الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثامنة
قال الرازي: يجوز بالتعليل بالوصف المركب عند الأكثرين، وقال قوم: لا يجوز
.
لنا: أن المناسبة مع الاقتران والدوران تفدي ظن العلية؛ فيجب العمل به.
احتج المنكرون بأمور ثلاثة:
أحدها: أن جواز التركيب في العلة يوجب تطرق النقض إلى العلة العقلية، واللازم محال؛ فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أن كل ماهية مركبة؛ فإن عدم كل واحد من أجزائها علة لعدم عليه تلك الماهية؛ لأن كون الماهية علة صفة من صفات الماهية، وتحقق الصفة يتوقف على تحقق الموصوف.
وإذا كان كذلك، كان عدم كل واحد من أجزاء الماهية علة تامة؛ لعدم علية تلك الماهية، فإذا عدم جزء من أجزائها، فقد عدمت العلية، فإذا عدم بعد ذلك جزء آخر، لم يكن عدم هذا الجزء الثاني علة لعدم علية تلك الماهية؛ لأن ذلك قد حصل عند عدم الجزء الأول؛ فلا يحصل مرة أخرى بعدم الجزء الثاني، فقد حصل عدم جزء الماهية، مع انه لم يترتب عليه عدم علية تلك الماهية، فقد وجد النقض في العلة العقلية؛ لأن كون عدم جزء الماهية علة لعدم علية الماهية- أمر حقيقي، سواء كانت علية الشيء عقلية، أو وضعية؟
فإن قلت: "فهذا يقتضى ألا يكون في الوجود ماهية مركبة؛ لأن عدم كل واحد من أجزائها علة مستقلة لعدم تلك الماهية، ويعود المحال":
قلت: ليست الماهية أمرا وراء مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم أحد تلك الأجزاء علة عدم شيء آخر.
وأما علية الماهية، فهي حكم زائد على ذات الماهية، وعدمها معلل بعدم كل واحد من أجزاء الماهية؛ فظهر الفرق.
وثانيها: أن كون الشيء علة لغيره صفة لذلك الشيء، سواء حصلت له تلك الصفة بذاته، أو بالجعل، فإذا كان الموصوف بالعلية أمرا مركبا فإما أن يقال: حصلت تلك الصفة بتمامها لكل واحد من تلك الأجزاء، وهو محال، أما أولا فلأنه يلزم كون الصفة الواحدة في المحال الكثيرة، وهو محال.
وأما ثانيا: فلأنه يلزم كون كل واحد من تلك الأجزاء علة تامة؛ لأنه لا معنى لكون الشيء علة إلا حصول العلية فيه، وإما أن يقال:"حصل في كل واحد من أجزاء العلة جزء من تلك العلية" وهذا أيضا محال؛ لأنه يقتضى انقسام الصفة العقلية؛ حتى يكون للعلية نصف، وثلث وربع؛ وهو محال.
وثالثها: أن كل واحد من تلك الأجزاء لم يكن علة، فعند انضمامها: إما أن يكون قد حدث أمر لم يكن، أو ما كان كذلك: فإن حدث أمر، فالمقتضى لحدوث ذلك الأمر: إما كل واحد من تلك الأجزاء، أو مجموعها:
فإن كان الأول: كان كل واحد من الأجزاء مستقلا باقتضاء العلية؛ فوجب كون كل واحد منها علة تامة؛ وذلك محال.
وإن كان الثاني: كان الكلام في اقتضاء ذلك المجموع لذلك الأمر الحادث، كالكلام في اقتضاء ذلك المجموع للعلية؛ فيلزم أن يكون بواسطة حدوث شيء آخر؛ ولزم التسلسل؛ وهو محال.
وإن قلنا: إنه لم يحدث أمر، لم يكن حاصلا، فتلك الأجزاء حالة الاجتماع- كهي حالة الانفراد، ولكنها- حالة الانفراد- ما كانت علة، فكذا عند الاجتماع.
والجواب عن الأول: أن النقض إنما يلزم لو جعلنا عدم جزء الماهية علة؛ لعدم علية الماهية؛ وهو بناء على كون العدم علة؛ وهو ممنوع.
وعن الثاني: أن العلية ليست صفة ثبوتية؛ وإلا لزم التسلسل؛ على ما قررناه، وإذا لم تكن صفة ثبوتية، امتنع القول بأنها: إما أن تحل كل واحد من الأجزاء بتمامها، أو تنقسم بحسب انقسام أجزاء الماهية.
وعن الثالث: أنه منقوض بكل واحد من العشرة؛ فإنه ليس بعشرة، وعند اجتماعها: يكون المجموع عشرة، فكذا هاهنا.
فرعان:
الأول: نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي- رحمه الله عن بعضهم، أنه قال:"لا يجوز أن تزيد الأوصاف على سبعة" وهذا الحصر لا أعرف له حجة.
والثاني: في الفرق بين جزء العلة ومحلها، وشرط ذات العلة وشرط عليتها: وقبل الخوض فيه لابد من حد الشرط، وذكروا فيه وجهين:
الأول: انه الذي يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا من العلة، والثاني: أنه الذي يلزم من عدمه مفسدة دافعة لوجود الحكم.
إذا عرفت ذلك، فمن الناس من أنكر هذا الفرق، ومنهم المثبتون للطرد، والمنكرون لتخصيص العلة.
واحتجوا عليه: بأن العلة الشرعية ما يكون معرفا للحكم، وهو إنما يكون
معرفاً للحكم عند اجتماع كل القيود؛ من الشرط، والإضافة إلى الأهل والمحل؛ فيكون كل واحد من هذه القيود جزءا من المعرف للحكم؛ فيكون جزءا من العلة.
بلى، لا ننكر أن بعض هذه القيود أقوى في الوجود من بعض؛ فإن القتل له ذات وحقيقة، ثم له صفة، وهي إضافته إلى القاتل وإلى المقتول، وذات القتل أقوى في الوجود من هذه الإضافات؛ لاحتياجها إليه في الوجود.
وقد يكون بعض تلك القيود مناسبا، دون البعض، أو يكون بعضها أقوى في المناسبة من بعض؛ ولكن مع تسليم هذا المقام، فالمعتبر في تعريف الحكم: هو المجموع: وحينئذ لا يبقى بين جزء العلة وبين شرطها فرق.
وفائدة هذا البحث: أنه إذا صدر بعض تلك الأجزاء عن إنسان، وصدر الثاني عن إنسان آخر، فإن كانت تلك الأجزاء متساوية في القوة والمناسبة؛ اشتركا؛ وإلا نسب الفعل إلى فاعل الجزء الأقوى، وهذه الفائدة حاصلة، سواء سميناه جزء العلة، أو شرطها.
ومن الناس من سلم الفرق؛ وزعم أن العلة إنما تعرف عليتها بالنص، أو بالاستنباط.
فإن كان الأول: فالقدر الذي دل النص على كونه مناطا للحكم، هو العلة، وسائر القيود التي عرف اعتبارها بدلائل منفصلة نجعلها شرائط.
وإن كان الثاني: فالذي يكون مناسبا، هو العلة، والذي يكون معتبرا في تحقق المناسبة، ولا يكون كافيا فيها، هو جزء العلة، والذي لا يكون مناسبا، ولا جزءا منه، فهو الشرط.
هذا إذا عرفنا علية الوصف بالمناسبة، أما إذا عرفناها بسائر الطرق، لم يتجه هذا الفرق.
المسألة الثامنة
يجوز التعليل بالوصف المركب
قال القرافي: قوله: "الاقتران أو الدوران يفيد ظن العلية، والعمل بالظن واجب":
قلنا: قد تقدم أن مطلق الظن ملغى إجماعا، فلا بد من إثبات أن المرتبة التي اعتبرها الشارع موجودة هاهنا.
قوله: "إذا عدم الجزء فعدمت الماهية، ثم عدم الجزء الثاني لا يوجب عدم تلك الماهية؛ فيلزم النقض على العلة العقلية":
قلنا: الذي نسلمه أن عدم ما هو جزء بالفعل لماهية موجودة يكون عدمه يوجب عدمها.
وهاهنا الجزء الثاني لم يبق جزءا للماهية الأول، بل جزء للماهية الباقية، فلا جرم كان عدمه علة لعدم الماهية الباقية، كما إذا عدم أحد العشرة عدمت العشرة، وبقيت التسعة، فإذا عدم واحد بعد ذلك عدمت التسعة، وليس هو جزء العشرة حينئذ، بل تسميته جزءا للعشرة مجاز باعتبار ما كان عليه.
والمعتبر إنما هو الجزء بالفعل؛ لأن الجزء بالقوة لا يوجب عدمه عدم الماهية؛ فإن كل كم في العالم هو جزء للقميص بالقوة، مع أنه لا يلزم من عدمه عدم القميص، بل من عدم الكم الذي هو جزء بالفعل فقط.
قوله: "ليست الماهية أمرا وراء تلك الأجزاء، فلم يكن عدم أحد تلك الأجزاء علة لعدم شيء آخر":
قلنا: إن أردت أنها ليس غير تلك الأجزاء باعتبار الوجود الخارجي، فمسلم، لكن العلية- أيضا- كذلك من باب النسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان، بل في الأذهان، وإن أردت أنها ليست عين الأجزاء باعتبار الذهن، فممنوع.
وأيضا: يلزم خلاف ما اجمع عليه العقلاء أن هدم جزء الماهية يوجب عدمها، مع إجماعهم على أن عدم جزء لا يوجب عدم جزء آخر، فلم يبق إلا الماهية، وهي غير الأجزاء، وحينئذ يتجه المنع والسؤال.
قوله: "إن اقتضاء الأمر الزائد مجموع الأجزاء عاد الكلام فيه":
قلنا: العلة أمر ذهني إضافي، يوجبه مجموع الأجزاء الخارجية، وللعقل أن يخترع المجموع الذي هو الصورة الذهنية مجموعا آخر، وللمجموع مجموعا، وهلم جرا، ولا يلزم التسلسل؛ فإن الاختراعات العقلية كالتأثيرات، فكما لا يستحيل بعد كل أثر أثر كنعيم أهل الجنة، لا يستحيل للعقل اختراع بعد اختراع، ولا يجب الوقوف فيه عند غاية.
قوله: "استلزام عدم الجزء عدم الماهية مبني على أن العدم علة، وهو ممنوع".
قلنا: ليس المراد- هاهنا- التأثير، بل الملازمة، وهي أن عدم الجزء يستلزم عدم الماهية، كما يستلزم عدم الشرط عدم المشروط، وعدم اللازم عدم اللزوم، ولنزاع في أن عدم الجزء يوجب عدم الكل جحد لضرورات العقول؛ فإنا نقطع أن عدم واحد من العشرة يوجب عدمها ضرورة.
قوله: "الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم، ولا يكون جزءا للعلة":
قلنا: يبطل بكمال العلة، فإنه يلزم من عدمه عدم الحكم، وليس هو جزء نفسها.
وشرط العلة قبول النصاب للملك والانتفاع؛ فإنه سبب جعله سبب وجوب الزكاة.
والعلة للحكم غير الحكم، فلا يكون الحد جامعا.
ولان الشرط قد يكون لا في حكم ولا علة، بل الصفة حقيقية، كـ "الحياة شرط للعلم، والعلم شرط للإرادة" ونحوه.
وبهذه الأسئلة تعرف فساد التعريف الثاني، بل الحق ما تقدم في خطاب الوضع، وهو أن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
فالقيد الأول: احتراز من المانع؛ فإنه لا يلزم من عدمه شيء.
والقيد الثاني: احتراز من السبب؛ فإنه يلزم من وجوده الوجود.
و"لذاته" احترازا من أن يقارن وجوده تقدم السبب؛ فيلزم الوجود كالحول بعد النصاب، أو يقارن وجوده عدم السبب، أو قيام المانع؛ فيلزم العدم، لكن لا لذاته، بل لمقارنة عدم السبب أو المانع.
ويندرج في هذا الحد جميع أنواع الشروط التي تقدمت نقضا على ذلك الحد، ولا يبقي خلل ألبتة.
قوله: "ومن الناس من أنكر هذا الفرق":
تقريره: أن الأستاذ إبا إسحاق وغيره قالوا: ينبغي أن نجعل العلة الشرعية كالعلة العقلية، لا يتخلف عنها أثرها ألبتة، فنقول: العلة مجموع ما يستلزم الحكم، فيندرج في العلة جزؤها، وشروطها، وجميع ما تتوقف عليه، فلا فرق حينئد.