الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثالث
في تراجيح الأخبار
قال الرازي: ترجيح الخبر: إما أن يكون بكيفية إسناده أو بوقت وروده، أو بلفظه، أو بحكمه، أو بأمر خارج عن ذلك:
القول في التراجيح الحاصلة في الإسلام
واعلم: أن الترجيح إما أن يقع بكثرة الرواة؛ أو بأحوالهم:
أما الواقع بكثرة الرواة: فمن وجهين:
أحدهما: أن الخبر الذي رواته أكثر راجح على الذي لا يكون كذلك، وقد تقدم بيانه.
الثاني: أن يكون أحدهما أعلى إسنادا؛ فإنه مهما كانت الرواة أقل، كان احتمال الكذب والغلط أقل، ومهما كان ذلك أقل، كان احتمال الصحة أظهر، وإذا كان أظهر، وجب العمل به.
فعلو الإسناد راجح من هذا الوجه؛ لكنه مرجوح من وجه أخر، وهو كونه نادرا.
أما التراجيح الحاصلة بأحوال الرواة، فهي: إما العلم، أو الورع، أو الذكاء، أو الشهرة، أو زمان الرواية، أو كيفية الرواية:
أما التراجيح الحاصلة بالعلم، فهي على وجوه:
أحدها: أن رواية الفقيه راجحة على رواية غير الفقيه.
وقال قوم: هذا الترجيح؛ إنما يعتبر في خبرين مرويين بالمعنى؛ أما المروي باللفظ، فلا.
والحق أنه يقع به الترجيح مطلقا؛ لأن الفقيه يميز بين ما يجوز، وبيم ما لا يجوز، فإن حضر المجلس، وسمع كلاما لا يجوز إجراؤه على ظاهره، بحث عنه، وسأل عن مقدمته، وسبب وروده؛ فحينئذ: يطلع على الأمر الذي يزول به الإشكال.
أما من لم يكن عالما: فإنه لا يميز بين ما يجوز، وبين ما لا يجوز فينقل القدر الذي سمعه، وربما يكون ذلك القدر وحده سببا للضلال.
وثانيها: إذا كان أحدهما أفقه من الآخر، كانت رواية الأفقه راجحة؛ لأن الوثوق باحتراز الأفقه عن ذلك الاحتمال المذكور أتم من الوثوق باحتراز الأضعف منه.
وثالثها: إذا كان أحدهما عالما بالعربية، كانت روايته راجحة على من لا يكون كذلك؛ لأن الواقف على اللسان يمكنه من التحفظ من مواضع الزلل، ما لا يقدر عليه غير العالم به.
ويمكن أن يقال: بل هو مرجوح؛ لأن الواقف على اللسان يعتمد على معرفته؛ فلا يبالغ في الحفظ؛ اعتمادا على خاطره والجاهل باللسان يكون خائفا، فيبالغ في الحفظ.
ورابعها: رواية الأعلم بالعربية راجحة على رواية العالم بها؛ والوجه ما تقدم في الأفقه.
وخامسها: أن يكون أحدهما صاحب الواقعة في ما يروي، فيكون خبره راجحا؛ ولهذا أوجبنا الغسل بالتقاء الختانين؛ بحديث عائشة- رضي الله عنها في ذلك، ورجحناه على رواية غيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم:(الماء من الماء) لأن عائشة كانت أشد علما بذلك.
ورجح الشافعي رواية أبي رافع، على رواية ابن عباس في تزويج ميمونة؛ لأن أبا رافع كان السفير في ذلك؛ فكان أعرف بالقصة.
وسادسها: رواية من مجالسته للعلماء أكثر، أرجح.
وسابعها: رواية من مجالسته للمحدثين أكثر، أرجح.
وثامنها: أن يكون طريق إحدى الروايتين أقوى؛ وذلك إذا روى ما يقل اللبس؛ كما إذا روى أنه شاهد زيدا ببغداد وقت السحر، والآخر يروي أنه شاهده وقت الظهر بالبصرة؛ فطريق هذا أظهر، والاشتباه على الأول أكثر.
أما التراجيح الحاصلة بالورع، فهي على وجوه:
أحدها: رواية من ظهرت عدالته بالاختبار- راجحة على رواية مستور الحال عند من يقبلها.
وثانيها: رواية من عرفت عدالته بالاختبار- أولى من رواية من عرفت عدالته بالتزكية؛ إذ ليس الخبر كالمعاينة.
وثالثها: رواية من عرفت عدالته بتزكية جمع كثير- أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية جمع قليل.
ورابعها: رواية من عرفت عدالته بتزكية من كان أكثر بحثا في أحوال الناس، واطلاعا عليها- أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية من لم يكن كذلك.
وخامسها: رواية من عرفت عدالته بتزكية الأعلم الأورع أولى من رواية من عرفت عدالته بتزكية العالم الورع.
وسادسها: رواية من عرفت عدالته بتزكية المعدل؛ مع ذكر أسباب العدالة- أولى من رواية من زكاه المعدل، بدون ذكر أسباب العدالة.
وسابعها: المزكى، إذا زكى الراوي، فإن عمل بخبره، كانت روايته راجحة على ما إذا زكاه، وروى خبره.
وثامنها: رواية العدل الذي لا يكون صاحب البدعة- أولى من رواية العدل المبتدع، سواء كانت تلك البدعة كفرا في التأويل، أو لم تكن.
أما التراجيح الحاصلة بسبب الذكاء، فهي على وجوه:
أحدها: رواية الأكثر تيقظا، والأقل نسيانا- راجحة على رواية من لا يكون كذلك.
وثانيها: إذا كان أحدهما أشد ضبطا؛ لكنه أكثر نسيانا، والآخر يكون أضعف ضبطا؛ لكنه أقل نسيانا، ولم تكن قلة الضبط، وكثرة النسيان، بحيث تمنع من قبول خبره؛ على ما بينا في الأخبار- فالأقرب التعارض.
وثالثها: أن يكون أحدهما أقوى حفظ لألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم من غيره؛ فإن الحجة بالحقيقة ليست إلا في كلام الرسول- عليه الصلاة والسلام.
ورابعها: أن يجزم أحدهما صلى الله عليه وسلم، ويقول الآخر:(كذا قال فيما أظن).
وخامسها: أن يكون الراوي قد اختلط عقله في بعض الأوقات، ثم لا يعرف أنه روى هذا الخبر حال سلامة العقل، أو حال اختلاطه.
وسادسها: إذا كان أحدهما حفظ لفظ الحديث، والآخر عول على المكتوب، فالأول أولى؛ لأنه أبعد عن الشبهة، وفيه احتمال.
أما التراجيح الحاصلة بسبب شهرة الراوي، فأمور:
أحدها: أن يكون من كبار الصحابة؛ لأن دينه، لما منعه عن الكذب، فكذا منصبه العالي يمنعه عنه؛ ولذلك كان علي- رضي الله عنه يحلف الرواة، وكان يقبل رواية الصديق من غير التحليف.
وثانيها: صاحب الاسمين مرجوح بالنسبة إلى صاحب الاسم الواحد.
وثالثها: رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهول النسب.
ورابعها: أن يكون في رواة أحد الخبرين رجال تلتبس أسمائهم بأسماء قوم ضعفاء، ويصعب التمييز؛ فيرجح عليه الخبر الذي لا يكون كذلك.
أما التراجيح الراجعة إلى زمان الرواية، فأمور:
أحدها: إذا كان قد اتفق لأحدهما رواية الحديث في زمان الصبا، وغير زمان الصبا- فروايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية من لم يرو إلا في زمان البلوغ.
وثانيها: إذا كان أحدهما قد تحمل الحديث في الزمانين، ولم يرو إلا في حالة البلوغ، فهو مرجوح بالنسبة إلى من لم يتحمل، ولم يرو إلا في الكبر.
وثالثها: من احتمل فيه هذان الوجهان كان مرجوحا بالنسبة إلى من لم يوجد ذلك فيه.
أما التراجيح العائدة على كيفية الرواية، فأمور.
أحدها: أن يقع الخلاف في أحدهما: أنه موقوف على الراوي، أو مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمتفق على كونه مرفوعا أولى.
وثانيها: أن يكون أحد الخبرين منسوبا إليه قولا، والآخر اجتهادا؛ بأن يروي أنه وقع ذلك في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.
فالأول أولى؛ لأنه أقل احتمالا.
وثالثها: أن يذكر أحدهما سبب نزول ذلك الحكم، ولم يذكره الآخر، فيكون الأول راجحا؛ لأنه يدل على أنه كان له من الاهتمام بمعرفة ذلك الحكم ما لم يكن للآخر.
ورابعها: أن يروي أحدهما الخبر بلفظه، والآخر بمعناه، أو يحتمل أن يكون قد رواه بمعناه، فالأول أولى.
وخامسها: أن يروي أحدهما حديثا يعضد الحديث الأول، فيترجح على ما لا يكون كذلك.
وسادسها: إذا أنكر راوي الأصل، فقد ذكرنا فيه تفصيلا، وكيف كان، فهو مرجوح بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك.
وسابعها: لو قبلنا المرسل، فإذا أرسل أحدهما، وأسند الآخر، فعندنا المسند أولى.
وقال عيسى بن أبان: المرسل أولى.
وقال القاضي عبد الجبار: يستويان.
لنا: أنه إذا أرسل، فعدالته معلومة لرجل واحد، وهو الذي يروي عنه، وإذا
أسند، صارت عدالته معلومة للكل؛ لأنه يكون كل واحد متمكنا من البحث عن أسباب جرحه وعدالته، ولا شك أن من لم تظهر عدالته إلا لرجل واحد يكون مرجوحا بالنسبة إلى من ظهرت عدالته لكل أحد؛ لاحتمال أن يكون قد خفي حال الرجل على إنسان واحد؛ ولكن يبعد أن يخفى حاله على الكل؛ فثبت أن المسند أولى.
احتج المخالف بأمرين:
الأول: أن الثقة لا يقول: (قال الرسول ذلك) فيحكم عليه بالتحليل والتحريم، ويشهد به إلا وهو قاطع، أو كالقاطع بذلك؛ بخلاف ما إذا أسند الحديث، وذكر الواسطة؛ فإنه لم يحكم على ذلك الخبر بالصحة، فلم يزد على حكاية أن فلانا زعم أن الرسول- عليه الصلاة والسلام قال ذلك؛ فكان الأول أقوى.
الثاني: روي أن الحسن قال: (إذا حدثني أربعة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث، تركتهم وقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فأخبر عن نفسه أنه لا يستجيز هذا الإطلاق إلا عند فرط الوثوق.
والجواب عن الأول: أن قول الراوي: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، وهو جهل، وغير جائز؛ فوجب حمله على أن المراد منه:(أني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) وإذا كان كذلك، كان الإسناد أولى من الإرسال؛ لأن في الإسناد يحصل ظن العدالة للكل، وفي الإرسال لا يحصل ذلك الظن إلا للواحد، وهذا هو الجواب بعينه عن الوجه الثاني.
فرعان:
الأول: لو صح رجحان (المرسل) على (المسند) فإنما يصح لو قال الراوي:
(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أما إذا لم يقل ذلك، بل قال:(عن النبي صلى الله عليه وسلم) فالأظهر أنه لا يترجح؛ لأنه في معنى قوله: (روي عن الرسول).
الثاني: رجح قوم بالحرية والذكورة؛ قياسا على الشهادة، وفيه احتمال.
[القسم الثالث]
القول في الترجيح بالسند
قال القرافي: قوله: (صاحب الاسم مقدم على صاحب الاسمين):
تقريره: أن صاحب الاسمين يقرب اشتباهه بغيره ممن ليس بعدل بأن يكون هنالك غير عدل يسمى بأحد اسميه، فتقع الراوية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أن هذا العدل.
فإذا كان اسمه واحدا، قل احتمال اللبس.
وكلما كثرت الأسماء، كثر احتمال اللبس.
قوله: (رواية معلوم النسب مقدمةّ):
تقريره: أن معلوم النسب يذكر نسبه مع اسمه، فيقوى تمييزه، ومجهول النسب يقتصر على اسمه، فيضعف تمييزه، ويقرب اللبس منه.
أما إذا اقتصر على اسم المشهور دون نسبه بطل هذا الترجيح، وبقى أن يقال: مجهول النسب ربما وقع في ذكر نسبه مع اسمه تلبس يوجب إيهام غيره ممن ليس بعدل، فكان نوعا من الخلل سلم عنه معلوم النسب.
قوله: (قول الراوي: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأنه يقتضي الجزم بصحة خبر الواحد، وهو جهل):
قلنا: لا نسلم أنه يقتضي الجزم؛ فإن قوله: قال رسول الله- عليه السلام يقتضي إسناد القول لرسول الله- عليه السلام والإسناد أعم من كونه مع الجزم أو بدون، كما تقدم أول الكتاب تقسيم حكم الذهن بأمر على أمر إلى العلم والظن وغيرهما، والدال على الأعم غير دال على الأخص، ثم إن هذا مشترك في السند؛ فإنه لا يحصل الجزم؛ لأنه خبر واحد، وعدالة الرواة غير معلومة، والمستفاد من الظن ظن، فكلاهما على هذا التقدير محتاج للتأويل، بل قد يجزم مع الإرسال أكثر بأن يكون الراوي المسكوت عنه أقوى عدالة عنده من الراوي المصرح باسمه؛ لأن الكلام هاهنا في الراوي لا في السامع، والراوي يعلم حال المرسل عنه، كما يعلم المسند حال المسند عنه.
قوله: (رجح قوم بالحرية والذكورة قياسا على الشهادة):
قال: وفيه احتمال.
تقريره: أن باب الشهادة أشد؛ لقوة احتمال العداوة فيه للمشهود عليه باطنا، ونحن لا نعلم، وعداوة الخلق إلى يوم القيامة في رواية الحديث في غاية الندور، فلذلك احتيط في الشهادة بالعدد وغيره.
ومع هذا الفرق ينقطع الإلحاق أو يقال: إنما ذكرت هذه الأوصاف في معرض الترجيح لا معنى الشرطية، وهي أوصاف كمال؛ لأن الحرية توجب شرف النفس، [فيبعد] عن الكذب، والذكورة مظنة وفور العقل، ووفور العقل مظنة التثبت وعدم الغلط.
فكانت هذه الأوصاف مرجحة.
وهذا متجه أكثر من الأول.
(سؤال)
قال النقشواني: بقى قسم في الإسناد لم يتعرض له، وهو كيفية الإسناد.