الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد فى المحالّ أحدا، ووجد رعاء»
منهم غلام يقال له: يسار، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة، فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النّعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كلّ رجل منهم بعيران، وصار يسار فى سهم النبىّ صلى الله عليه وسلم، فأعتقه حين رآه يصلى. وكانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة خمس عشرة ليلة.
ذكر مقتل كعب بن الأشرف اليهودىّ وخبر سريّته
قال أبو عبد الله محمد بن إسحاق وأبو محمد عبد الملك بن هشام ومحمد بن سعد- دخل حديث بعضهم فى حديث بعض-: كانت سريّة قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل على رأس خمسة وعشرين شهرا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبىّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرّض عليهم ويؤذيهم، وكان لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشير بن إلى من بالمدينة من المسلمين بخبر بدر، فقال كعب بن الأشرف- وكان رجلا من طيئ، ثم أحد بنى نبهان، وكانت أمّه من بنى النّضير «2» -: أحقّ هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشراف العرب
وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
فلما تيقّن الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطّلب بن أبى وداعة السّهمى، وجعل يحرّض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار «1» ويبكى أصحاب القليب من قريش.
ثم رجع إلى المدينة فشبّب «2» بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اكفنى ابن الأشرف بما شئت» ؛ وقال: «من لى بابن الأشرف فقد آذانى» ؟ فقال محمد بن مسلمة، أخو بنى عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال:«فافعل إن قدرت «3» على ذلك» . فرجع [محمد بن «4» ] مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يمسك رمقه؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:«لم تركت الطعام والشّراب» ؟ فقال: يا رسول [الله «5» ] ؛ قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أولا؟ قال: «إنما عليك الجهد» قال: يا رسول الله؛ لا بدّ لنا من أن نقول «6» ، قال:«قولوا ما بدا لكم، فأنتم فى حلّ من ذلك» . فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش- وكان أخا كعب من
الرّضاعة- وعبّاد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر «1» ، أخو بنى حارثة، فقدّموا إليه سلكان بن سلامة، فجاءه فتحدّث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة سلكان: ويحك يابن الأشرف! إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال: أفعل، قال: قد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا «2» عن قوس واحدة، وقطعت عنا السّبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ فقال كعب:
أنا ابن الأشرف، والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؛ فقال له سلكان: إنّا نريد التّنحى منه، ومعى رجال من قومى على مثل رأيى، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك مايكون لك فيه ثقة ووفاء؛ فقال أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشبّ أهل يثرب وأعطرهم؛ فقال: هذا رهينة وسق «3» ، وهذا رهينة وسقين، ولكنّا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح؛ فقال: نعم إن فى الحلقة «4» لوفاء، وإنما أراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، ثم رجع سلكان إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلوا.
ومشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع «5» الغرقد، ثم وجههم وقال:
انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. ورجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وتوجّهوا،
وكانت ليلة مقمرة، حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب فى ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة؛ قال: إنّه أبو نائلة، لو وجدنى نائما ما أيقظنى؛ فقالت: والله إنى لأعرف فى صوته الشرّ، فقال لها:
لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.
وفى حديث البخارىّ من رواية سفيان «1» عن عمرو عن جابر بن عبد الله قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم؛ فقال: إنما هو أخى محمد بن مسلمة، ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب؛ قالوا: ونزل إليهم فتحدّثوا معه ساعة ثم قالوا: هل لك يابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب «2» العجوز فنتحدّث به بقيّة ليلتنا. فقال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم وضع أبو نائلة [يده «3» ] فى فود رأس ابن الأشرف، ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قطّ من هذا! فقال: هذا عطر أمّ فلان، يريد امرأته، ثم مشى قليلا وعاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه وقال: اضربوا عدوّ الله.
فضربوه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.
قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا «4» في سيفى حين رأيت أسيافنا لم تغن، فأخذته وقد صاح عدوّ الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته فى ثنّته «5» ، ثم تحاملت عليه حتى انتهى إلى عانته «6» . ثم حزّوا رأسه وحملوه معهم؛ وأصيب الحارث بن أوس، فجرح فى رأسه أو رجله، أصابه بعض أسياف أصحابه
قال محمد بن مسلمة: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد، ثم على بنى قريظة ثم على بعاث «1» حتى استندنا «2» في حرّة «3» العريض، وقد أبطأ علينا الحارث، ونزفه «4» الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا فاحتملناه وجئنا به.
قال ابن سعد: فلما بلغوا بقيع الغرقد كبّروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلى، فلما سمع تكبيرهم كبّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«أفلحت الوجوه» قالوا: وجهك «5» يا رسول الله؛ ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.
قال ابن إسحاق، قال محمد بن مسلمة: وتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرح صاحبنا فبرأ، فرجعنا إلى أهلينا، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودىّ إلا وهو خائف على نفسه.
وفى مقتل كعب بن الأشرف يقول عبّاد بن بشر:
صرخت به فلم يعرض لصوتى
…
وأوفى طالعا من رأس جدر «6»
فعدت له فقال من المنادى
…
فقلت أخوك عبّاد بن بشر
وهذى درعنا رهنا فخذها
…
لشهر إن وفى أو نصف شهر
فقال معاشر سغبوا وجاعوا
…
وما عدموا الغنى من غير فقر
فأقبل نحونا يهوى سريعا
…
وقال: أما «1» لقد جئتم لأمر
وفى أيماننا بيض حداد
…
مجرّبة بها الكفار نفرى «2»
فعانقه ابن مسلمة المردّى
…
به الكفار كالليث الهزبر
وشدّ بسيفه صلتا عليه
…
فقطّره أبو عبس بن جبر «3»
فكان الله سادسنا فأبنا
…
بأنعم نعمة وأعزّ نصر
وجاء برأسه نفر كرام
…
هم ناهيك «4» من صدق وبرّ
ذكر غزوة غطفان إلى نجد (وهى غزوة «5» ذى أمر؛
ناحية النّخيل، وقصة دعثور بن الحارث «6» غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شهر ربيع الأوّل «7» على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا
من بنى ثعلبة ومحارب بذى أمر تجمّعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم. جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث من بنى محارب، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل فى أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان- رضى الله عنه- فأصابوا رجلا منهم بذى»
القصّة يقال له جبار من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم «2» وقال:
لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك هربوا فى رءوس الجبال، وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلم وضمّه إلى بلال، ولم يلاق صلى الله عليه وسلم أحدا.
قال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقىّ، رحمه الله: وهربت منه الأعراب فوق ذروة من الجبال، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا امر وعسكربه فأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فأصابه ذلك المطر فبلّ ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وادى ذى أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجفّ، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت الأعراب لدعثور، وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنك محمد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوّث «3» بأصحابه لم يغث حتى تقتله؛ فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك منّى اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل فى صدره فوقع