الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن يصبر فإن الصبر أولى
…
بمن عثرت به نوب الليالى
تجمّل إن بليت بسوء حال
…
فإن من التجمل حسن حال
ذكر ما قيل في الشكر والثناء
قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)
فالشكر مما يوجب الزيادة.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: لا يزهّدك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشىء منه، وقد يدرك من شكر الشاكر، أكثر مما أضاع الكافر، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) *.
ومما تعزيه الفرس الى إسفنديار: الشكر أفضل من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى.
وقال موسى بن جعفر: المعروف لا يفكّه إلا المكافأة أو الشكر، وقال: قلّة الشكر تزهّد في اصطناع المعروف.
وقيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. قال الشاعر
أفادتكما النّعماء منّى ثلاثة
…
يدى ولسانى والضمير المحجّبا
وقال يحيى بن زياد الحارثىّ بن كعب
حلفت بربّ العيس تهوى بركبها
…
الى حرم ما عنه للناس معدل
لما يبلغ الإنعام في النفع غاية
…
على المرء إلا مبلغ الشكر أفضل
ولا بلغت أيدى المنيلين بسطة
…
من الطّول إلا بسطة الشكر أطول
ولا ثقلت في الوزن أعباء منّة
…
على المرء إلا منّة الشكر أثقل
فمن شكر المعروف يوما فقد أتى
…
أخا العرف من حسن المكافاة من عل
وقال رجل من غطفان
الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا
…
به الزيادة عند الله والناس
وقال أبو بجيلة
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى
…
وما كلّ من أوليته نعمة يقضى
ونبّهت لى ذكرى وما كان خاملا
…
ولكنّ بعض الذّكر أنبه من بعض
وقال آخر
سأشكر عمرا ما تراخت منيّتى
…
أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
…
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها
…
فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
وقال أبو تمام
كم نعمة منك تسربلتها
…
كأنها طرّة برد قشيب
من اللواتى إن ونى شاكر
…
قامت لمسديها مقام الخطيب
وقال أبو عيينة بن محمد بن أبى عتبة المهلّبىّ
ياذا اليمينين قد أوليتنى مننا
…
تترى هى الغاية القصوى من المنن
ولست أسطيع من شكر أجىء به
…
إلا استطاعة ذى جسم وذى بدن
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة
…
أوفى من الشكر عند الله في الثّمن
أخلصتها لك من قلبى مهذّبة
…
حذوا على مثل ما أوليت من حسن
قالوا وأجود ما قيل في عظم النعمة وقصور الشكر من قديم الشّعر قول طريح ابن إسماعيل
سعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت لى
…
فقصّرت مغلوبا وإنّى لشاكر
لأنك تولينى الجميل بداهة
…
وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطا وترجع بالّتى
…
لها أوّل في المكرمات وآخر
وقال دعبل
هجرتك لا عن جفوة وملالة
…
ولا لقلى أبطأت عنك أبا بكر
ولكنّنى لما رأيتك راغبا
…
فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر
فملآن «1» لا آتيك إلا تعذّرا
…
أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
وقال البحترىّ
هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب
…
من العلا والعلا منهنّ في تعب
أبث شكرى فأمسى منك في نصب
…
أقصر فمالى في جدواك من أرب
لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم له
…
شكرى ولو كان يسديه إلىّ أبى
لما سألتك وافانى نداك على
…
أضعاف شكرى فلم أظفر ولم أخب
وقال أيضا
إنى هجرتك إذ هجرتك وحشة
…
لا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتنى بندى يديك فسوّدت
…
ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتنى بالجود حتّى إنّنى
…
متخوّف أن لا يكون لقاء
صلة غدت للناس وهى] قطيعة
…
عجبا وبرّ راح وهو جفاء
ليواصلنّك ركب شعر سائر
…
يرويه فيك لحسنه الاعداء
حتى يتمّ لك الثناء مخلّدا
…
أبدا كما تمت لك النّعماء
فتظلّ تحسدك الملوك الصّيدبى
…
وتظلّ تحسدنى بك الشعراء
وقال الحسن بن هانىء
قد قلت للعباس معتذرا
…
من عظم شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جلّلتنى نعما
…
أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
لا تسدينّ إلىّ عارفة
…
حتّى أقوم بشكرها سلفا
وقال الحسين بن الضحّاك للواثق من أبيات
…
إذا كنت من جدواك في كلّ نعمة
فلا كنت إن لم أفن عمرى بشكركا
وقال البحترىّ
إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهدا
…
فلا نلت نعمى بعدها توجب الشّكرا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
إنى لشاكر أمسه ووليّه
…
فى يومه ومؤمّل عنه غدا
وقال آخر
وكيف أنساك؟ لا نعماك واحدة
…
عندى ولا بالذى أوليت من قدم
وقال عبد الأعلى بن حمّاد: دخلت على المتوكّل، فقال لى: قد هممنا أن نصلك، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغنى عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر للهمّة، لم يشكر للنعمة، وأنشدته قول الباهلىّ
لأشكرنّك معروفا هممت به
…
إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر
…
فالشىء بالقدر المحتوم مصروف
وقال ابن الرومىّ
كم من يد بيضاء قد أسديتها
…
تثنى إليك عنان كلّ وداد
شكر الإله صنائعا أوليتها
…
سلكت مع الأرواح في الأجساد
وقال آخر
وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة
…
تلاقت عليها منّة وقبول
وشكر كأن الشمس تعنى بنشره
…
ففى كلّ أرض مخبر ورسول
ومن كلام الحسن بن وهب: من شكر لك على درجة رفعته اليها، أو ثروة أفدته إيّاها، فإن شكرى لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكته، وقمت بين التّلف وبينه، ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ ينتهى إليه، ومدى توقف عليه، وغاية من الشكر يسمو اليها الطرف، خلا هذه النعمة التى فاتت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كلّ قدر، وأتت من وراء كلّ غاية، وردت عنّا كيد العدوّ، وأرغمت أنف الحسود، نلجأ منها الى ظلّ ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجهود.
وقال الشريف الرضىّ
ألبستنى نعما على نعم
…
ورفعت لى علما على علم
وعلوت بى حتّى مشيت على
…
بسط من الأعناق والقمم
فلأشكرنّ يديك ما شكرت
…
خضر الرّياض مصانع الدّيم
فالحمد يبقى ذكر كلّ فتى
…
ويبين قدر مواقع الكرم
والشكر مهر للصنيعة إن
…
طلبت مهور عقائل النّعم
وقال أبو الحسن الكاتب المغربىّ
سأشكر نعماك التى انبسطت بها
…
يدى ولسانى فهو بالمجد ينطق
وأثنى بما أوليتنى من صنيعة
…
ومن منّة تغدو علىّ وتطرق
وكلّ امرىء يرجو نداك موفّق
…
وكلّ امرىء يثنى عليك مصدّق
وقال ابن رشيق القيروانىّ
خذ ثناء عليك غبّ الأيادى
…
كثناء الرّبى على الأمطار
سقط الشكر وهو موجب نعما
…
ك سقوط الأنواء بالأثمار
ومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة، أبلغ منه بالنطق باللسان، وعاقب على ذلك بالحرمان.
فمن ذلك مارواه أبو هلال العسكرىّ يسنده الى العتبىّ قال: أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعىّ، فدفع الى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال: إنى سأنزل في رجعتى الى الأصمعىّ، ثم سيحدثنى ويضحكنى، فاذا ضحكت، فضع الكيس بين يديه، فلما رجع، ودخل إليه، رأى حبّا «1» مكسور الرّأس، وجرّة مكسورة العنق، وقصعة مشعبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلّى بال، وعليه برنكان «2» أجرد، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه، فلم يدع الأصمعى شيئا ممّا يضحك الثّكلان والغضبان إلا أورده عليه فلم يتبسم، ثمّ خرج، فقال لرجل يسايره:
من استرعى الذئب ظلم، ومن زرع السّبخة حصد الفقر، إنى والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل، ما حفلت بنشره له باللسان، وأين يقع مديح اللسان