّلُ) الْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَكِنْ تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَيُؤْمَرُ بِهَا بِالسَّبْعِ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا الْعَشْرُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ صَلَّى الصَّبِيُّ ثُمَّ بَلَغَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْأُولَى نَافِلَةٌ وَلَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي حَالِ صِبَاهُ.
سَوَاءٌ صَلَّاهُ أَوْ لَمْ يُصَلِّهِ (الثَّانِي) عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِهَا لَكِنْ تَصِحُّ مِنْهُ إنْ فَعَلَهَا وَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ (وَأَمَّا) شُرُوطُ الصِّحَّةِ دُونَ الْوُجُوبِ فَخَمْسَةٌ (الْأَوَّلُ) الْإِسْلَامُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ لِفَقْدِ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ إنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَالْمُرْتَدُّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا قَضَاءُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَلِّيَا مَا أَسْلَمَا فِي وَقْتِهِ (الثَّانِي) طَهَارَةُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ ابْتِدَاءً أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَدَوَامًا أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُحْدِثِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ دَخَلَ نَاسِيًا وَلَا صَلَاةَ عَلَى مَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ فِي أَثْنَائِهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا أَوْ غَلَبَةً وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ أَبَدًا مَتَى عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ أَنَّهُ طَرَأَ عَلَيْهِ فِيهَا حَدَثٌ أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوْ لَمْعَةً مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَلِمَ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ شَرْطُ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَنَكَّرَ الْمُصَنِّفُ صَلَاةً لِيُفِيدَ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرِيضَةً كَانَتْ أَوْ نَافِلَةً فَائِتَةً أَوْ وَقْتِيَّةً ذَاتَ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ أَوْ سُجُودَ تِلَاوَةٍ نَاسِيًا كَانَ أَوْ ذَاكِرًا وَنَكَّرَ الطَّهَارَةَ لِيَشْمَلَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ أَوْ بِمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْجَبِيرَةِ وَنَكَّرَ الْحَدَثَ لِيَعُمَّ الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلُ الطِّهَارَةِ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ أَرْبَعُ مَعَانٍ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ وَالْخُرُوجُ وَالْوَصْفُ الَّذِي يُقَدَّرُ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ وَالْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ هُنَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَابُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
(الثَّالِثُ) طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَهُوَ النَّجِسُ مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لَكِنْ مَعَ الذِّكْرِ لِلنَّجَاسَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هُنَا فِي وُجُوبِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَمَا حَكَاهُ الْبِسَاطِيُّ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمَا قَالَهُ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فَتَأَمُّلُهُ، وَإِضَافَةُ الطَّهَارَةِ إلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمُسَبِّبِ إلَى السَّبَبِ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمُزِيلِ إلَى الْمُزَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) سِتْرُ الْعَوْرَةِ (الْخَامِسُ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَسَيَتَكَلَّمُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمَا وَعَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ تَرْكَ الْكَلَامِ وَتَرْكَ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَنْبَغِي عَدُّهُمَا فِي الشُّرُوطِ لِأَنَّ مَا طُلِبَ تَرْكُهُ إنَّمَا يُعَدُّ فِي الْمَوَانِعِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ تَابِعٌ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ عَدُّوهُمَا مِنْ الْفَرَائِضِ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ إذْ الْحُكْمُ لَا يُوجَدُ إلَّا إذَا عُدِمَ الْمَانِعُ، قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ، بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ انْتَهَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْفَرْضِ أَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَالْفَرْضِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّكْنِ دَاخِلِ الْمَاهِيَّةِ.
ص (وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَهَا وَدَامَ أَخَّرَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ وَصَلَّى)
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ طَهَارَةُ الْخَبَثِ وَكَانَ الرُّعَافُ مَنْفِيًّا لِذَلِكَ وَلَهُ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ شَرَعَ بَيْنَهَا فِي هَذَا الْفَصْلِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ وَالْقَرَافِيَّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ فَذَاكَرَاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ غَسْلَ الدَّمِ مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ (وَالرُّعَافُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الرُّعَافِ الَّذِي هُوَ السَّبْقُ كَقَوْلِ الْعَرَبِ فَرَسٌ رَاعِفٌ إذَا كَانَ يَتَقَدَّمُ الْخَيْلَ وَرَعَفَ فُلَانٌ الْخَيْلَ إذَا تَقَدَّمَهَا وَلَمَّا كَانَ الدَّمُ يَسْبِقُ إلَى الْأَنْفِ سُمِّيَ رُعَافًا قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ: وَيُقَالُ رَعَفَ يَرْعَفُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّاذُّ ضَمُّهَا فِيهِمَا انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: يُقَالُ رَعَفَ يَرْعُفُ بِفَتْحِ الْمَاضِي وَضَمِّ الْمُسْتَقْبَلِ وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَقِيلَ بِالضَّمِّ فِيهِمَا
وَأَصْلُ اشْتِقَاقِهِ مِنْ السَّبْقِ لِسَبْقِ الدَّمِ إلَى أَنْفِهِ وَمِنْهُ رَعَفَ فُلَانٌ الْخَيْلَ إذَا تَقَدَّمَهَا، وَقِيلَ مِنْ الظُّهُورِ انْتَهَى. فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا لُغَتَيْنِ رَعَفَ يَرْعُفُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ وَرَعَفَ يَرْعَفُ كَكَرَمَ يَكْرُمُ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَذَكَرَهَا فِي الْقَامُوسِ وَزَادَ أَيْضًا رَعِفَ يَرْعَفُ كَسَمِعَ يَسْمَعُ وَرُعِفَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: الرُّعَافُ الدَّمُ يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفِ وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الرُّعَافَ يُطْلَقُ عَلَى خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْأَنْفِ وَعَلَى الدَّمِ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ بِضَمِّ الرَّاءِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ قَسَّمَ الرُّعَافَ قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَطْرَأَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا فَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ رَجَاءَ أَنْ يُقْطَعَ فَإِنْ دَامَ وَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَيُصَلِّيهَا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ وَلَوْ إيمَاءً، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ بِحَدَثٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ فَلَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّهُ يَنْقُضُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِآخِرِ الْوَقْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ يَرْجُو انْقِطَاعَهُ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، قَالَ الشَّارِحُ فِي الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنُ يُونُسَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ مَعَ عِلْمِ الدَّوَامِ انْتَهَى قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الرُّعَافُ يَنْقَسِمُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَاحِبُهُ الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ وَيَزِيدُ فِي رُعَافِهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُلَطِّخَهُ الدَّمُ أَوْمَأَ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا إيمَاءً.
ثُمَّ قَالَ وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ غَيْرَ دَائِمٍ يَنْقَطِعُ فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْقَطِعَ مَا لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْقَامَةُ لِلظُّهْرِ وَالْقَامَتَانِ لِلْعَصْرِ وَقِيلَ بَلْ يُؤَخِّرُهُمَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ جُمْلَةً بِأَنْ يَتَمَكَّنَ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَيَخْشَى أَنْ لَا يُدْرِكَ تَمَامَهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ انْتَهَى
ثُمَّ ذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا أَصَابَهُ الرُّعَافُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَتَفْصِيلُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ سَوَاءٌ أَصَابَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ أَوْمَأَ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ.
وَذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَنْبَغِي إذَا رَعَفَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ الدَّمُ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمَفْرُوضِ عَسَاهُ أَنْ يَنْقَطِعَ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ صَلَّى حِينَئِذٍ انْتَهَى، فَفَهِمَ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّى حِينَئِذٍ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ وَالْكَلَامُ مُحْتَمَلٌ لَهُ وَلَكِنَّ التَّقْيِيدَ ظَاهِرٌ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ الثَّانِي لَمَّا ذَكَرَ الشَّارِحُ الْقَوْلَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَوْ الضَّرُورِيِّ وَقَالَ: لَيْسَ فِيهِمَا أَرْجَحِيَّةٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا عَلِمْت وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَشْهِيرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَتَرَدَّدَ الشَّارِحُ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ أَوْ الضَّرُورِيُّ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الضَّرُورِيُّ.
قَالَ: لِأَنَّهُ وَقْتٌ مَفْرُوضٌ لِأَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ قُلْتُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَعَطَفَ الثَّانِي بِقِيلَ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ لِتَصْدِيرِهِ بِهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِقِيلَ انْتَهَى، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ إذَا صَدَّرُوا بِقَوْلٍ وَعَطَفُوا عَلَيْهِ بِقِيلَ فَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَعْزُوا الْأَوَّلَ لِأَحَدٍ بَلْ نَقَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ وَعَزَا الْقَوْلَ الثَّانِي لِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ: وَغَيْرُ الدَّائِمِ يُؤَخِّرُ لَكِنَّهُ مَا لَمْ
يُخْرِجْ الْمُخْتَارَ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الضَّرُورِيَّ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَبَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمَ قُلْتُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَقِيلَ بِاعْتِبَارِ الضَّرُورِيِّ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا يُقَالُ هُوَ بَعِيدٌ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي التَّيَمُّمِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ اتِّفَاقٌ بَلْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا يَقْتَضِي مِنْ الضَّرُورِيِّ فِي التَّيَمُّمِ وَقَبْلَهُ ابْنُ هَارُونَ انْتَهَى وَقَدْ صَرَّحَ فِي الشَّامِلِ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (الثَّالِثُ) قَالَ الْبِسَاطِيّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَخَّرَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ لِآخِرِ الِاخْتِيَارِيِّ بِحَيْثُ يَقَعُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهَا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ قَرِيبٌ.
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا إلَّا أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الصَّلَاةَ تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ انْتَهَى.
قُلْتُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّضْيِيقِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) إذَا قُلْنَا: يُصَلِّي إيمَاءً وَصَلَّى كَذَلِكَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ الدَّمُ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ الْوَقْتِ وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ إذَا صَلَّى إيمَاءً ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ هَلْ يُعِيدُ يُخْتَلَفُ فِيهِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ يُعِيدُ وَيَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ انْتَهَى.
وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ قَالَ: مَنْ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لِلْعُذْرِ ثُمَّ صَحَّ فِي الْوَقْتِ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ: يُعِيدُ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْغَرِيقِ يُصَلِّي عَلَى لَوْحٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْوَقْتِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَقَدْ قِيلَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَجَّهَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ هُنَا تَخْرِيجِيًّا ثُمَّ حَكَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقِيلَ وَيَجْعَلُهُ ابْنُ رُشْدٍ الْمَذْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فَتَأَمَّلْهُ ص (أَوْ فِيهَا وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً وَظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ)
ش هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ قَسِيمُ قَوْلِهِ قَبْلَهَا وَيَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُوَ إمَّا أَنْ يَظُنَّ دَوَامَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَوْ لَا يَظُنَّ ذَلِكَ فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ أَتَمَّ الصَّلَاةَ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَالضَّمِيرُ فِي دَوَامِهِ عَائِدٌ عَلَى الرُّعَافِ وَفِي لَهُ لِلْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ وَفِي أَتَمَّهَا لِلصَّلَاةِ عَبَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْعِلْمِ فَقَالَ: وَلَوْ رَعَفَ وَعَلِمَ دَوَامَهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُرَادُهُ بِالْعِلْمِ الظَّنُّ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] وَقِيلَ أَطْلَقَ الْإِيمَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِارْتِبَاطِ غَالِبًا وَمُوجِبُ الْعِلْمِ هُنَا الْعَادَةُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالدَّوَامُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَفِي الِاخْتِيَارِيِّ نَظَرٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ إذَا صَلَّوْا فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ هَلْ يَكُونُونَ مُؤَدِّينَ أَوْ قَاضِينَ فَعَلَى الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ يُقْطَعُ وَعَلَى الْقَضَاءِ لَا يُقْطَعُ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَا فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، ثُمَّ قَالَ وَأَشَارَ ابْنُ هَارُونَ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ إجْرَاءُ الْقَوْلَيْنِ هُنَا انْتَهَى.
قُلْتُ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِأَنَّ الدَّوَامَ يُعْتَبَرُ إلَى آخِرِ الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَآهُ مَنْصُوصًا أَوْ رَآهُ أَوْلَى فَإِنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّلَبُّسِ بِحُرْمَتِهَا فَاعْتِبَارُهُ هُنَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ
فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَعَفَ فِيهَا فَإِنْ ظَنَّ دَوَامَ الرُّعَافِ إلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ مِنْهُمَا لِأَنَّ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فِي الْفَرِيضَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلْيَمْضِ فَيَغْسِلْ الدَّمَ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى مَوْضِعٍ صَلَّى عَلَيْهَا فِيهِ فَيُتِمَّ بَاقِي التَّكْبِيرِ وَكَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَلَوْ أَتَمَّ بَاقِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فِي بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ إنْ خَرَجَ يَغْسِلُ الدَّمَ أَنْ تَفُوتَهُ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَكَانَ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَى الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَلَا عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلْيَمْضِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ وَلَا يَنْصَرِفُ انْتَهَى.
وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ ابْنُ يُونُسَ وَصَاحِبُ الطِّرَازِ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمْ هَذَا إذَا خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو أَنَّهُ يَغْسِلُ الدَّمَ وَيُدْرِكُ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ وَيَغْسِلُ الدَّمَ فَإِنْ ظَنَّ إدْرَاكَ الْإِمَامِ أَوْ إدْرَاكَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ رَجَعَ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ الْإِمَامَ وَلَا الْجِنَازَةَ فَلْيُتِمَّ بِمَوْضِعِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَهَذَا حُكْمُ الْمَأْمُومِ وَأَمَّا الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَصَاحِبِ الطِّرَازِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلْيَمْضِ يَغْسِلْ الدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ يَرْجِعْ إلَى مَوْضِعٍ صَلَّى عَلَيْهَا فَيُتِمَّ بَقِيَّةَ التَّكْبِيرِ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَلَوْ أَتَمَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ فِي بَيْتِهِ أَجْزَأَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ إنْ خَرَجَ فَغَسَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ فَلْيَمْضِ كَمَا هُوَ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي الطِّرَازِ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ رَعَفَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَمْضِي فَيَغْسِلُ الدَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ فَوَاتَهُمَا صَلَّاهُمَا وَلَمْ يَنْصَرِفْ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَى الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَلَا عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ الْعِيدِ انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ قَدْ يُقَالُ إنَّمَا أَمَرَهُ أَشْهَبُ بِالتَّمَادِي لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَبْنِي عَلَيْهِ فَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِ الدَّمِ ثُمَّ يَبْنِي لَكَانَ فِي حُكْمِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهِيَ لَا تُعَادُ وَفِي حُكْمِ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ وَحْدَهُ أَنْ يَفُوتَهُمَا وَصَلَاتُهُمَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَوْلَى مِنْ فَوَاتِهِمَا هَكَذَا نَقَلَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ أَشْهَبَ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ فَعَلَ شَيْئًا يَعْتَدُّ بِهِ أَمْ لَا وَلَعَلَّ الشَّيْخَ اعْتَمَدَ عَلَى نَقْلِهِ انْتَهَى قُلْتُ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَكَلَامُ الطِّرَازِ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَى بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُتِمُّهُمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ بَابِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَقَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَنَصُّهُ إذَا رَعَفَ الْإِمَامُ فِي الْجِنَازَةِ أَوْ الْعِيدِ اسْتَخْلَفَ كَالْفَرِيضَةِ سَوَاءٌ وَإِنْ رَعَفَ الْمَأْمُومُ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَغْسِلُ الدَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ مَعَ الْإِمَامِ مَا بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ شَيْئًا مَعَ الْإِمَامِ أَتَمَّ حَيْثُ غَسَلَ الدَّمَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجِنَازَةَ قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ التَّكْبِيرِ عَلَيْهَا وَقَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ كَانَ رَعَفَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ رَكْعَةً أَوْ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ تَكْبِيرِ الْجِنَازَةِ شَيْئًا وَخَشِيَ إنْ انْصَرَفَ لِغَسْلِ الدَّمِ أَنْ تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ لَمْ يَنْصَرِفْ وَصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْعِيدِ وَكَذَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَخَافَ إنْ انْصَرَفَ لِغَسْلِهَا أَنْ تَفُوتَهُ هَذَا كُلُّهُ أَعْنِي مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ هُوَ مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ مُخَالِفًا لِبَعْضِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي شَرْحِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ النَّوَادِرِ وَحَكَى فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَوْلَ أَشْهَبَ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ: إذَا رَعَفَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ خَافَ