الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: السيرة النبوية
تمهيد:
محمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الإسلام، وهو المبعوث بدين الله الخاتم إلى الناس أجمعين..
ولد بمكة، ونشأ وتربَّى في بادية العرب، وجاءه الوحي من الله على رأس الأربعين، وعاش رسالته داعيا إلى الله تعالى بمكة قبل الهجرة، وبالمدينة بعدها، وبلَّغ ما كلف به إلى العالم كله، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وكمل الدين، وتمت نعمة الله للعالمين.
وتعد سيرته صلى الله عليه وسلم دراسة لنموذج الإنسان الكامل الذي يجب أن يُحتذى، وأن يكون أسوة وقدوة لمن أراد الفوز والفلاح.
واتباعا للمنهج الذي رسمتُه في دراسة تاريخ الدعوة، فإني أعقد هذا الفصل في التعريف بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن جعلت الفصل الأول في التعريف بالعالم الذي بُعث له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الرسالة اختيار إلهي محض، لا دخل فيه لأمنيات بشر، ولا لطلب مخلوق، ويوم أن تمنى كفار مكة النبوة لبعضهم {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} 1، متمنين بذلك أن تكون الرسالة في أحد رجال القريتين -مكة أو الطائف- ليقوم بها رجل عظيم مشهور فيهم بغناه، أو بجاهه، أو بغير ذلك، يريدونه الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم من مكة، وهو ابن عم أبي جهل، وكان يُعرف بريحانة قريش، أو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف2.
1 سورة الزخرف آية 31.
2 هذا ما قاله قتادة، ويذكر مجاهد أن الرجلين هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، ويذكر ابن عباس أن عظيم الطائف هو حبيب بن عمرو الثقفي، ويذكر السدي أن عظيم مكة هو كنانة بن عبد عمرو "تفسير القرطبي ج16 ص83".
يوم طلب كفار مكة ذلك قال الله تعالى عنهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} 1، وبذلك أبطل الله أمنيات هؤلاء القوم وأمثالهم، ووضح لهم أن الرسالة والنبوة لا تكون لمن شاءه الناس، وإنما لمن أراده الله واختاره، ولا دخل لبشر في هذا الاختيار.
وبيَّن سبحانه في هذه الآية أيضًا أن أوضاع الناس المعيشية قسمة إلهية، تسير وفق إرادة الله وقدرته، لأسباب لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وليس لها ارتباط بالعظمة أو بالحقارة، وليست نتاجًا لمجرد العمل، وعلى الناس أن يعلموا أن النبوة خير ما يعطاه إنسان في الدنيا، بل هي أعظم من كل الخير إذا اجتمع، فإذا ما آتاها الله إنسانًا فإنه يعظم، ويعلو باختيار الله إياه، وقد اختار الله لرسالته الخاتمة العالمية محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو سبحانه {أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} 2، ولذلك قال الله تعالى:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} 3، ويقول سبحانه:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} 4، وعلى ذلك فهو صلى الله عليه وسلم أعظم العرب قاطبة، وأعظم البشر أجمعين.
وإني لموقن بأن حكمة الله في اختيار رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة لا يمكن لبشر أن يدركها إدراكًا كليًّا، وأرى في نفس الوقت أن في مقدور البشر أن يعلموا شيئًا من هذه الحكمة، وبخاصة بعد انكشاف شيء من أسرارها خلال الحركة بالرسالة والإسلام.
1 سورة الزخرف آية 32.
2 سورة الأنعام آية 124.
3 سورة القصص آية 68.
4 سورة الحج آية 75.
إن الخصائص التي تَميَّز بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت خلال قيامه بالدعوة عديدة، وشاملة لكافة جوانب شخصيته، ومتأصلة في أصوله وجذوره، وملازمة له في تربيته ونشأته، وملموسة في سائر أعماله، وأقواله، وأمانيه، وأمانته، وسلوكه مع نفسه، ومع أسرته، ومع الناس أجمعين.
ولولا أن الرسالة والنبوة اصطفاء وإحسان من الله لقلنا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم اكتسبها بخصائصه، ونالها بأعماله وجهاده، لكن جمهور علماء المسلمين -ونحن معهم- يجمعون على أن الرسالة لا تكتسب، وإنما يخلق الله الناس، ويختار منهم رسوله، ويهبه من لدنه استعدادا خاصا، يجعله أهلا لهذا الاختيار، قادرا على تحمل أمانة التبليغ والدعوة.
والاختيار بهذه الكيفية رحمة من الله بالناس؛ إذ به جرت الأمور بين الخلق على وفق سننه في الكون، فلم يفاجئهم بشخص سيئ، ولم يدعهم إلى أمر شاذ لا يتصور ولا يعقل.
وبمتابعة خصائص الشخصية المحمدية نبدأ من الأصول والجذور، لنرى كيف أودع الله فيه يجعلنا نؤمن بحكمة الله في هذا الاختيار، و {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} 1.
وفي هذا الفصل سأتناول الحديث عن سيرته صلى الله عليه وسلم من مولده، ومرورا بنشأته، وزواجه، ومبعثه، وتكريم الله له، ومعونته إياه، في مباحث متتابعة حتى نصل إلى الهجرة إلى المدينة المنورة نهاية المرحلة المكية.
وسوف أعتمد -بإذن الله تعالى- على ما رواه المؤرخون، وعلماء السير، وبخاصة ما صح منها.
وسوف تكون الأحداث ممثلة للسيرة النبوية بكمالها في عدد من المباحث، وذلك فيما يلي:
1 سورة الأنعام آية 124.