الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سرية عمرو بن أمية الضّمرىّ وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة
قال محمد بن سعد فى طبقاته: وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغترّ «1» محمدا فإنه يمشى «2» في الأسواق؟ فأتاه رجل [من «3» الأعراب] فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا، وأشدّه «4» بطشا، وأسرعه «5» شدّا، فإن أنت قوّيتنى خرجت إليه حتى أغتاله، ومعى خنجر مثل خافية «6» النسر؛ قال: أنت صاحبنا؛ فأعطاه بعيرا ونفقة، وقال: اطو أمرك؛ فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبّح ظهر الحرّة صبح سادسة، ثم أقبل فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دلّ عليه، فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى مسجد بنى عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن هذا ليريد غدرا» . فذهب ليجنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجدبه أسيد بن الحضير بداخلة «7» إزاره، فإذا بالخنجر، فسقط «8» في يده، وقال: دمى دمى! وأخذ أسيد بلبّته فذعته «9» ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اصدقنى، ما أنت؟» قال: وأنا آمن؟
قال: نعم؛ فأخبره بخبره، فخلّى عنه صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرىّ، وسلمة بن أسلم ابن أبى «1» حريس إلى أبى سفيان بن حرب، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه؛ فدخلا مكة، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه، وأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا فى الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمرو لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا، فهرب عمرو وسلمة، فلقى عمرو عبيد الله ابن مالك بن عبد الله «2» التميمى [فقتله «3» ] وقتل آخرين من بنى الدّيل، سمعه يتغنى ويقول:
ولست بمسلم ما دمت حيّا
…
ولست أدين دين المسلمينا
ولقى رسولين لقريش بعثتهما يتحسّسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر، [فقدم «4» به المدينة] فجعل يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله يضحك؛ هكذا حكى محمد بن سعد.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أميّة الضّمرى، ومعه جبّار بن صخر الأنصارىّ، وذلك بعد مقتل خبيب بن عدىّ وأصحابه، قال: فخرجا حتى قدما مكة، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج «5» ، ثم دخلا مكة ليلا، فقال جبّار بن صخر لعمرو:
لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؛ قال عمرو: فطفنا وصلينا، ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشى بمكة إذ نظر إلىّ رجل فعرفنى، فقال: عمرو بن أمية، والله إن قدمها إلا لشرّ؛ فقلت لصاحبى: النجاء؛ فخرجنا نشتدّ حتى أصعدنا فى جبل، وخرجوا فى طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فدخلنا كهفا
فى الجبل فبتنا، وقد رضمنا»
دوننا حجارة، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له، فغشينا ونحن فى الغار، فقلت: إن رآنا صاح بنا فنؤخذ فنقتل؛ قال: فخرجت إليه فضربته على ثدييه «2» بخنجر كنت قد أعددته لأبى سفيان، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، ورجعت فدخلت مكانى، وجاءه الناس يشتدّون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ قال: عمرو بن أمية. ومات لوقته، ولم يدلّ علينا، فاحتملوه، فقلت لصاحبى لما أمسينا: النجاء؛ فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو؛ قال: فلما حاذى عمرو الخشبة شدّ عليها واحتملها، وخرجا شدّا، وخرجوا وراءه، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة فى الجرف، فغيّبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه. قال عمرو: وقلت لصاحبى: النجاء، حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه، فإنى سأشغل عنك القوم؛ قال: ومضيت حتى خرجت على ضجنان «3» ، ثم أويت إلى جبل فدخلت كهفا، فبينا أنا فيه إذ دخل علىّ شيخ من بنى الدّيل أعور، فى غنيمة له؛ فقال:
من الرجل؟ قلت: من بنى بكر، فمن «4» أنت؟ قال: من بنى بكر؛ فقلت:
مرحبا؛ فاضطجع، ثم رفع عقيرته فقال:
ولست بمسلم ما دمت حيّا
…
ولست أدين دين المسلمينا
فقلت فى نفسى: ستعلم؛ فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسى فجعلت سيتها «1» في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى بلغت العظم، ثم خرجت حتى جئت العرج «2» ، ثم سلكت ركوبة «3» ، حتى إذا هبطت النّقيع «4» إذا رجلان من قريش من المشركين، كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة يتحسّسان؛ فقلت: استأسرا؛ فأبيا، فرميت أحدهما بسهم فقتلته، ثم استأسر الآخر فأوثقته رباطا، وقدمت به المدينة.
ولم يذكر أحد منهما تاريخ هذه السريّة، فى أى شهر كانت، فأذكره.
ذكر غزوة الحديبية «5» وما وقع فيها من بيعة الرّضوان ومهادنة قريش وغير ذلك
كانت غزوة الحديبية فى ذى الحجة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن سعد: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا، ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبين، وركب راحلته القصواء «6» وخرج، وذلك يوم الاثنين لهلال ذى القعدة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. وقال ابن إسحاق: استعمل على المدينة نميلة بن
عبد الله اللّيثى. قال ابن سعد: ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه «1» بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف فى القرب، وساق بدنا «2» وساق أصحابه بدنا، فصلى الظهر بذى الحليفة: ثم دعا بالبدن التى ساق فجلّلت «3» ، ثم أشعرها «4» في الشقّ الأيمن وقلّدها «5» ، وأشعر أصحابه أيضا، وهى موجّهات إلى القبلة، وهى سبعون بدنة، فيها جمل أبى جهل الذى غنمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبّى، وقدّم عبّاد بن بشر أمامه طليعة فى عشرين فارسا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه صلى الله عليه وسلم من المسلمين ألف وأربعمائة على الصحيح، وقيل: ألف وستمائة؛ ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها، وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صدّه عن المسجد الحرام، وعسكروا ببلدح «6» وقدّموا مائتى فارس إلى كراع «7» الغميم، عليهم خالد بن الوليد، ويقال: عكرمة ابن أبى جهل.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهرىّ: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى- قال ابن هشام: ويقال: بسر- فقال:
يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ «1» المطافيل، قد لبسوا جلود النور، وقد نزلوا بذى طوى، يعاهدون الله ألا ندخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بينى وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابونى كان ذلك الذى أرادوا، وإن أظهرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظن قريش؟
والله لا أزال أجاهد على الذى بعثنى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة «2» » .
قال محمد بن سعد: ودنا خالد بن الوليد فى خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبّاد بن بشر فتقدم فى خيله، فأقام بإزائه وصفّ أصحابه، وحانت صلاة الظهر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، فلما أمسى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:
تيامنوا فى هذا الموضع العضل «3» - موضع منعطف فى الوادى- فإن عيون قريش بمرّ الظّهران وبضجنان. فسار حتى دنا من الحديبية، وهى طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقفت «4» يدا راحلته على ثنيّة تهبط على غائط القوم، فبركت.
وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبىّ فى تفسيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بغدير الأشطاط «1» قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعىّ، فقال: إنى تركت كعب بن لؤىّ وعامر بن لؤى قد جمعا لك الأحابيش «2» ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت؛ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أشيروا علىّ، أترون أن نميل على ذرارى هؤلاء الذين عاونوهم «3» فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن يحبئوا [تكن «4» ] عنقا قطعها الله، أو ترون أن نؤمّ البيت فمن صدّنا عنه قاتلناه؟ فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: فروحوا إذا؛ فراحوا، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى، وذكر من قوله ومن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمناه إلى قوله: أو تنفرد هذه السالفة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التى هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج بهم على طريق وعر حزن بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. ففعلوا،
فقال: والله إنها للحطّة «1» التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقبلوها؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: اسلكوا ذات اليمين، فى طريق يخرجه على ثنية المرار «2» على مهبط من أسفل مكة، فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة «3» الجيش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك ثنيّة المرار بركت به ناقته، فقال الناس: حل «4» حل؛ فقال: ما حل؛ قالوا:
خلأت «5» القصواء؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس «6» الفيل؛ ثم قال: والذى نفسى بيده لا تدعونى قريش إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» ؛ ثم قال للناس:
«انزلوا» فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنما يتبرّضه «7» الناس تبرّضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكا الناس إلى النبى صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه، يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل فى تلك البئر فغرزه فى جوفها
فجاش «1» الماء بالرّى، حتى صدروا «2» عنه؛ ويقال: إن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية فى القليب يميح «3» على الناس، فقالت:
يأيها المائح دلوى دونكا
…
إنى رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجّدونكا
…
أرجوك للخير كما يرجونكا
فقال ناجية:
قد علمت جارية يمانية
…
أنّى أنا المائح واسمى ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية
…
طعنتها تحت صدور العادية «4»
قال ابن إسحاق: ناجية بن جندب بن عمير الأسلمى؛ قال: وزعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذى نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن إسحاق والثعلبى: روى عن الزّهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة «5» نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إنى تركت كعب بن لؤى وعامر ابن لؤى قد نزلا أعداد «6» مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم «7» مدة
ويخلوا بينى وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا «1» ، فو الله لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، أو لينفذنّ الله أمره. قال بديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا فى أن تحدثنا عنه بشىء؛ وقال ذوو الرأى منهم:
هات كما سمعته يقول؛ قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: إنه لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموه وجبهوه «2» وقالوا: إن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا يحدّث «3» بذلك عنا العرب؛ ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر ابن لؤىّ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: هذا رجل غادر.
وفى رواية: «فاجر» . فلما انتهى إليه وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل بن ورقاء وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال النبى صلى الله عليه وسلم، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زيّان «4» ، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، وهو أحد بنى الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا من قوم يتألّهون «5» ، فابعثوا الهدى فى وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل «6» عليه من عرض الوادى فى قلائده، قد أكل أو باره «7» من طول الحبس عن محلّه «8» رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما
لما رأى، فقال لهم ذلك؛ فقالوا له: يا حليس، إنما أنت أعرابى لا علم لك؛ فقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاهدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاءه معظّما له؟ والذى نفس الحليس بيده لتخلّنّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد؛ فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس، ودعنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به؛ قال: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفى، فقال لهم: يا معشر قريش، إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد- وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس- وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسى؛ قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب «1» الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك «2» لتفضّها بهم؟ يا محمد، أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟
وإنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة [أبدا «3» ] وإنى لأرى وجوها وأوشابا من الناس خليفا «4» أن يفرّوا ويدعوك، وايم الله، لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا غدا عنك. وأبو بكر الصديق رضى الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال لعروة:
امصص بظر «5» اللات، أنحن ننكشف عنه؟ - واللات طاغية ثقيف التى كانوا
يعبدونها- فقال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبى قحافة؛ قال: أما والله لولا يد «1» كانت لك عندى لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك؛ قال: فيقول عروة: ويحك! ما أفظّك وما أغلظك «2» ! قال:
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» قال: أى غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ - وكان المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بنى مالك من «3» ثقيف، صحبهم فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فإنه مال غدر، ولا حاجة لنا فيه» . قال: ولما قتلهم المغيرة تهايج الحيّان من ثقيف: رهط القتلى ورهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر، فلذلك قال للمغيرة ما قال- قال: ثم كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بنحو ما كلم به أصحابه، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شىء إلا أخذوه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون «4» النظر إليه تعظيما
له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر فى ملكه، وكسرى فى ملكه، والنجاشىّ فى ملكه، وإنى والله ما رأيت ملكا فى قومه قطّ «1» يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخّم نخامة إلا وقعت فى كفّ رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا، فروا رأيكم.
وفى رواية قال: وإنه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها.
قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعىّ إلى قريش بمكة، وحمله على بعير يقال له: الثّعلب، ليبلّغ أشرافهم ما قد جاء له، فعقروا الجمل وأرادوا قتل خراش، فمنعته الأحابيش، فخلّوا سبيله. قال:
وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وكانوا رموا فى العسكر بالحجارة والنّبل. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسى، وليس بمكة من بنى عدىّ بن كعب أحد يمنعنى، وقد عرفت قريش عداوتى إيّاها، وغلظتى عليها، ولكنى أدلّك على رجل أعزّ بها منّى، عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى أبى سفيان ابن حرب وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا