الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تبعا لمراقي الْفَلاح: أَن من الْبدع زِيَادَة (وَبَرَكَاته) وَالْحق أَنَّهَا سنة صَحِيحَة، وَلَيْسَت بِدعَة، وَقد صحّح هَذِه الزِّيَادَة الْحَافِظ بن حجر فِي بُلُوغ المرام، وَكَذَا صَاحب الرَّوْضَة الندية، وَصَاحب سبل السَّلَام، وشارح الْمُنْتَقى وَلَفظه عِنْد الْكَلَام على حَدِيث ابْن مَسْعُود " أَنه [صلى الله عليه وسلم] كَانَ يسلم عَن يَمِينه وَعَن يسَاره " السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه " قَالَ: زَاد أَبُو دَاوُد فِي حَدِيث وَائِل " وَبَرَكَاته " وأخرجها أَيْضا ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَكَذَلِكَ ابْن مَاجَه من حَدِيثه، قَالَ الْحَافِظ فِي التَّلْخِيص: فيتعجب من ابْن الصّلاح حَيْثُ يَقُول: إِن هَذِه الزِّيَادَة لَيست فِي شَيْء من كتب الحَدِيث إِلَّا فِي رِوَايَة وَائِل بن حجر، وَقد ذكر لَهَا الْحَافِظ طرقا كَثِيرَة فِي تلقيح الأفكار، تَخْرِيج الْأَذْكَار لما قَالَ النَّوَوِيّ: إِن زِيَادَة " وَبَرَكَاته " رِوَايَة فردة، ثمَّ قَالَ الْحَافِظ بعد أَن سَاق تِلْكَ الطّرق: فَهَذِهِ عدَّة طرق ثبتَتْ بهَا " وَبَرَكَاته " بِخِلَاف مَا يُوهِمهُ كَلَام الشَّيْخ أَنَّهَا رِوَايَة فردة أهـ. نعم لم يثبت من طَرِيق صَحِيح وَلَا ضَعِيف مَقْبُول أَنه [صلى الله عليه وسلم] اقْتصر على تَسْلِيمَة وَاحِدَة فِي الْفَرْض، فالاقتصار عَلَيْهَا لَيْسَ حسنا.
فصل فِي تَحْقِيق القَوْل فِي صِحَة صَلَاة مَكْشُوف الرَّأْس
من عيوبنا معشر المتدينين اسْتِمْرَار النزاع. ودوام الْخُصُومَات الدِّينِيَّة بَيْننَا فَتَارَة تَجِد المعارك قَائِمَة محتدمة ويشترك فِيهَا الْعلمَاء وَأَصْحَاب الجرائد والمجلات، وتستمر المعركة قَائِمَة شهرا وأشهراً وَسنة بل وسنين، لأجل الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ. وَتارَة يتخاصمون لأجل سنية العذبة، وَتارَة يتحاربون لأجل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم بعد الْأَذَان، وَسورَة الْكَهْف، وَمرَّة يتقاتلون لأجل تَأْوِيل آيَات الصِّفَات، وَمَا من حكم من أَحْكَام الشَّرِيعَة الحنيفية السمحة، إِلَّا اخْتلفُوا فِيهِ وتعصبوا كل
لرأيه وَتَنَازَعُوا وفشلوا وَأَصْبحُوا أحزاباً وشيعا بِهِ. وبدت بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء والتنافر الَّذِي وصل بهم إِلَى حد سفك الدِّمَاء.
وَالْأَمر وَالله سهل جدا، فقد بَين الله سُبْحَانَهُ الدَّاء والدواء حَيْثُ قَالَ:{وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله} وَقَالَ: {فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} وَلَكِن الْقَوْم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر بل يُؤمنُونَ بالمشايخ ويفضلون حكمهم على حكم الله وَرَسُوله، وَلذَا طَال النزاع وَاشْتَدَّ بَيْننَا الْجِدَال وَالْخِصَام واحتدم.
والآن نتكلم عَن مَسْأَلَة كشف رَأس الْمصلى. وَهِي من أبسط وأخف الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي لَا يعاقبنا الله عَلَيْهَا إِن تركناها، وَلَا يزيدنا أجرا وثوابا إِن فعلناها، وَلَكِن للضَّرُورَة نتكلم فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
الرَّأْس لَيْسَ عَورَة بِإِجْمَاع الْمُسلمين؛ وَلم يقل أحد فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا بِبُطْلَان صَلَاة حاسر الرَّأْس، بل قد أوجبوا الصَّلَاة على العاري الَّذِي لم يجد مَا يستر بِهِ سوأتيه، وَأوجب الله على كل حَاج أَن يكْشف رَأسه فِي الصَّلَاة وَالطّواف، وَفِي أفضل مَكَان وَأفضل بقْعَة. وَأفضل عبَادَة يرجع الْمُؤمن بعْدهَا من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه.
ثمَّ كل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي العمائم وفضلها لَا شكّ أَنَّهَا بَاطِلَة وموضوعة كَحَدِيث " صَلَاة بعمامة تعدل خمْسا وَعشْرين صَلَاة؛ وَجمعه بعمامة تعدل سبعين جُمُعَة " وَهُوَ مَكْذُوب مفترى.
و" الصَّلَاة فِي الْعِمَامَة بِعشْرَة آلَاف حَسَنَة " بَاطِل كَذَلِك، انْظُر أَسْنَى المطالب وَغَيره.
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير " كَانَ [صلى الله عليه وسلم] يلبس القلانس تَحت العمائم، وَبِغير العمائم ويلبس العمائم بِغَيْر قلانس، وَكَانَ يلبس القلانس اليمانية؛ وَهن الْبيض المضربة ويلبس ذَوَات الآذان فِي الْحَرْب؛ وَكَانَ رُبمَا نزع قلنسوته فَجَعلهَا
ستْرَة بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ من خلقه أَن يُسمى سلاحه ودوابه ومتاعه " وَقَالَ أخرجه الرَّوْيَانِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس ورمز بضعفه، وَفِي هَذَا الحَدِيث يُفِيد كشف رَأسه [صلى الله عليه وسلم] أَحْيَانًا فِي الصَّلَاة إِلَّا أَنه ضَعِيف.
وأوضح من هَذَا وَأكْثر بَيَانا، وَأعظم وَأفضل اطمئناناً، مَا ورد عَن عَمْرو بن سَلمَة قَالَ:" لما كَانَت وقْعَة الْفَتْح بَادر كل قوم وبادر أبي قومِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قدم قَالَ جِئتُكُمْ من عِنْد النَّبِي حَقًا، فَقَالَ: صلوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، وَصَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا، فَإِذا حضرت الصَّلَاة فليؤذن أحدكُم وليؤمكم أَكْثَرَكُم قُرْآنًا. فنظروا فَلم يكن أحد أَكثر قُرْآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركْبَان. فقدموني بَين أَيْديهم. وَأَنا ابْن سِتّ سِنِين أَو سبع سِنِين، وَكَانَت على بردة كنت إِذا سجدت تقلصت عني، فَقَالَت امْرَأَة من الْحَيّ: أَلا تغطون عَنَّا إست قارئكم؟ فاشتروا فَقطعُوا لي قَمِيصًا فَمَا فرحت بِشَيْء فرحي بذلك الْقَمِيص " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ.
وَقد روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن سهل قَالَ: " كَانَ رجال يصلونَ مَعَ النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] عاقدي أزرهم على أَعْنَاقهم كَهَيئَةِ الصّبيان، وَقَالَ للنِّسَاء لَا ترفعن رءوسكن حَتَّى يَسْتَوِي الرِّجَال جُلُوسًا " وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك مَخَافَة أَن يطلع النِّسَاء على عورات الرِّجَال.
فَإِذا كَانَ كشف السوأتين فِي الصَّلَاة لَا يُبْطِلهَا الشَّرْع لَا صَلَاة الإِمَام وَلَا الْمَأْمُوم على السوَاء، فَهَل يَلِيق بعاقل بعد هَذَا أَن يتَكَلَّم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا بِهَذَا الَّذِي تبين ووضح وَصَحَّ سَنَده عَن رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] ؟ فدعوا التعصب والتهريج فِيمَا لَا يجدي.