الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن أخبار البخلاء:
قيل: بخلاء العرب أربعة، الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدّؤلىّ، وخالد بن صفوان، ونقلت عنهم أمور دلّت على بخلهم.
أما الحطيئة: فقد حكى عنه: أنه مرّ به ابن الحمامة، وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إنى خرجت من أهلى بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لى أن آتى بظلّ بيتك فأتفيّأ به؟
قال: دونك الجبل يفىء عليك، قال أنا ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أى طائر شئت. قال: واعترضه رجل وهو يرعى غنما، فقال له: يا راعى الغنم، وكان بيد الحطيئة عصا فرفعها، وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إنما أنا ضيف، فقال: للأضياف أعددتها. وكان الحطيئة أحد الحمقى، أوصى عند موته، أن يحمل على حمار، وقال: لعلّى إن حملت عليه، لا أموت، فإنى ما رأيت كريما مات عليه قطّ.
وقال: لكلّ جديد لذّة، إلا جديد الموت* فإنى رأيته غير لذيذ. وقيل له:
أوص، فقال: أوصى أن مالى للذكور دون الإناث، قالوا: فإن الله ليس يقوله كذلك، قال: لكنى أقوله. وقالوا له: قل لا إله الا الله، فقال: أشهد أن الشمّاخ أشعر غطفان.
ومن أخباره: أن الزّبرقان بن بدر، لقيه في سفر، فقال له: من أنت؟
فقال: أنا حسب موضوع، أنا أبو مليكة، فقال له الزّبرقان: إنى أريد وجها، فصر إلى منزلى، وكن هناك، حتّى أرجع، فصار الحطيئة إلى امرأة الزّبرقان، فأنزلته وأكرمته، فجسده بنو عمّه، وهم بنو لأى، فقالوا للحطيئة: إن تحولت إلينا، أعطيناك مائة ناقة. ونشدّ الى كلّ طب من أطناب بيتك حلّة تحويه، وقالوا
لامرأة الزّبرقان: إن الزّبرقان إنما قدّم هذا الشيخ ليتزوّج بنته، فقدح ذلك فى نفسها، فلما أراد القوم النّجعة، تخلّف الحطيئة، فتغافلت عنه امرأة الزّبرقان، فاحتمله القريعيّون ووفّوا له بما قالوا، فمدحهم، وهجا الزّ برقان، فقال
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم
…
ولا يرى طاردا للحرّ كالياس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
…
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
…
لا يذهب العرف بين الله والناس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فحكّم عمر، حسان ابن ثابت، فقال حسان: ما هجاه ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، فقال يستعطفه
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ
…
حمر الحواصل لا ماء ولا شجر؟
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
…
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها إذ قدّموك لها
…
لكن لأنفسهم كانت بك الآثر
فأخرجه عمر، وجلس على كرسىّ، وأخذ بيده شفرة، وأوهم أنه يريد قطع لسانه، فضجّ، وقال: إنى والله يا أمير المؤمنين! قد هجوت أبى وأمّى وامرأتى ونفسى، فتبسّم عمر، ثم قال: ما الذى قلت؟ قال: قلت لأبى وأمّى
ولقد رأيتك في النساء فسؤتنى
…
وأبا بنيك فساءنى في المجلس
وقلت لأبى خاصة
فبئس الشيخ أنت لدى تميم
…
وبئس الشيخ أنت لدى المعالى
وقلت لأمّى خاصة
تنحّى واجلسى منّى بعيدا
…
أراح الله منك العالمينا؟
أغربالا إذا استودعت سرّا
…
وكانونا على المتحدّثينا؟
وقلت لامرأتى
أطوّف ما أطوّف ثم آتى
…
إلى بيت قعيدته لكاع
وقلت لنفسى
أبت شفتاى اليوم إلا تكلّما
…
بسوء فما أدرى لمن أنا قائله
أرى لى وجها شوّد الله خلقه
…
فقبّح من وجه وقبّح حامله
فخلّى عمر سبيله، وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا، وجعل له ثلاثة آلاف اشترى بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر نهيه إيّاه عن الهجاء ويتأسف
وأخذت أطراف الكلام فلم تدع
…
شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
ومنعتنى عرض البخيل فلم يخف
…
شتمى وأصبح آمنا لا يجزع
وأما حميد الأرقط: فكان هجّاء للضيف، فحاشا عليه، فنزل به ضيف ذات ليلة، فقال لامرأته: نزل بك البلاء، قومى فأعدى لنا شيئا، ففعلت، فجعل الضيف يأكل ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ، قال حميد
يجرّ على الأطناب من جذل بيتنا
…
هجفّ «1» لمخزون التّحيّة باذل
يقول وقد ألقى المراسى للقرى
…
أبن لى ما الحجّاج بالناس فاعل؟
فقلت: لعمرى ما لهذا أتيننا
…
فكل ودع الأخبار ما أنت آكل
تدبّر كفاه ويحدر حلقه
…
الى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائل
…
بيانا وعلما بالذى هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتّى كأنه
…
من العىّ لمّا أن تكلّم باقل
ونزل به أضياف، فأطعمهم تمرا وهجاهم، وادعى عليهم أنهم يأكلونه بنواه، فقال
باتوا وجلّتنا «1» الصّهباء حولهم
…
كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهم
…
وليس كلّ النّوى ألقى المساكين
وأما خالد بن صفوان: فكان إذا أخذ جائزته، قال للدرهم: طالما سرت فى البلاد، أما والله لأطيلنّ حبسك، ولأديمنّ لبثك. وقيل له: مالك لا تنفق، فإن مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه، قيل: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كلّه، قال: ولا أخاف أن أموت في أوله.
وأما أبو الأسود الدؤلىّ: فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمرّ به أعرابىّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الأعرابىّ بعيره، حتّى وازى الدكان، وأكل معه، فما جلس بعد ذلك على الدكان، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا، كنا أسوأ حالا منهم. وقال لبنيه: لا تطمعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم، حتّى يروكم في مثل حالهم. ووقف عليه أعرابىّ وهو يتغدّى، فسلّم عليه، فردّ عليه، ثم أقبل على الأكل، ولم يعرض عليه، فقال الأعرابىّ: أما إنى قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: وهم صالحون، قال: كذلك فارقتهم، قال:
وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدى بها، قال: ولدت، قال: ما كان بدّلها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذلك كانت أمّها، قال: مات أحدهما، قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثمّ مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأمّ، قال: جزعا على ولديها، قال: ما أطيب طعامك! قال: ذلك جزائى على أهله، قال: أفّ لك ما ألأمك! قال: من شاء سبّ صاحبه.
ونظير هذه الحكاية: ما حكى أن أعرابيّا مرّ بآخر، فقال: من أين أقبلت يابن عمّ؟ قال: من الثّنيّة، قال: فهل أتيتنا منها بخبر؟ قال: سل عما بدا لك، قال: كيف علمك بيحيى؟ قال: أحسن العلم، قال: هل لك علم بكلبى نفّاع؟
قال: حارس الحىّ، قال: فبأمّ عثمان؟ قال بخ بخ، ومن مثل أمّ عثمان! لا تدخل من الباب إلا منحرفة بالثياب المعصفرات، قال: فبعثمان؟ قال: وأبيك فإنه جرو الأسد ويلعب مع الصبيان، وبيده الكسرة، قال: فبجملنا السقّاء؟ قال:
إن سنامه ليخرج من الغبيط، قال فبالدار؟ قال: وأبيك، إنها لخصيبة الجناب، عامرة الفناء، ثم قام عنه، وقعد ناحية يأكل فلا يدعوه، فمرّ كلب، فصاح به، وقال: يابن عمّ، أين هذا الكلب من نفّاع؟ قال: يا أسفا على نفّاع! مات، قال:
وما أماته؟ قال: أكل من لحم الجمل السقّاء، فاغتصّ بعظم منه فمات، قال:
إنا لله، أو قد مات الجمل! فما أماته؟ قال: عثر بقبر أم عثمان، فانكسرت رجله.
قال: ويلمّك! أماتت أم عثمان؟ قال: إى والله، أماتها الأسف على عثمان، قال ويلك! أمات عثمان؟ قال: إى وعهد الله! سقطت الدار عليه، فرمى الأعرابىّ
بطعامه ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول: إلى أين أذهب؟ فيقول الآخر الى النار، وأقبل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك، ويقول: لا أرغم الله إلا أنف اللئام.
وكان أحيحة بن الجلاح من البخلاء، وكان إذا هبت الصّبا، طلع أطمة، ينظر الى ناحية هبوبها ثم يقول: هبى هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة، أدفع الى الوليد منها، خمس نمرات، فيردّ علىّ منها ثلاثا، أى لصلابتها بعد جهد ما يلوك منها.
والعرب تضرب المثل في اللؤم بمادر، تقول: هو ألام من مادر، ويزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض، لئلا يسقى غيره فيه.
وكان عمر بن يزيد الأسدىّ مبخلا جدّا، فأصابه القولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه، فلما أبرزه، قال للغلام: ما تصنع به؟ قال أصبّه، قال:
لا ولكن ميّز الدّهن منه واستصبح به.
وقال سلم بن أبى المعافى: كان أبى متنحيا عن المدينة، وكان الى جنبه مزرعة فيها قثّاء، وكنت صبيّا فجاءنى صبيان أقران لى، فكلّمت أبى ليهب لى درهما أشترى لهم به قثّاء، فقال لى: أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل، فضرب بالمعاول، حتى استخرج، ثم طحن، ثم أدخل القدر وصبّ عليه الماء، وجمع بالزّئبق، ثم صفّى من رقّ، ثم أدخل النار فسبك، ثمّ أخرج فضرب، وكتب في أحد شقّيه:
لا إله إلا الله، وفي الآخر: محمد رسول الله، ثم حمل الى أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله بيت ماله، ووكل به عوج القلانس صهب السّبال، ثم وهبه لجارية حسناء حميلة، وأنت والله أقبح من قرد، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد، فهل ينبغى
لك أن تمسّ الدرهم إلا بثوب؟ ومثله قول سهل بن هارون، وقد قال له رجل هبنى ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك؟ قال: درهما واحدا، قال: يابن أخى لقد هوّنت الدرهم، وهو طابع الله في أرضه، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشردية المسلم، ألا ترى يابن أخى كيف انتهى الدرهم الذى هوّنته؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟.
وقال سليمان بن مزاحم، وقد وقع بيده درهم، فجعل يقلّبه، ويقول: فى شقّ، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي شقّ، قل هو الله أحد، ما ينبغى لهذا إلا أن يكون تعويذا أو رقية، ويرمى به في الصندوق.
كان بعضهم إذا صار الدرهم في يده يخاطبه ويقول: بأبى وأمّى أنت، كم من أرض قطعت، وكيس خرقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع أخملت، لك عندى أن لا تعرى ولا تضحى، ثم يلقبه في كيسه، فيقول: اسكن على اسم الله، فى مكان لا تزول عنه، ولا تزعج منه.
ومن البخلاء «مزبّد» وله حكاية يذكرها، قيل كان بالمدينة جارية جميلة مغنيّة. يقال لها:«بصبص» وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها، فاجتمع يوما عنده محمّد بن عيسى الجعفرىّ وعبد الله بن مصعب الزّبيرىّ في جماعة من الأشراف، فتداكروا أمر مزبد وبخله، فقالت لحارية: أنا آخذ لكم منه درهما، فقال لها مولاها: أنت حرّة إن فعلت إن لم أسر لك مختقة بمائة دينار ونوب وسى بمائة دينار. وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنة. فقالت: جىء به، وأرفع لغيره، حتّى أفعل، فقال: أنت حرّه إن معتك منه، ولأعاونته عليك إن حصلت
منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا آتيكم به، قال عبد الله: فصلّيت الغداة في المسجد، فاذا أنا به قد أقبل، فقلت: يا أبا إسحاق، إنّا نحب أن نرى بصبص؟ قال: بلى والله، وامرأته طالق إن لم تكن له سنة يشتهى أن يلقاها، فقلت له: إذا صليت العصر، فاتنى هاهنا، فقال: امرأته طالق إن برح من هاهنا الى العصر، قال فانصرفت في حوائجى، فلما كان العصر جئت فوجدته، فأخذت بيده، وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتّى صلّيت العتمة، ثم تساكروا وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت له: يا أبا إسحاق كأنّى والله في نفسك تشتهى أن أغنّيك الساعة
لقد حثّوا الجمال ليه
…
ربوا منّا فلم يئلوا
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إيّاه، ثم قالت له: كأنّى بك تشتهى أن أقوم من مجلسى فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك فى جلبابى، فقال: امرأته طالق إن لم تكونى تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غدا قالت: فقم، فقام وجلس إلى جانبها وغنّت له، ثم قالت: أعلم أنك تشتهى أن أغنّيك
أنا أبصرت باللّيل
…
غلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أصبح
…
مسقيّا من الطّلّ
فقال لها: امرأته طالق أن لم تكونى نبيّة مرسلة، فغنته وقبّلها، ثم قالت: يا أبا إسحاق، هل رأيت قطّ أنذل من هؤلاء؟ يدعوننى ويدعونك، ويخرجوننى اليك ولا يشترون نقلا ولا ريحانا، كأنّى بك وفي جيبك درهم وأنت تقول: الساعة أخرجه،
وأعطيها إيّاه، وتشترى به ما تريد، فقام من جنبها وقال: أخطأت استك الحفرة، وانقطع عنك الوحى، ووثب وجلس ناحية، فانتبه القوم وعطعطوا «1» عليها وعلموا أن حيلتها لم تتمّ، وخرج من عندهم ولم يعد إليهم.
وقال بعضهم: بتّ عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين، وله صبيان نيام، فرأيته في الليل يقوم فيقلّبهم من جنب الى جنب، فلما أصبحنا سألته عن ذلك، فقال: هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار، فيمريهم الطعام، ويصبحون جياعا، فأنا أقلّبهم من اليسار الى اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.
وكان زياد بن عبد الله الحارثىّ واليا على المدينة، وكان فيه بخل وجفاء، فأهدى اليه كاتب له سلالا فيها أطعمة، وقد تنوّق فيها فوافته وقد تغدّى، فقال: ما هذه؟
قالوا: غداء بعثه فلان الكاتب، فغضب، وقال: يبعث أحدهم الشىء في غير وقته، يا خيثم بن مالك! يريد صاحب شرطته، ادع لى أهل الصّفّة يأكلون هذا، فبعث خيثم الحرس يدعونهم، فقال الرسول الذى جاء بالسّلال: أصلح الله الأمير، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها، قال: اكشفوها فاذا طعام حسن من دجاج وفراخ وجداء وسمك وأخبصة وحلواء فقال: ارفعوا هذه السّلال، وجاء أهل الصّفّة، فأخبر بهم، فأمر بإحضارهم وقال: يا خيثم! اضربهم عشرة أسواط، فإنه بلغنى أنهم يفسون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الخلفاء من ينسب الى البخل، فمنهم عبد الملك بن مروان كان يلقب برشح الحجر ولبن الطير لبخله.
ومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التى تهدى اليه. حكى عنه أن أعرابيّا أكل عنده فرفع اللّقمة الى فيه، فقال له هشام: فى لقمتك شعرة يا أعرابىّ، فقال:
وإنك تلاحظنى ملاحظة من يرى الشّعرة، والله لا أكلت عندك أبدا، ثم قام وانصرف.
ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقّب بأبى الدوانيق، لقّب بذلك لأنه لما بنى مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصّناع، فيقول لهذا: أنت نمت القائلة، ولهذا: لم تبكّر، ولهذا: انصرفت قبل أن تكمّل اليوم، فيسقط لهذا دانقا، ولهذا دانقين، فلا يكاد يعطى لأحد أجرة كاملة، وكان يقول: يزعمون أنّى بخيل، وما أنا ببخيل، ولكن رأيت الناس عبيد المال، فمنعتهم عنه، ليكونوا عبيدا لى. ويحكى عنه أنه قال لطباخه: لكم ثلاثة وعليكم اثنتان، لكم الرءوس والأكارع والجلود، وعليكم الحبوب والتوابل. ومن حكاياته الدالة على بخله: أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك وهم كثير، وقد طالت أيامهم ونفدت نفقاتهم، فقال: اخرج إليهم وسلم عليهم، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا الحيّة، فإنما هى دويبة منتنة تأكل التراب، ولا الجبل فإنه حجر أصمّ، ولا البحر، فإنه عطن بضّ لجب، فمن ليس في شعره شىء من هذا فليدخل، ومن كان في شعره شىء منه فلينصرف، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال: أنا له يا ربيع فأدخلنى عليه: فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال له: يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التى منها
له لحظات في حفافى سريره
…
إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذى أمّنت آمنة الردى
…
وأمّ الذى خوّفت بالثّكل ثاكل
فرفع له السّتر وأقبل عليه وأصغى إليه، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلآف درهم وقال له: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منّا، فما كلّ وقت تصل إلينا، فقال إبراهيم: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ «1» .
ودخل المؤمّل بن أميل على المهدىّ وكان بالرّىّ، وهو إذ ذاك ولىّ عهد أبيه المنصور، فامتدحه بأبيات يقول فيها
هو المهدىّ إلا أن فيه
…
مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما
…
أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الضياء سراج عدل
…
وهذا في الظلام سراج نور
ولكن فضّل الرحمن هذا
…
على ذا بالمنابر والسّرير
وبعض الشهر يخفى ذا، وهذا
…
منير عند نقصان الشهور
وجاء منها
فإن سبق الكبير فأهل سبق
…
له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى كبير
…
فقد خلق الصغير من الكبير
فأعطاه عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو ببغداد، فكتب الى المهدىّ يلومه ويقول له: إنما كان ينبغى أن تعطى الشاعر إذا أقام ببابك سنة، أربعة آلاف درهم، وأمره أن يوجهه إليه، فطلب فلم يوجد، وتوجه إلى بغداد، فكتب الى المنصور بذلك، فأمر بإرصاده فمسك، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته، قال المؤمل: فكاد قلبى ينخلع خوفا وفرقا، ثم أخذ بيدى وانطلق بى إلى الربيع، فأدخلنى على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين، هذا المؤمّل
ابن أميل قد ظفر به، فسلمت عليه، فرد علىّ السلام، فسكن جأشى واطمأن قلبى وزال روعى، ثم قال لى: أتيت غلاما غرّا فخدعته فانخدع، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أتيت ملكا جوادا كريما، فمدحته فحملته أريحيّته على أن وصلنى وبرّنى، فأعجبه ذلك، ثم قال: أنشدنى ما قلت فيه، فأنشدته، فقال: والله لقد أحسنت، لكن ما يساوى عشرين ألفا، يا ربيع، خذ المال منه، وأعطه منه أربعة آلاف درهم، فلما ولى المهدى الخلافة، قدم عليه المؤمّل، فأخبره بما كان بينه وبين أبيه، فضحك وردّ عليه ما أخذ منه.
وحكى ابن حمدون في كتابه المترجم بالتذكرة: أن المنصور حجّ في بعض السنين فحدا به سالم الحادى يوما بقول الشاعر
أبلج بين حاجبيه نوره
…
إذا تغدّى رفعت ستوره
يزينه حياؤه وخيره
…
ومسكه يشوبه كافوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سالم: لا غير، يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لى بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت، يا ربيع! وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنة، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ولعشر، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء.
ومن طريق ما حكى عنه: أن عبيد الله بن زياد الحارثىّ، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها، فوقّع عليها: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطره، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.
وقد ذمّ الشعراء البخل وهجوا من اتصف به، فمن ذلك، وهو أبلغ ما قاله محدث، قول ابن الرومى
الحابس الروث في أعفاج بغلته
…
خوفا على الحبّ من لقط العصافير
وقال العسكرىّ: أبلغ ما قيل في البخل، قول ابن الرومىّ
يقتّر عيسى على نفسه
…
وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره
…
تنفّس من منخر واحد
رضيت لتشتيت أمواله
…
يدى وارث ليس بالحامد
وقال أبو تمام
صدّق أليّته إن قال مجتهدا
…
لا والرّغيف فذاك البرّ من قسمه
وإن هممت به فافتك بخبزته
…
فإن موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبنى لو كان غيرته
…
على جرادقه كانت على حرمه
وقال دعبل
استبق ودّ أبى المقا
…
تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه
…
أو كسر عظم من عظامه
وتراه من خوف النزيل
…
به يروّع في منامه
وقال أبو هلال العسكرىّ
خبز الأمير عشيقه
…
يغدو عليه يلاعبه
وإذا بدا لجليسه
…
أفضى إليه يعاتبه
وتحوطه حرّاسه
…
وتذبّ عنه كتائبه
فالزّور يصفع عنده
…
والضيف ينتف شاربه
وقال آخر
فتى لرغيفه قرط وشنف
…
وإكليلان من درّ وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليه
…
بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا
…
وحرب مثل وقعة يوم بدر
وقال آخر
إن هذا الفتى يصون رغيفا
…
ما إليه لآكل من سبيل
هو في سفرتين من أدم الطا
…
ئف في سلّتين من زنبيل
ختمت كلّ سلّة برصاص
…
وسيور قددن من جلد فيل
فى جراب في جوف تابوت موسى
…
والمفاتيح عند ميكائيل
وقال العسكرىّ
قلّ خير ابن قاسم
…
فغناه كعدمه
كادمن خشية القرى
…
يختبى في حر امه
جاز في اللؤم حدّه
…
كأبيه وعمه
كاد يعديك لؤمه
…
لو تسمّيت باسمه
وقال ايضا
لك برمة نزّهتها
…
من أن تدنّس بالدّسم
بيضاء يشرق نورها
…
كالبدر في غسق الظّلم
لو كان عرضك مثلها
…
كنت الممدّح في الأمم
أو كان فعلمك مثل قو
…
لك كنت تاريخ الكرم
وقال أيضا
ضفت عمرا فجاءنى برغيف
…
زادنى أكله على الجوع جوعا
ثم ولىّ يقول وهو كئيب:
…
لهف نفسى على رغيف أضيعا
كان خدّاعة الضيوف ولكن
…
ربما أصبح الخدوع خديعا
كنت أنزلته محلّا رفيعا
…
فغدا ذلك الرفيع وضيعا
عجبا منه إذ أبيح حماه
…
كيف لم يمتنع وكان منيعا
وقال آخر
أرى ضيفك في الدر
…
وكرب الموت يغشاه
على خبزك مكتوب: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ»
وقال بشّار
وضيف عمرو وعمرو يسهران معا
…
عمرو لبطنته والضيف للجوع
وقال آخر
نوالك دونه خرط القتاد
…
وخبزك كالثّريا في البعاد
ولو أبصرت ضيفا في منام
…
لحرّمت المنام الى التّنادى
أرى عمر الرغيف يطول جدّا
…
لديك كأنّه من قوم عاد
وما أهجوك أنك كفء شعرى
…
ولكنّى هجوتك للكساد
وقال العسكرىّ
قد كان للمال ربّا
…
فصار بالبخل عبده وصحّف الصّيف ضيفا
فراح يلطم خدّه
وقال أبو نواس في إسماعيل بن نوبخت. بعد أن نصب إسماعيل في صحن داره طارمة، واصطبح فيها أربعين يوما ومعه جماعة، منهم أبو نواس، فبلغت نفقته اربعين ألف درهم، ثم قال بعد ذلك
خبز إسماعيل كالوشى
…
إذا ما شقّ يرفا
عجبا من أثر الصنعة
…
فيه كيف تخفى؟
إنّ رفّاءك هذا
…
ألطف الأمة كفّا
فإذا ألصق بالنصف
…
من الجردق نصفا
الطف الصنعة حتّى
…
ما ترى مطعن إشفى «1»
مثل ما جاء من التّنّور
…
ما غادر حرفا
وله في الماء أيضا
…
عمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء البئر
…
كى يزداد ضعفا
فهو لا يسقيك منه
…
مثل ما يشرب صرفا
وقال فيه
على خبز إسماعيل واقية البخل
…
فقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب
…
يصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدّث عنها الناس من غير رؤية
…
سوى صورة ما إن تمرّ ولا تحلى
وما خبزه إلا كآوى يرى ابنه
…
ولم ير آوى في الحزون وفي السّهل
وما خبزه إلا كليب بن وائل
…
ليالى «2» يحمى عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده
…
ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذى
…
أصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذلّ
ولكن قضاء ليس يسطاع ردّه
…
بحيلة ذى مكر ولا دهي ذى عقل
وقال ابن الرومىّ
بخيل يصوّم أضيافه
…
ويبخل عنهم بأجر الصيام
بدسّ الغلام فيوليهم
…
هوانا فيشتم مولى الغلام
فهم مفطرون وهم صائمون
…
وما يطعمون وهم في أثام
فيحتال بخلا لأن يفطرون
…
على رفث القول دون الطّعام
وقال أحمد بن كشاجم
صديق لنا من أبرع الناس في البخل
…
وأفضلهم فيه وليس بذى فضل
دعانى كما يدعو الصديق صديقه
…
فجئت كما يأتى إلى مثله مثلى
فلما جلسنا للطعام رأيته
…
يرى أنه من بعض أعضائه أكلى
ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده
…
وأعلم أن الغيظ والشتم من أجلى
فأقبلت أستلّ الغداء مخافة
…
وألحاظ عينيه رقيب على فعلى
أمدّ يدى سرا لأسرق لقمة
…
فيلحظنى شزرا فأعبث بالبقل
إلى أن جنت كفّى لحتفى جناية
…
وذلك أن الجوع أعدمنى عقلى
فجرّت يدى للحين رجل دجاجة
…
فجرّت كما جرّت يدى رجلها رجلى
وقدّم من بعد الطعام حلاوة
…
فلم أستطع فيها أمرّ ولا أحلى
وقمت لو انّى كنت بيّت نيّة
…
ربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل