الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس
(في الدوران)
وقال الرازي: ومعناه: أن يثبت الحكم عند ثبوت وصف، وينتفي عند انتفائه، وذلك يقع على وجهين: الأول: أن يقع ذلك في صورة واحدة: فإن العصير، لما لم يكن مسكرا في أول الأمر، لم يكن حراما، فلما حدث وصف الإسكار، فيه حدثت الحرمة، فلما صار خلا، وزالت المسكرية، زالت الحرمة أيضا.
والثاني: أن يوجد ذلك في صورتين، وعندنا أنه يفيد ظن العلية.
وقال قوم من المعتزلة: إنه يفيد يقين العلية، وقال آخرون: إنه لا يفيد يقين العلية، ولا ظنها.
لنا وجهان:
الأول: أن هذا الحكم لا بد له من علة، والعلة: إما هذا الوصف، أو غيره: والأول هو المطلوب.
والثاني: لا يخلو إما أن يكون ذلك الغير كان موجودا قبل حدوث هذا الحكم، أو ما كان موجودا قبله: فإن كان موجودا قبله، وما كان هذا الحكم موجودا، لزم تخلف الحكم عن العلة؛ وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجودا، ـ فالأصل في الشيء بقاؤه على ما كان؛ فيحصل ظن أنه بقى كما كان غير علة؛ وإذا حصل ظن أن غيره ليس بعلة، حصل ظن كون هذا الوصف علة؛ لا محالة.
فإن قلت: (ذلك الحكم كما دار مع حدوث ذلك الوصف وجودا وعدما، فكذلك دار مع تعين ذلك الوصف، ومع حدوث حصول ذلك الوصف في ذلك المحل؛ فيجب أن يكون تعينه وحدوثه في ذلك المحل معتبرا في العلية، وذلك يمنع من التعدية).
قلت: تعين الشيء: معناه: أنه ليس غيره، وهذا أمر عدمي؛ إذ لو كان وجوديا لكان ذلك الوجود مساويا لسائر التعينات القائمة بسائر الذوات في كونه تعينا، ويمتاز عنها بخصوصيته، فيلزم أن يكون للتعين تعين آخر إلى غير نهاية؛ وهو محال.
وأما حصول الوصف في ذلك المحل: فيستحيل أن يكون أمرا وجوديا؛ وإلا لكان ذلك وصفا لذلك الوصف، فكونه وصفا للوصف زائد عليه؛ فيلزم التسلسل، وإذا ثبت أن التعين أمر عدمي، والحصول في المحل المعين أمر عدمي، استحال كونه علة، ولا جزء علة.
أما أنه لا يكون علة: فلأن قولنا في الشيء المعين: (إنه علة) نقيض لقولنا: (إنه ليس بعلة) وقولنا: (إنه ليس بعلة) يصح وصف المعدوم به في الجملة، ووصف المعدوم لا يكون موجودا، فقولنا:(ليس بعلة) أمر عدمي، وقولنا:(علة) مناقض له، ومناقض العدم ثبوت، فمفهوم قولنا:(علة) أمر ثبوتي، فلو وصفنا العدم به لزم قيام الصفة الموجودة بالموصوف الذي هو نفي محض؛ وذلك محال.
وأما أنه لا يجوز أن يكون جزء علة: فلأنا لو فرضنا حصول سائر الأجزاء بدون هذا الجزء الواحد: فإما أن تحصل العلية، أو لا تحصل: فإن حصلت العلية، كان سائر الأجزاء بدون هذا الجزء تمام العلة؛ فلا يكون هذا الجزء
جزء العلة، وإن لم تحصل العلية عند عدم هذا الجزء، وحصلت عند حصوله، كانت العلية: إنما حدثت لأجل هذا الجزء، فجزء العلة علة تامة لعلية العلة، وقد عرفت أن العدم لا يكون علة؛ فوجب ألا يكون العدم جزءا من العلة؛ وهو المطلوب ..
الوجه الثاني: في أن الدوران يفيد ظن العلية، وهو: أن بعض الدورانات يفيد ظن العلية؛ فوجب أن يكون كل دوران كذلك مفيدا لهذا الظن.
بيان الأول: أن من دعي باسم، فغضب، ثم تكرر الغضب، مع تكرر الدعاء بذلك الاسم، حصل هناك أنه إنما غضب لأنه دعي بذلك الاسم، وذلك الظن: إنما حصل من ذلك الدوران؛ لأن الناس، إذا قيل لهم: لم اعتقدتم ذلك؟ قالوا: لأجل أنا رأينا الغضب مع الدعاء بذلك الاسم مرة بعد أخرى، فيعللون الظن بالدوران.
بيان الثاني: قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90].
والعدل هو: التسوية، ولن تحصل التسوية بين الدورانات إلا بعد اشتراكها في إفادة الظن.
واحتج المنكرون بأمرين:
الأول: أن بعض الدورانات لا يفيد ظن العلية؛ فوجب ألا يفيد شيء منها ظن العلية.
بيان الأول من وجوه:
أحدها: أن العلة والمعلول قد يكونان متلازمين نفيا وإثباتا، والدوران مشترك بين الجانبين، والعلة غير مشتركة بين الجانبين؛ لأن المعلول لا يكون علة لعلته.
وثانيها: أن الفصل لابد أن يكون مساويا للنوع، والنوع إذا أوجب حكما، فالدوران كما حصل مع العلة التي هي النوع، حصل مع الفصل الذي هو جزء العلة، مع أن العلة ليس بعلة.
وثالثهما: أن العلة قد يكون اقتضاؤها للمعلول موقوفا على شرط، فالدوران حاصل مع شرط العلة، مع أنه ليس بعلة.
ورابعها: أن العلة قد يكون لها معلولان: إما معا عند من يجوز ذلك، أو على الترتيب؛ فالدوران حاصل في علة العلة، ومعلول العلة، مع أنه لا علية هناك ألبتة.
وخامسها: أن الجوهر والعرض متلازمان نفيا وإثباتا، وذات الله تعالى وصفاته كذلك، وكل واحدة من صفاته مع سائر الصفات كذلك، ولا علية هناك.
وسادسها: أن المضافين متلازمان معا نفيا وإثباتا؛ كالأبوة والبنوة، والمولى والعبد، ويمتنع كون أحدهما علة للآخر؛ لأن العلة متقدمة على المعلول، والمضافان معا، ولا شيء من المع متقدم.
وسابعها: أن المكان والمتمكن والحركة والزمان لا ينفك واحد منها عن الآخر، مع عدم العلية.
وثامنها: أن الجهات الست لا ينفك بعضها عن بعض، مع عدم العلية.
وتاسعها: أن علم الله تعالى دائر مع كل معلوم وجودا وعدما؛ فإنه لو كان المعلوم جوهرا، لعلمه جوهرا، ولو لم يكن المعلوم جوهرا، فإن الله تعالى لا
يعلمه جوهرا، فالعلم دائر مع المعلوم وجودا وعدما، مع أنه يستحيل أن يكون أحدهما علة للآخر.
أما أنه لا يكون العلم علة للمعلوم: فلأن شرط كونه علما: أن يتعلق بالشيء على ما هو به، فما لم يكن المعلوم في نفسه واقعا على ذلك الوجه، استحال تعلق العلم به على ذلك الوجه؛ فإذن: تعلق العلم به على ذلك الوجه مشروط بوقوعه على ذلك الوجه، فلو كان وقوعه على ذلك الوجه متوقفا على تعلق العلم به، لزم الدور.
وأما أنه يستحيل أن يكون المعلوم علة للعلم: فلأن علم الله تعالى صفة أزلية؛ واجبة الوجود، وما كان كذلك، يستحيل أن يكون معلول علة؛ فثبت أنه وجد الدوران ها هنا بدون العلة، ثم إن علم الله تعالى متعلق بما لا نهاية له من المعلومات، فها هنا دورانات لا نهاية لها بدون العلية.
وعاشرها: أن الأعراض عند أهل السنة لا تبقى، فهذه الألوان والأشكال تحدث حالا بعد حال، فحين فني ذلك اللون، وذلك الشكل عن ذلك الجسم، فنيت الألوان، والأشكال، وسائر الأعراض عن جميع الأجسام، وحين حدث فيه لون، وشكل، حدث فيه سائر الأعراض في جميع الأجسام، فقد حصلت هذه الدورانات الكثيرة بدون العلية.
وحادي عشرها: أن الفلك، إذا تحرك تحرك بجميع أجزائه، فحركة كل واحد من أجزائه، إنما حدثت عند حركة جميع أجزائه، وحين كانت تلك الحركة معدومة عن ذلك الجزء، كانت حركات سائر الأجزاء معدومة؛ فقد حصلت هذه الدورانات الكثيرة بدون العلية.
وثاني عشرها: أن جميع الحيوانات تتنفس، ولا شك أن كل واحد منها: إما أن يتنفس مع كون الآخر متنفسا، أو عقيبه بلحظة قليلة؛ فقد وجدت هذه الدورانات بدون العلية.
وثالث عشرها: أن الحكم، كما دار مع الوصف وجودا وعدما، فقد دار أيضا مع تعين الوصف، وخصوص المحل وخصوص وقوعه في الزمان المعين، والمكان المعين، وشيء من ذلك لا يصلح للعلية؛ لما ذكرتم أنها أمور عدمية؛ والعدم غير صالح للعلية.
ورابع عشرها: أن الحد دائر مع المحدود وجودا وعدما، والرائحة الفائحة في الخمر دائرة مع الحرمة وجودا وعدما، مع أنه لا علية هناك.
واعلم: أنا لو أردنا استقصاء القول في الدورانات المنفكة عن العلية، لطال الكلام، ولكن فيما ذكرنا كفاية.
وإنما قلنا: إن بعض الدورانات، لما انفكت عن العلية، وجب ألا يحصل ظن العلية في شيء منها، لأنه إذا حصل دوران ما منفكا عن العلية، فلو قدرنا أن دورانا آخر يستلزم العلية، لكان كونه مستلزما للعلية: إما أن يتوقف على انضمام شيء آخر إليه، أو لا يتوقف: فإن توقف، كان المستلزم للعلية هو المجموع الحاصل من الدوران، ومن ذلك الشيء، لا الدوران وحده، وكلامنا الآن في الدوران وحده.
وإن لم يتوقف، مع أن مسمى الدوران حاصل في الموضعين جميعا: لزم ترجح أحد طرفي الجائز على الآخر، لا لمرجح: وهو محال، هذا تمام تقرير هذا الدليل.
الوجه الثاني: وهو الذي عول عليه المتقدمون في القدح، قالوا: الاطراد وحده ليس طريقا إلى علية الوصف بالاتفاق، وأما الانعكاس: فإنه غير معتبر في العلل الشرعية، وإذا كان كل واحد منهما لا يدل على العلية، كان مجموعهما أيضا كذلك.
والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يقدح في قول من يقول: الدوران وحده يوجب ظن العلية، ونحن لا نقول به، بل ندعي: أن الدوران يفيد ظن العلية بشرط ألا يقوم عليه دليل يقدح في كونه علة، وإذا لخصنا الدعوى على هذا الوجه، سقط ما ذكرتموه من الاستدلال.
وعن الثاني: لم قلت: إن كل واحد منهما، لما لم يفد ظن العلية، وجب في المجموع أن يكون كذلك؟ فإنا نعلم أن حال المجموع قد يكون مخالفا حال كل واحد من أجزائه.
الفصل السادس
في الدوران
قال القرافي: قوله: (غير هذا الوصف إما أن يكون موجودا قبل الحكم، فيلزم تخلف الحكم عن علته، وهو خلاف الأصل، أو غير موجود، فالأصل بقاؤه على العدم):
قلنا: هنا تعيينه ينقلب في الوصف المدعى علة، فيلزم الخلو عن التعليل.
فإن قلت: إن الوصف المدعي علته أجمعنا على مخالفة الأصل فيه، وارتفاع عدمه، بخلاف غير المدعى.
قلت: مخالفة الأصل المقتضي لبقاء الشيء على عدمه إما أن يكون محذورا أم لا.
فإن كان الأول لزم المحذور فيما ادعيتموه علة، فيكون طعنا عليه.
وإن كان الثاني، بطل جعلكم استصحاب العدم دليلا على العدم؛ لأن ذلك الأصل لا عبرة به.
قوله: (التعين معناه ليس غيره، فهو عدمي):
قلنا: العين قد تكون بالثبوت: كالطول، والقصر، والألوان، وغيرها.
وقد تكون بالعدم كتعين الجزء على الكل، وامتيازه عليه بأنه ليس معه ذلك الجزء الآخر.
وقد تكون بهما، كالحيوان الأبيض، يمتاز على الأسود بأنه ليس أسود، وبالبياض.
قوله: (يلزم أن يكون للتعين تعين، فيلزم التسلسل):
قلنا: لا نسلم؛ لأن الحقائق المختلفة يجب اختلافها في اللوازم، ولا يزم اتفاقها، وتعين التعين مخالف لتعين الجسم، وإذا كانا مختلفين فجاز أن يكون لتعين الجسم مثلا تعين، وتعين التعين ليس له تعين، فلا يلزم التسلسل.
وكذلك القول في حصول الوصف في المحل، وكونه وصفا للوصف يمكن أن يقال: وصف الوصف عدمي، وحصول الوصف في المحل ثبوتي، ولا يلزم التسلسل.
قوله: (العلية إنما حصلت لأجل الجزء العدمي، فجزء العلة العدمي علة تامة للعلية، وقد عرفت أن العدم لا يكون علة):
قلنا: العلية غير العلة؛ لأن العلية هي نسبة خاصة ترجع إلى التأثير، والتأثير من باب النسب والإضافات العدمية.
والعلة في نفسها وجودية تعرض لها هذه النسبة، وكل مؤثر وجودي هكذا موثريته عدمية، وهو وجودي، فلا يلزم من الامتناع في العلة الامتناع في العلية.
سلمنا أن العدم لا يكون جزءا، فلم لا يجوز أن يكون شرطا، ولم يتعرضوا لإبطاله مع أن عدم الضد من المحل شرط للتأثير في وجود الضد الآخر؟.
قوله: (بعض الدورانات تفيد ظن العلية، فيكون الكل كذلك؛ لقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90]، والعدل: التسوية):
قلنا: هذه النكتة تنقلب، فنقول: بعض الدورانات لا تفيد العلية قطعا، كالنصوص المذكورة بعدها، فيكون الكل كذلك للآية.
قوله: (الدوران مشترك بين العلة والمعلول، مع أن المعلول ليس بعلة): تقريره: العلم مع العالمية متلازمان وجودا وعدما، مع أن العالمية ليست علة للعلم، والعلم علة للعالمية.
قوله: (النوع إذا وجب لا يوجبه فصله):
تقريره: أن الإسكار نوع بالنسبة إلى الوصف، فمجموعه علة التحريم، وكل جزء من أجزائه ليس علة التحريم.
قوله: (العلة قد يكون لها معلولان):
تقريره: أن الإحراق، والإسراف، معلولان للنار.
قوله: (الاطراد وحده ليس طريقا لعلية الوصف، والانعكاس لا يشترط في العلل الشرعية):
تقريره: أن الدوران مركب من اقتران الحكم بالوصف وجودا.
والاطراد: هو اقتران الحكم بالوصف في جميع صوره.
فالدوران حصل فيه صورة الاقتران، وإن لم يحصل فيه الاطراد المدعي هنالك.
وإذا كان الاطراد في جميع الصور غير معتبر على الخلاف فيه، ففي صورة واحدة لا يكون دليلا.
والدوران مركب- أيضا- من اقتران العدم بالعدم، وهذا هو العكس في العلة، وهو عدم حكمها عند عدمها، وهو غير لازم؛ لأنه لا يلزم من عدم علة وجوب الغسل- التي هي الإنزال- ألا يجب الغسل بانقطاع الحيض وغيره، ولا يلزم من [عدم] الردة الوصية لإباحة الدم ألا يباح الدم بالزنا والقتل.
قوله: (في النقوض الحركة مع الزمان):
تقريره: أن من الناس من يقول: الزمان: هو الحركة نفسها، قاله بعض الفلاسفة، فعلى هذا لا يصح التمثيل به.
ومن الفلاسفة من يقول: الزمان قطع المسافة بالحركة، فيصح التمثيل.