الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
في شرائط الأصل
قال الرازي: أعلم: أن الحكم في المقيس عليه: إما أن يكون على وفق قياس الأصول، أو على خلاف قياس الأصول، فلنذكر حكم كل واحد من هذين القسمين، ثم نذكر ما ظن أنه شرط في هذا الباب، مع أنه ليس بشرط.
القسم الأول
في شرائط الأصل، إذا كان حكمه على وفق قياس الأصول، وهي ستة:
الأول: ثبوت حكم الأصل؛ لأن القياس عبارة: عن تشبيه الفرع بالأصل في الحكم، وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل.
الثاني: أن يكون الطريق إلى معرفة ذلك الحكم سمعيا، وهو ظاهر على مذهبنا: أن جميع الأحكام لا تعرف إلا بالسمع، أما على مذهب من يثبت هذه الأحكام عقلا، فقد احتجوا عليه؛ بأنه لو كان ذلك الطريق عقليا، لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية، فكان القياس عقليا، لا سمعيا.
وهذا ضعيف؛ لأن ثبوت الحكم في الفرع يتوقف على ثبوت الحكم في الأصل، وعلى كون ذلك الحكم معللا بالوصف الفلاني، وعلى حصول ذلك الوصف في الفرع، فبتقدير أن تكون معرفة الأول عقلية: يحتمل أن تكون المعرفتان الباقيتان سميعتين؛ وحينئذ: لا يمكن معرفة حكم الفرع إلا بمقدمات سمعية، والمبني على السمعي سمعي فيكون ثبوت الحكم في الفرع سمعيا.
الثالث: ألا يكون طريق ثبوت الحكم في الأصل هو القياس؛ لأن العلة التي يلحق بها الأصل القريب بالأصل البعيد: إما أن تكون هي التي بها يلحق الفرع بالأصل القريب، أو غيرها:
فإن كان الأول: أمكن رد الفرع إلى الأصل البعيد، فيكون دخول الأصل القريب لغوا.
وإن كان الثاني: لزم تعليل حكم الأصل القريب بعلتين؛ وهو محال.
وأما ثانيا: فلأنه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلا بأن يتوصل إليه بالعلة الموجودة في الأصل البعيد، ومتى توصلنا إلى ثبوته بتلك العلة، امتنع تعليله بالعلة الموجودة في الفرع؛ لأن تلك العلة إنما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلة أخرى، ومتى عرف ذلك، كانت العلة الثانية عديمة الأثر؛ فيكون التعليل بها ممتنعا.
الرابع: ألا يكون الدليل الدال على حكم الأصل دالا بعينه على حكم الفرع، وإلا لم يكن جعل أحدهما أصلا، والآخر فرعا- أولى من العكس.
الخامس: لابد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معتبر؛ لأن رد الفرع إليه لا يصح إلا بهذه الواسطة.
السادس: قالوا: يجب ألا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع؛ وهو كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية؛ لأن التعبد بالتيمم، إنما ورد بعد الهجرة.
والحق أن يقال: لو لم يوجب على حكم الفرع دليل إلا ذلك القياس، لم يجز تقدم الفرع على الأصل؛ لأن قبل هذا الأصل لزم أن يقال:"كان هذا الحكم حاصلا من غير دليل، وهو تكليف ما لا يطاق، أو ما كان حاصلا ألبتة، فيكون ذلك كالنسخ" وأما إن وجد قبل ذلك دليل آخر سوى القياس بدل على ذلك الحكم فجائز؛ فإن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز.
الباب الثاني
في شرائط الأصل
القسم الأول
قال القرافي: قوله: "متى عرف الحكم بعلة أخرى كانت العلة الثانية عدمية الأثر؛ فيكون التعليل بها ممتنعا":
قلنا: اجتماع المعرفات بعد تقدم بعضها غير ممتنع، لاسيما والعلة الأخرى تشهد لها المناسبة والاقتران.
"فائدة"
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "الملخص": قال جماعة: يجوز القياس على فرع الأصل بعلته الأولى، أو بعلة، كقياس الذرة على الأرز المقيس على البر؛ لأن العلة إن كانت واحدة فقد حصل أصلان بتخير القياس بينهما للأرز والبر، قالوا: ولأن الحكم إذا ثبت في الأرز بعلة البر صار أصلا في نفسه أمكن أن يوجد فيه علة أخرى بينه وبين [الذرة] يقاس عليها الذرة، وتكون العلة الأولى كالنص يقع التعبد به بغيرها في الذرة.
وقال أبو الخطاب الحنبلي في "التمهيد" وأبو يعلى الحنبلي في "العمدة":
مذهب الحنابلة جواز القياس على الفرع.
القسم الثاني
قال الرازي: إذا كان الحكم في المقيس عليه على خلاف قياس الأصول.
فقال قوم من الشافعية والحنفية: يجوز القياس عليه مطلقا، وقال الكرخي: لا يجوز إلا لإحدى خلال ثلاث:
إحداها: أن يكون قد نص على علة ذلك الحكم؛ لأن النص كالتصريح بوجوب القياس عليه.
وثانيها: أن تجمع الأمة على تعليله، وإن اختلفوا في تعليله؛ فا يجوز القياس عليه.
وثالثها: أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخرى.
والحق أن يقال: ما ورد بخلاف قياس الأصول: إما أن يكون دليلا مقطوعا به، أو غير مقطوع به:
فإن كان مقطوعا به، كان أصلا بنفسه؛ لأن مرادنا بالأصل في هذا الموضع هذا، فكان القياس عليه كالقياس على غيره؛ فوجب أن يرجح المجتهد بين القياسين.
يؤكده أنه إذا لم يمنع العموم من قياس يخصه فأولى ألا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه؛ لأن العموم أقوى من القياس على العموم.
احتج الخصم: بأن الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، وما عداه باق على قياس الأصول.
والجواب: أنه إذا أخرج ما ورد فيه، ودلت أمارة على عليته- اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلة، ثم ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأصول أولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه.
أما إذا كان غير مقطوع به، فإما أن تكون علة حكمه منصوصة، أو لا تكون منصوصة: فإن لم تكن منصوصة، ولا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول، فلا شبهة في أن القياس على الأصول أولى من القياس عليه؛ لأن القياس على ما طريق حكمه معلوم- أولى من القياس على ما طريق حكمه غير معلوم.
وإن كانت منصوصة، فالأقرب أنه يتسوي القياسان؛ لأن القياس على الأصول يختص بأن طريق حكمه معلوم، وإن كانت علة حكمه غير معلومة، وهذا القياس طريق حكمه مظنون، وعلته معلومة؛ فكل واحد منهما قد اختص بحظ من القوة.
القسم الثاني
قال القرافي: قوله: "إذا لم يمنع العموم من قياس يخصصه، فأولى ألا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه":
قلنا: القياس إذا خصص العموم لم يكن فيه مخالفة أصل شرعي، بل القياس بين المراد من عموم، ولم يبطل مرادا.
أما القياس على العموم الموافق للأصول إذا عارضه قياس على رخصة مخالفة [للأصول]، ينبغي أن يكون القياس على ما هو على وفق الأصول مانعا من القياس على حكم نص الرخصة [لكونه] أقعد بالشريعة، وليس من باب الأول لهذا الفرق.
القسم الثالث
فيما جعل شرطا في هذا الباب، مع أنه ليس بشرط، وهو ثلاثة:
الأول: زعم عثمان البتى: أنه لا يقاس على الأصل، حتى تقوم الدلالة على جواز القياس عليه، وهو باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عموم قوله تعالى: {فاعتبروا} [الحشر: 2] ينفي هذا الشرط.
وثانيها: أنا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللا بوصف، ثم علمنا، أو ظننا حصوله في الفرع- حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل؛ والعمل بالظن واجب.
وثالثها: أن الصحابة حين استعلموا القياس في مسألة الحرام والجد وغيرهما، لم يعتبروا هذا الشرط.
الثاني: زعم بشر المريسي: "أن شرط الأصل انعقاد الإجماع على كون حكمه معللا، أو ثبوت النص على عين تلك العلة" وعندنا: أن هذا الشرط غير معتبر؛ والدليل عليه الوجوه الثلاثة المذكورة.
الثالث: قال قوم: الأصل المحصور بالعدد لا يجوز القياس عليه؛ حتى قالوا في قوله- عليه الصلاة والسلام: "خمس يقتلن في الحل والحرم" لا يقاس عليه، والحق: جوازه؛ للوجوه الثلاثة.
واحتجوا: بأن تخصيص ذلك العدد بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، وأيضا: جواز القياس عليه يبطل ذلك الحصر.
والجواب: يبطل ذلك بجواز القياس على الأشياء الستة؛ في تحريم ربا الفضل؛ وهذا أيضا دليل في أول المسألة.
القسم الثالث
قال القرافي: قوله: "الصحابة- رضوان الله عليهم- استعملوا هذا القياس في مسألة الحرام والجد، ولم يعتبروا هذا الشرط":
تقريره: أن عثمان البتى يشترط إذا كان القياس في النكاح- مثلا- أن يدل الدليل على جواز القياس خصوص النكاح، أو الطلاق أن يدل دليل لذلك، والصحابة- رضوان الله عليهم- اختلفوا في مسألة الحرام:
فمنهم من ألحقه باليمين بالله تعالى- فأوجب فيه كفارة يمين؛ شبها له بالامتناع الناشئ عن اليمين. ومنهم من جعله تشبيها بالتحريم الناشئ، عن الطلاق فيما إذا قال: أنت حرام، أو الحرام يلزمني، وقاسوا الجد على ابن الابن، ويرد عليه أن المعلوم أن الصحابة قاسوا في هذه المواطن،
أما أن الشرط المذكور حاصل أم لا؟ فلم يدل عليه دليل، فلعلهم اعتبروا هذا الشرط، وهو حاصل، فلم قلتم: إن الأمر ليس كذلك؟.
قوله: "تخصص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما ما عداه، ولأنه يبطل فائدة الحصر".
قلنا: هذا اعتماد على المفهوم، والقياس راجح عليه.
***