الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وراء جدار (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)
يعنى بعضهم فظّ على بعض، وبعضهم عدوّ لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة. وقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله. (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى)
قال قتادة: أهل الباطل مختلفة [أهواؤهم «1» ، مختلفة شهاداتهم، مختلفة] أعمالهم، وهم مجتمعون فى عداوة أهل الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) *.
قوله تعالى: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)
يعنى مثل هؤلاء اليهود (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)
وهم مشركو مكة (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) *
يوم بدر. قال مجاهد وقال ابن عباس: يعنى بنى قينقاع؛ وقيل: مثل قريظة كمثل بنى النضير. ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود فى تخاذلهم فقال تعالى:
(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ)
وهى قصّة برصيصا العابد مع الشيطان.
ذكر قصة برصيصا
روى أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبى بسند يرفعه إلى ابن عباس، رضى الله عنهما، فى قوله تعالى:(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ)
الآية. قال:
كان راهب فى الفترة يقال له برصيصا، قد تعبّد «2» في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه فى أمره الحيل، فلم يستطع له بشىء، فجمع ذات يوم مردة الشيطان، فقال: ألا أحد منكم يكفينى أمر برصيصا؟
فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذى تصدّى لرسول الله صلّى الله عليه
وسلّم، وجاءه فى صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحى، فجاء جبريل حتى دخل بينهما، فدفعه بيده دفعة هينة، فوقع من دفعة جبريل إلى أقصى الهند. فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك. فانطلق فتزيّن بزينة الرهبان، وحلق وسط رأسه، ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه برصيصا، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا فى عشرة «1» أيام، ولا يفطر إلا فى عشرة أيام، فكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة فى أصل صومعته، فلما انقتل برصيصا اطلع من صومعته، فرأى الأبيض قائما منتصبا يصلى فى هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله تدبر فى نفسه حين لهى عنه فلم يجبه، فقال له: إنك ناديتنى وكنت مشغولا عنك، فحاجتك «2» ؟ قال:
حاجتى أنى أحببت أن أكون معك فأتأدّب بك، وأقتبس من علمك، ونجتمع على العبادة، فتدعو لى وأدعو لك؛ قال: إنى لفى شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن الله عز وجل سيجعل لك فيما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن استجاب لى.
ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض يصلى، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلما انفتل رآه قائما يصلى، فلما رأى برصيصا شدّة اجتهاده، وكثرة تضرعه وابتهاله إلى الله عز وجل كلّمه، وقال له: حاجتك؟ قال: حاجتى أن تأذن لى فأرتفع إليك. فأذن له، فارتفع فى صومعته، فأقام الأبيض معه حولا يتعبد، لا يفطر إلا فى كل أربعين يوما [ولا ينفتل عن صلاته إلا فى كل أربعين يوما «3» ] مرة، وربما مدّ إلى الثمانين؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت «4» إليه نفسه، وأعجبه شأنه، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إنى منطلق، فإن لى صاحبا
غيرك، ظننت أنك أشدّ اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذى رأيت. قال:
فدخل على برصيصا أمر عظيم، وكره مفارقته للذى رأى من شدّة اجتهاده، فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندى دعوات أعلمكها تدعو بهن، فهن خير لك مما أنت فيه، يشفى الله بها السقيم، ويعافى بها المبتلى والمجنون؛ قال برصيصا: إنى أكره هذه المنزلة، لأن لى فى نفسى شغلا، وإنى أخاف إن علم بهذا الناس شغلونى عن العبادة؛ فلم يزل به الأبيض حتى علمه. ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه فى صورة رجل متطبب، فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فأعالجه؟ فقالوا: نعم؛ فقال لهم: إنى لا أقوى على جنيته، ولكنى سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافى؛ فقالوا له: دلّنا. قال: انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده اسم الله الذى إذا دعى به أجاب. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان. وكان يفعل الأبيض بالناس مثل هذا الذى فعل بالرجل، ثم يرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخوة، وكان أبوهم ملكا فمات فاستخلف أخاه، وكان عمها ملك بنى إسرائيل، فعذبها وخنقها، ثم جاء إليهم فى صورة رجل متطبب، فقال لهم:
أعالجها؟ قالوا: نعم. فعالجها فقال: إن الذى عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تتقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردّونها «1» صحيحة، قد ذهب عنها شيطانها؛ قالوا: ومن هو؟ قال:
برصيصا؛ قالوا: وكيف لنا أن يقبلها منا ويجيبنا إلى هذا؟ هو أعظم شأنا من ذلك. قال: انطلقوا وابتنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه، ولتكن
هذه الصومعة التى تبنون لزيقة صومعته، فإن قبلها وإلا تضعونها «1» في صومعتها، ثم قولوا له: هى أمانة عندك، فاحتسب فيها. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض، ثم اطلعوا عليه ووضعوا الجارية فى صومعتها، وقالوا له: يا برصيصا، هذه أختنا قد عرض لها عدوّ من أعداء الله، فهى أمانة عندك فاحتسب فيها. ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين تلك الجارية وما بها من الجمال، فأسقط «2» في يده، ودخل عليه أمر عظيم، قال: فجاءها الشيطان فخنقها؛ فلما رأى برصيصا ذلك انفتل عن صلاته، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته، ثم جاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عن نفسها ويتعرّض [بها «3» ] لبرصيصا، وجاءه الشيطان، فقال: ويحك! واقعها فلن تجد مثلها، فستتوب بعد، فتدرك ما تريد من الأمر الذى تريد؛ فلم يزل به حتى واقعها، فافترشها، فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب؟ فإن سألوك فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم أقو عليه. قال:
ففعل. فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاءه الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها، فبقى طرف إزارها خارجا فى التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته، فجاء إخوتها يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون فى بعض الأيام يسألون عنها، ويطلبون إلى برصيصا ويوصونه بها، فقالوا:
يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه. قال:
فصدّقوه وانصرفوا. فلما أمسوا وهم مكروبون، جاء الشيطان إلى كبيرهم
فى المنام، فقال له: ويحك! إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها فى موضع كذا وكذا من جبل كذا وكذا. فقال الأخ: هذا حلم وهو من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك. قال: فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث، فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، فقال الأوسط مثلما قال الأكبر، فلم يخبر به أحدا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لإخوته: والله لقد رأيت كذا وكذا. فقال الأوسط: وأنا والله لقد رأيت مثله. وقال الأكبر:
وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا، فانطلقوا بنا إلى برصيصا؛ فأتوه، فقالوا:
يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: أليس قد أعلمتكم بحالها وحال شيطانها! فكأنكم اتهمتمونى. فقالوا: لا والله لا نتهمك. فاستحيوا منه وانصرفوا عنه، فجاءهم الشيطان فقال، ويحكم! إنها لمدفونة فى موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. قال: فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا فى نومهم، قال:
فمشوا فى مواليهم، ومواليهم معهم الفؤس والمساحى «1» ، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وانطلقوا به إلى الملك، فأقرّ على نفسه؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال:
تقتلها ثم تكابر، يجتمع عليك أمران قتل ومكابرة، اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا، وذلك أن إبليس لعنه الله، قال للأبيض: وما يغنى عنك ما صنعت؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه. فقال الأبيض: أنا أكفيكه. فأتاه فقال: يا برصيصا، أتعرفنى؟ قال:
لا. قال: أنا صاحبك الذى علمك الدعوات فاستجيب لك، ويحك! أما اتقيت الله فى أمانة خنت أهلها، وأنك أعبد بنى إسرائيل! أما استحيت! أما راقبت الله فى دينك! فلم يزل يعيره ويونجه، ثم قال له فى آخر ذلك: ألم يكفك
ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت أشباهك من الناس! فإن متّ على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعنى فى خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك.
قال: وما هى؟ قال: تسجد لى. قال: أفعل. فسجد له، فقال «1» : يا برصيصا، هذا الذى أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إنى برىء منك، إنى أخاف الله رب العالمين.
يقول الله تعالى: (فَكانَ عاقِبَتَهُما)
يعنى الشيطان وذلك الإنسان.
(أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) .
قال ابن عباس رضى الله عنهما: فضرب الله هذا المثل ليهود بنى النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله تعالى أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم، أن يحلى بنى النضير من المدينة، فدسّ المنافقون إليهم فقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم كنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم.
قال: فأطاعوهم؛ فدرّبوا على حصونهم وتحصنوا فى ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبىّ صلى الله عليه وسلم، فناصبوه الحرب، يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)
قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) *
أى فى أداء فرائضه واجتناب معاصيه (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ)
يعنى يوم القيامة.