الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال آخر: فلان له وعد مطمع، ومطل مؤيس، وأنت منه أبدا بين يأس وطمع، فلا بذل مريح، ولا منع صريح.
وقال الثعالبىّ: أوّل من أخلف المواعيد ولم يف بشىء منها: إسماعيل بن صبيّح كاتب الرشيد، وما كان الرؤساء يعرفون قبله المواعيد الكاذبة
ذكر ما قيل في العىّ والحصر
قال الله عزّوجلّ: (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ)
وقال تعالى إخبارا عن فرعون عند افتخاره على موسى بالبيان: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ)
قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام لما سمع هذا القول قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي)
الآية، فقال الله تعالى:(قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) .
وقيل: حدّ العىّ معنى قصير، يحويه لفظ طويل. وقال أكثم بن صيفىّ: هو أن تتكلّم فوق ما تقتضيه حاجتك. وقالوا: الفقير الناطق، أغنى من الغنىّ الساكت.
وقال كسرى: الصّمت خير من غىّ الكلام.
وقالوا: فضّل الإنسان على ما عداه من الحيوان بالبيان، فإذا نطق ولم يفصح عاد بهيما.
وقالوا: العىّ داء دواؤه الخرس. ومن علامات العىّ الاستعانة، وهى أن ترى المخاطب إذا كلّ لسانه عند مقاطع كلامه، يقول للمخاطب: اسمع منّى، أو سمعت لى، وافهم عنى، وأشباه ذلك.
ومنهم من يقول: قولى كذا، أعنى به كذا، ولا يريد التفسير، ولكنه يعيد كلامه بصيغة أخرى تكون غير مراده الأوّل ليفهم عنه.
ومن عيوب اللسان، التّمتمة، والفأفأة، والعقلة، والحبسة، واللّفف، والرّتّة، والغمغمة، والطّمطمة، واللّكنة، والغنّة، واللّثغة. فالتمتمة، قال الأصمعىّ: إذا تعتع في التاء فهو تمتام، وإذا ردّد في الفاء فهو فأفاء، قال الراجز
ليس بفأفاء ولا تمتام
…
ولا كثير الهجر في الكلام
والعقلة: التواء اللسان عند الكلام؛ والحبسة: تعذّر النطق، ولم تبلغ حدّ الفأفاء ولا التمتام، ويقال: إنها تعرض أوّل الكلام، فإذا مرّ فيه انقطعت. واللّفف:
إدخال بعض الكلام في بعص؛ قال الراجز
كانّ فيه لففا إذا نطق
…
من طول تحبيس وهمّ وأرق
والرّتّة: اتصال بعض الكلام ببعض دون إفادة؛ والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يتبيّن لك تقطيع الحروف، ولا تفهم معناه؛ والطمطمة: أن يكون الكلام شبيها بكلام العجم، وهى حميريّة، وقالوا: هى إبدال الطاء بالتاء لأنهما من مخرج واحد، فيقول: السّلتان والشّيتان، وأشباه ذلك، قيل: وكانت في لسان زياد بن سلمى، وكان خطيبا شاعرا كاتبا؛ واللّكنة: إدخال بعض حروف العرب في حروف العجم، وتشترك فيها اللغة التركية والنبطيّة، وهى إبدال الهاء حاء، وانقلاب العين همزة، وكانت في لسان عبيد الله بن زياد، وصهيب الرومىّ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن مولى لزياد، قال له: أيها الأمير، أحدوا لنا همار وهش:
يريد: أهدوا لنا حمار وحش، فلم يفهم زياد عنه، وقال: ويلك! ماذا تقول؟
قال: أحدوا لنا أيرا: يريد عيرا، فقال زياد: أرجعنا إلى الأول فهو خير؛ والغنّة:
أن يشرب الصوت الخيشوم؛ والخنّة: ضرب منها؛ والترخيم: حذف بعض الكلمة لتعذّر النطق بها؛ واللّثغة: إبدال ستة حروف بغيرها، وهى الهمزة والراء والسين والقاف والكاف واللام، فالتى تعرض للهمزة، فهى إبدالها عينا، فإذا أراد أن يقول: أنت، قال: عنت وهى مستعملة في لسان التّكرور، وأما التى تعرض فى الراء، فهى ستة أحرف، فمنهم من يجعلها غينا معجمة فيقول (عمغ) : يريد عمر، وهى غالبة على لسان أهل دمشق، وإذا اجتمعت الراء والغين في كلمة كقولهم:
رغيف، قال:(غريف)، وفغرت بمكان فرغت: فيبدلون كلّ حرف بالآخر، قيل: وكانت في لسان محمد بن شبيب الخارجىّ، وواصل بن عطاء المعتزلىّ، وكان لاقتداره على الكلام، وغزارة مادته، يتجنب النطق بها، وفيه يقول الشاعر من ابيات
ويجعل البرّ قمحا في تصرّفه
…
وجانب الرّاء حتى احنال للشّعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله
…
فعاد بالغيث إشفاقا من المطر
ومنهم من يجعلها عينا مهملة، فيقول في أزرق: أزعق، وهى في لسان عوامّ أهل دمشق، ومنهم من يجعلها ياء، فيقول في عمر: عمى، ومنهم من يبدلها بالظاء أخت الطاء، ومنهم من يبدلها همزة، فإذا أراد أن يقول: رأيت، قال: أأيت، وأما التى تعرض للسين، فإنهم يبدلونها ثاء، فيقولون: بثم الله، ويثرة الله: إذا أرادوا بسم الله، ويسرة الله، أو أشباه ذلك، وهى مستحسنة في الجوارى والغلمان. قال الشاعر
وأهيف كالهلال شكوت وحدى
…
إليه لحسنه وأطلت بثّى
وقلت له فدتك النفس صلنى
…
تحز فيّ الثواب فقال بثّى
وأما التى تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول:
قال، وقلت، نطق: بطال، وطلت، وهى نبطيّة، وكانت في لسان أبى مسلم صاحب الدعوة، وعبيد الله بن زياد؛ ومنهم من يجعلها كافا فيقول: كال وكلت؛ وأمّا التى تعرض للكاف، فمنهم من يجعلها همزة، فيقول: أأف، ومنهم من يبدلها تاء، فيقول: تان، إذا أراد: كان، وأما التى تعرض في اللام، فمنهم من يبدلها ياء، فيقول: اعتييت، بمعنى: اعتللت، ويقول في جمل: جمى، وإذا أقسم بالله، يقول: ويّاه، ومنهم من يبدل الخاء المعجمة حاء مهملة، فيقول في خوخ: حوح؛ وتستحسن في الغلمان والجوارى، ومنهم من يبدل الجيم ضادا، فإذا اجتمع لأحد فى كلمة جيم وضاد، مثل ضجر، ونضج، قال: جضر، ونجض. والحمد لله وحده!
كمل الجزء الثالث من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب، يتلوه إن شاء الله تعالى في أوّل الجزء الرابع منه:
«الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثانى في المجون والنوادر والفكاهات والملح» والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل