الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو تمام
واذا امرؤ أسدى اليك ضنيعة
…
من جاهه فكأنها من ماله
وقال رجل لبعض الملوك: إن الناس يتوسّلون اليك بغيرك، يسألون معروفك، ويشكرون غيرك، وأنا أتوسّل اليك بك، ليكون شكرى لك لا لغيرك.
قال بعض الشعراء
إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة
…
فلا خير في ودّ يكون بشافع
ذكر ما قيل في الاعتذار والاستعطاف
رأيت جماعة من أهل الأدب قد ألحقوا الاعتذار والاستعطاف بالمدح، كالحمدونىّ فى تذكرته، وغيره، فلذلك أضفته اليه، وجعلته من فصوله. قال الله عزّوجلّ:
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) .
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اعتذر اليه أخوه المسلم، فلم يقبل، لم يرد على الحوض» .
وقال علىّ رضى الله عنه: أولى الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة. وقال:
العفو زكاة الظّفر. وقال: اذا قدرت على عدوّك، فاجعل عفوك عنه شكر المقدرة عليه.
وقال الحسن بن علىّ رضى الله عنهما: لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال: أوسع ما يكون الكرم بالمغفرة، اذا ضاقت بالذنب المعذرة.
وقال جعفر بن محمد الصادق: شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم الاعتذار.
وقالوا ما أذنب من اعتذر، ولا أسى من استغفر.
وأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بنىّ لا يعتذر اليك أحد من الناس، كائنا من كان، فى أى جرم كان، صادقا كان أو كاذبا، إلا قبلت عذره، فكفاك بالاعتذار برّا من صديقك، وذلّا من عدوّك.
قال بعض الشعراء
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
…
فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرىّ: الاعتذار ذلّة، ولا بدّ منه، لأن الإصرار على الذنب، فيما بينك وبين خالقك هلكة، وفيما بينك وبين صديقك فرقه، وعند سائر الناس مثلبة وهجنة، فعليك به، اذا واقعت الذنب، وقارفت الجرم، ولا تستنكف من خضوعك وتذلّلك فيه، فربما استثير العزّ من تحت الذلة، واجتنى الشرف من شجرة النذلة، وربّ محبوب في مكروه، والمجد شهد يجتنى من حنظل.
قال: ومما خصّ به الاعتذار أنّ الحقّ لا يثبت لباطله، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه، وأنّ ردّه لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته. وقالوا: لا عذر فى ردّ الاعتذار، والمعتذر من الذنب، كمن لا ذنب له، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره.
قال بعضهم: كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توّابة، نسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيّام الى عدلك، وأشكو صروفها الى فضلك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، وحسن ملكتك، فإنها تؤخّرنى اذا قدّمت، وتحرمنى اذا قسّمت، فإن
أعطت أعطت يسيرا، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا، ولم أشكها الى أحد قبلك، ولا أعددت الانتصاف منها إلا الى فضلك، ولى مع ذمام المسألة لك، وحقّ الظّلام اليك، ذمام تأميلك، وقدم صدق في طاعتك، والذى يملأ من النّصفة يدى، ويفرغ الحقّ علىّ، حتى تكون لى محسنا، وأكون بك الى الأيام مقرّبا، أن تخلطنى بخواصّ خدمك الذين نقلتهم من حدّ الفراغ الى الشغل، ومن الخمول الى النباهة والذّكر، فإن رأيت أن تعذّبنى فقد استعديت اليك، وتنصرنى فقد عذت بك، وتوسع لى كنفك فقد أويت اليه، وتسمنى بإحسانك فقد عوّلت عليه، وتستعمل يدى ولسانى فيما يصلحان له من خدمتك، فقد درست كتب أسلافك وهم القدوة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفوت آثارهم اقتفاء جعلنى بين وحشىّ الكلام وأنيسه، ووقفنى منه على جادة متوسطة، يرجع اليها العالى، ويلحق بها المقصّر التالى، فعل إن شاء الله. قال: فعل إن شاء الله! قال: فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها؛ ثم قال: هذا أحقّ بديوان الرسائل.
ومن الاستعطاف: ما حكى أن محمد بن الحنفيّة، جرى بينه وبين أخيه الحسين، كلام افترقا بسببه متغاضبين؛ فلما وصل محمد الى منزله، كتب الى الحسين رقعة فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن لك شرفا لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، أبونا علىّ، لا أفضلك فيه ولا تفضلنى، وأمّى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ملء الأرض نساء مثل أمى ما وفين بأمّك، فاذا قرأت رقعتى هذه فالبس رداءك ونعليك وتعال لتترضّانى، وإياك أن أسبقك الى هذا الفضل الذى أنت أولى به منى والسلام. فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء الى محمد وترضّاه.
وقيل: وقّع جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا: قد تقدمت طاعتك ونصيحتك، فإن ثبت منك هفوة فلن تغلب سيئة حسنتين.
وقال شاعر
إرض للسائل الخضوع وللقا
…
رف ذنبا مذلّة الإعتذار
قال أبو هلال العسكرىّ: لم يرو عن أحد قبل النابغة الذبيانىّ في الاعتذار شعر؛ فمن أجود ما روى له فيه، قوله حين سعى به المنخّل اليشكرىّ الى النّعمان، وزعم أنه غشى المتجرّدة حظيّة النعمان، وذلك حين وصفها النابغة في شعره فقال
واذا لمست، لمست أخثم جاثما
…
متحيّزا بمكانه ملء اليد
واذا طعنت، طعنت في مستهدف
…
رابى المحبّسة بالعبير مقرمد
واذا نزعت، نزعت من مستحصف
…
نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد
فقال المنخّل للنعمان: هذا وصف من ذاقها، فوقر ذلك في نفس النعمان، ثم وفد عليه رهط من بنى سعد بن زيد مناة من بنى قريع، فأبلغوه أن النابغة ما يزال يذكرها ويصف منها، فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة، فعرّفه بذلك عصام حاجب النعمان، وهو الذى قيل فيه
نفس عصام سوّدت عصاما
فانطلق النابغة الى آل غسّان وكانوا قتلوا المنذر ولد النعمان، فزادهم لحاق النابغة بهم حشمة؛ ثم اتصلت بالنعمان كثرة مدائح النابغة لهم، فحسدهم عليه وأمّنه وراسله فى المصير اليه، فأتاه وجعل يعتذر ممّا قذف به ومن مدحه لآل غسّان فقال
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
…
وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنى جناية
…
لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب
ولست بمستبق أخا لا تلمّه
…
على شعث! أىّ الرجال المهذب؟
فأن أك مظلوما، فعبد ظلمته
…
وإن تك ذا عتبى، فمثلك يعتب
يقول: مثلك يعفو ويحسن وإن كان عاتبا، وفي كرمك ما يفعل ذلك، ولك العتبى والرجوع الى ما تحبّ، ومنه قوله أيضا للنعمان
أتانى أبيت اللّعن! أنك لمتنى
…
وتلك التى تستكّ منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله
…
وذلك من تلقاء مثلك رائع
فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلة
…
من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع
لكلّفتنى ذنب امرىء وتركنه
…
كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
الى أن قال
فإن كنت لا ذو الضّغن عنى مكذّب
…
ولا حلفى على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بشىء أقوله
…
وأنت بأمر لا محالة وقع
فإنك كالليل الذى هو مدركى
…
وإن خلت أنّ المنتأى عنك وسع
وقال أيضا
أنبئت أن أبا قابوس أوعدنى
…
ولا قرار على زار من الأسد
مهلا، فداء لك الأقواء كلّهم،
…
وما أثمّر من مال ومن ولد
لا تقذفنّى بركن لا كفاء به
…
وإن تأثّفك «1» الأعداء بالرّفد
ما قلت من سيىء ممّا أتيت به
…
اذا فلا رفعت سوطى الى يدى
قال: فخلع عليه النعمان خلع لرضى، وكنّ حبرات خضرا مطّرقّة بالجوهر.
قال العسكرىّ: ولم يسلك أحد طريقته فأحسن فيها كإحسان البحترىّ، فمن اعتذاراته قوله في قصيدته التى أوّلها
لوت بالسلام بنانا خضيبا
قال منها
فديناك من أىّ خطب عرى
…
ونائبة أو شكت أن تنوبا
وإن كان رأيك قد حال فيّ
…
وأوليتنى بعد شرّ قطوبا
يريبنى الشىء تأتى به
…
وأكبر قدرك أن أستريبا
وأكره أن يتمادى علىّ سبيل اغترار
…
فألقى شعوبا
أكذّب نفسى بأن قد سخطت
…
وما كنت أعهد ظنّى كذوبا
ولو لم تكن ساخطا لم أكن
…
أذمّ الزمان وأشكو الخطوبا
أيصبح ودّى في ساحتي
…
ك طرقا «1» ومرعاى محلا جديبا
وما كان سخطك إلا الفراق
…
أفاض الدموع وأشجى القلوبا
ولو كنت أعرف ذنبا لما كا
…
ن خالجنى الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقى رضاك
…
إما بعيدا وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصحّ
…
وأنظر عطفك حتى يثوبا
وقوله
عذيرى من الأيّام رنّقن مشربى
…
ولقّيننى نحسا من الطير أشأما
وأكسبننى سخط امرىء بتّ موهنا
…
أرى سخطه ليلا مع الصبح مظلما
تبلّج عن بعض الرضى، وانطوى على
…
بقية عتب شارفت أن تصرّما
اذا قلت يوما: قد تجاوز حدّها
…
تلبّث في أعقابها وتلوّها
وأصيد إن نازعته الطرف رده
…
قليلا، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدا عنى، فأصبح معرضا
…
ووهّمه الواشون حتى توهّما
وقد كان سهلا واضحا فتوعّرت
…
رباه، وطلقا ضاحكا فتجهّما
أمتّخذ عندى الإساءة محسن
…
ومنتقم منى امرؤ كان منعما
ومكتسب فيّ الملامة ماجد
…
يرى الحمد غنما والملامة مغرما
يخوّفنى من سوء رأيك معشر
…
ولا خوف إلا أن تجور وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادث
…
تبيّن، أو جرم إليك تقدما
الست الموالى فيك نظم قصائد
…
هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما؟
أعد نظرا فيما تسخطت، هل ترى
…
مقالا دنيئا أو فعالا مذمّما؟
وكان رجائى أن أؤوب مملّكا
…
فصار رجائى أن أؤوب مسلّما
حياء فلم يذهب بى الغىّ مذهبا
…
بعيدا، ولم أركب من الأمر معظما
ولم أعرف الذنب الذى سؤتنى له
…
فأقتل نفسى حسرة وتندّما
ولو كان ما خبّرته أو ظننته
…
لما كان غروا أن ألوم وتكرما
أذكّرك العهد الذى ليس سؤددا
…
تناسيه، والودّ الصحيح المسلّما
وما حمل الركبان شرقا ومغربا
…
وأنجد في أعلى البلاد وأتهما
أقرّ بما لم أجنه متنصّلا
…
اليك، على أنى إخالك ألوما
لى الذنب معروفا. فإن كنت جاهلا
…
به، فلك العتبى علىّ وأنعما
ومثلك، إن أبدى الفعال أعاده
…
وإن صنع المعروف زاد وتمّما
وقال سعيد بن حميد
لم آت ذنبا، فإن زعمت بأن
…
أتيت ذنبا، فغير معتمد
قد تطرف الكفّ عين صاحبها
…
فلا يرى قطعها من الرشد