الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذكر أن عيسى صلوات الله عليه مرّ برجل وهو يطارد حيّة وهى تقول له:
والله لئن لم تذهب عنّى، لأنفخنّ عليك نفخة أقطّعك بها قطعا، فمضى عيسى عليه السلام في شأنه، ثم عاد فرأى الحية في جونة الرجل محبوسة، فقال لها:
ويحك! أين ما كنت تقولين؟ قالت: يا روح الله، إنه خلف لى وغدر، وإنّ سمّ غدره أقتل له من سمّى.
ذكر أخبار أهل الغدر وغدراتهم المشهورة
أعرف الناس في الغدر آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب، وقد عدّت لهم غدرات، فمنها: غدر قيس بن معد يكرب بمراد، وكان بينهم عهد أن لا يغزوهم إلى انقضاء شهر رجب، فوافاهم قبل الأمد بكندة، وجعل يحمل عليهم ويقول
أقسمت لا أنزل حتّى يهزموا
…
أنا ابن معد يكرب فاستسلموا
فارس هيجا ورئيس مصدم
فقتل قيس بن معد يكرب وارتد الأشعث عن الإسلام. وغدر الأشعث ببنى الحارث بن كعب، وكان قد غزاهم فأسروه، ففدى نفسه بمائتى بعير، فأعطاهم مائة وبقى عليه مائة، فلم يؤدّها، وجاء الإسلام فهدم ما كان في الجاهليّة.
وغدر محمد بن الأشعث بن قيس بمسلم بن عقيل بن أبى طالب، وغدر أيضا بأهل طبرستان وكان عبيد الله بن زياد ولّاه إياها، فصالح أهلها على أن لا يدخلها ورحل عنهم، ثم عاد إليهم غادرا، فأخذوا عليه الشّعاب، وقتلوا ابنه أبا بكر.
وغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالحجّاج لما ولّاه خراسان، وخرج عليه وادعى الخلافة، وكان بينهم من الوقائع ما نذكره في التاريخ في أخبار الحجاج
إن شاء الله تعالى، وكانت الدائرة على عبد الرحمن، وكلّهم ورثوا الغدر عن معديكرب، فإنه غدر مهرة، وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل، فغزاهم ناقضا لعهدهم، فقتلوه وبقروا بطنه وملأوه بالحصا.
وغدرت ابنة الضّيزن بن معاوية بأبيها صاحب الحصن ودلّت سابور على طريق فتحه، ففتحه وقتل أباها وتزوّجها، ثم قتلها. وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأوّل من هذا الكتاب في المبانى. ومن ذلك ما فعله النعمان بسنمّار، وقد ذكرناه أيضا فى خبر بناء الخورنق.
وممن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز: غدر بالزّبير بن العوّام، وقتله بوادى السباع، ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى في حرب الجمل.
ومن الغدر الشنيع ما فعله عضل والقارة، روى أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهوننا في الدّين، ويقرئوننا القرءان، ويعلّموننا شرائع الإسلام، فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة نفر من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوىّ، وخالد بن البكير حليف بنى عدىّ ابن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أخو بنى عمرو بن عوف، وخبيب بن عدىّ أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدّثنة أخو بنى بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق، ومعتّب بن عبيد أخو عبد الله لأمّه، وأمّر عليهم مرثد ابن أبى مرثد، وقيل أمّر عليهم عاصما، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع:
- ماء لهذيل- غدروا بهم واستصرخوا عليهم هديلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلّا
الرجال في أيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، فأما مرثد وخالد وعاصم ومعتّب فقالوا: والله ما نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا، فقاتلوا حتى قتلوا، وأما زيد وخبيب وعبد الله فلانوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بمرّ الظّهران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقدموا بخبيب وزيد الى مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجر بن أبى إهاب التميمىّ حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بالحارث، وأما زيد بن الدّثنة فابتاعه صفوان بن أميّة ليقتله بأمية بن خلف، وروى أن خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهن موسى يستحدّ بها فما راع المرأة إلا صبىّ لها يدرج، وخبيب قد أجلس الصبىّ على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أنى أقتله؟ إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت بعد أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكّة من ثمرة، وان في يده قطفا من عنب يأكله، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ولما خرج بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ذرونى أصلّى ركعتين، ثم قال: لولا أن يقال: جزع لزدت، وما أبالى على أى شقّى كان مصرعى، وهذه القصّة نذكرها إن شاء الله تعالى بما هو أبسط من هذا فى السّيرة النبويّة في سيرة مرثد إلى الرجيع.
قيل: أغار خيثمة بن مالك الجعفىّ على حىّ من بنى القين فاستاق منهم إبلا فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان فى يده، وولّى منصرفا، فنادوه وقالوا: إن المفازة أمامك، ولا ماء معك، وقد فعلت
جميلا، فانزل ولك الذّمام والحباء فنزل فلما اطمأنّ وسكن، واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، ففى ذلك تقول عمرة ابنته
غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم
…
بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب
أذادكم عنه بضرب كأنّه
…
سهام المنايا كلّهن صوائب
وتلاحى بنو مقرون بن عمرو بن محارب، وبنو جهم بن مرّة بن محارب، على ماء لهم فغلبتهم بنو مقرون فظهرت عليهم، وكان في بنى جهم شيخ له تجربة وسنّ، فلما رأى ظهورهم، قال: يا بنى مقرون، نحن بنو أب واحد، فلم نتفانى؟ هلمّوا إلى الصلح، ولكم عهد الله تعالى وميثاقه وذمّة آبائنا، أن لا نهيجكم أبدا ولا نزاحمكم فى هذا الماء، فأجابتهم بنو مقرون إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، ففى ذلك يقول أبو ظفر الحارثىّ
هلّا غدرتم بمقرون وأسرته
…
والبيض مصلته والحرب تستعر
لما اطمأنوا وشاموا في سيوقهم
…
ثرتم إليهم وعرّ الغدر مشتهر
غدرتموهم بأيمان مؤكدة
…
والورد من بعده للغادر الصّدر
هذا ما قيل في الغدر.
وأما الخيانة، فقد نهى الله تعالى عنها فقال:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» .
وقيل: من ضيّع الأمانة، ورضى بالخيانة، فقد برىء من الدّيانة.
وقال حكيم: لو علم مضيّع الأمانه، ما في النّكث والخيانه، لقصّر عنهما عنانه.
وقالوا: من خان مان، ومن مان هان، وتبرّأ من الإحسان.
قيل دخل شهر بن حوشب وهو من جلّة القرّاء وأصحاب الحديث على معاوية، وبين يديه خرائط فيها مال، قد جمعت لتوضع في بيت المال، فقعد على خريطة منها، وأخذها، ومعاوية ينظر إليه، فلما رفعت الخرائط، فقد من عددها خريطة، فأعلم الخازن بذلك معاوية، فقال: هى محسوبة لك فلا تسأل عن آخذها، ففيه يقول بعض الشعراء
لقد باع شهر دينه بخريطة
…
فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر؟
وقال المنصور لعامل بلغه عنه خيانته: يا عدوّ الله، وعدوّ أمير المؤمنين، وعدوّ المسلمين، أكلت مال الله، وخنت خليفة الله، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمن أين نأكل إذا، فضحك وأطلقه، وأمر أن لا يولّى عملا بعدها.
وسرق رجل في مجلس أنو شروان جاما من ذهب وهو يراه، فتفقّده الشرابىّ، فقال: والله لا يخرج أحد حتى يفتّش، فقال له أنو شروان: لا تتعرّض لأحد، فقد أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ عليه.
وحكى أنّ بعض التّجار أودع عند قاض بمعرّة النعمان وديعة، وغاب مدّة، فلما رجع، طالب بها، فأنكرها القاضى، فتشفع إليه برؤساء بلده في ردّها، فما زالوا به حتى أقرّبها، وادّعى أنها سرقت من حرزه، فاستحلفه المودع فحلف، فقال ابن الدّويدة في ذلك
لا يصدق القاضى الخئون إذا ادّعى
…
عدم الوديعة من حصين المودع