المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم - السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: "العرب

- ‌المبحث الثاني: الروم:

- ‌المبحث الثالث: الفرس

- ‌المبحث الرابع: الهنود

- ‌المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام

- ‌أولا: شيوع الضلال الديني

- ‌ثانيا: هوان الإنسان

- ‌ثالثا: سهولة التواصل

- ‌رابعا: تعدد الصراع

- ‌خامسا: النضج الفكري

- ‌سادسا: انتظار رسول جديد

- ‌الفصل الثاني: السيرة النبوية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: النسب الشريف

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى: أصالة النسب

- ‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

- ‌المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب

- ‌المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها

- ‌المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد

- ‌المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد

- ‌المبحث الخامس: شق الصدر:

- ‌المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا

- ‌المبحث السابع: زواج محمد صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

- ‌المبحث الثامن: بناء الكعبة

- ‌المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية

- ‌أولا: كثرة المبشرات

- ‌ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة

- ‌ثالثا: منع الجن من الاستماع

- ‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

- ‌المبحث الحادي عشر: صور الوحي

- ‌المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة

- ‌أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام

- ‌ثانيا: صلته بأعمامه

- ‌ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة

- ‌المبحث الثالث عشر: عام الحزن

- ‌المبحث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة

- ‌أولا: سودة بنت زمعة رضي الله عنها

- ‌ثانيا: عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

- ‌ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى

- ‌النصر الأول: إسلام عداس

- ‌النصر الثاني: إسلام الجن

- ‌النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي

- ‌النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل

- ‌النصر الخامس: الإسراء والمعراج

- ‌النصر السادس: إسلام الأنصار:

- ‌الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة

- ‌أولا: منهج الدعوة

- ‌ثانيا: المضمون الفكري للحركة

- ‌ثالثا: أسلوب الدعوة

- ‌رابعا: وسائل الدعوة

- ‌المبحث الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة خلال المرحلة السرية

- ‌مدخل

- ‌أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة:

- ‌ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي

- ‌ثالثا: تخير المدعوين:

- ‌رابعا: تجنب ضلالات القوم:

- ‌خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم

- ‌سادسا: إسلام الضعفاء فقط

- ‌سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه

- ‌ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه

- ‌تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:

- ‌المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌أولا: ظهور الجماعة المؤمنة

- ‌ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة

- ‌المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة

- ‌المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

- ‌المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

- ‌المسألة الثانية: أساليب الدعوة من خلال البلاغة القرآنية

- ‌المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع

- ‌المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية إيمان المعذبين

- ‌ثانيا: تحرير الأرقاء:

- ‌ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة

- ‌رابعا: انتهاء المقاطعة

- ‌المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة

- ‌المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية

- ‌الفصل الرابع: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المكية

- ‌تمهيد:

- ‌الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين

- ‌الركيزة الثانية: دور الداعية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية صلته بالله

- ‌ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس

- ‌الركيزة الثالثة: صفات الدعاة

- ‌مدخل

- ‌أولا: صفات التكامل الذاتي

- ‌ثانيا: صفات الترابط والمودة

- ‌ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:

- ‌الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع

- ‌الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة

- ‌الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

مع بلوغ محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين1 تكاملت شخصيته في كافة جوانبها البشرية، فوصل إلى التمام في: صورته وخُلُقه وعقله وروحه، وذلك بفضل الله وعنايته.

إن النبوة تكليف إلهي، يصنع الله لها رجالا من خَلْقه، على نحو يريده سبحانه وتعالى، ويوحي إليهم، وبذلك توجد النبوة في النبي، وتتلاقى الرسالة والرسول في انسجام وتناغم وتوازن.

إن النبي صناعة إلهية، يقول الله عن موسى عليه السلام:{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} 2، ويقول سبحانه على لسان عيسى:{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} 3، وهكذا الأنبياء جميعا في تكوينهم وتنشئتهم وحياتهم؛ حيث نلقاهم جميعا محاطين بالرعاية والعناية، تحفهم خوارق العادات التي تمثل جزءا من حياتهم ونشاطهم قبل النبوة.

ويخطئ بعض الناس حيث يقفون أمام الإرهاصات والمبشرات موقف الإنكار والدهشة؛ لأنها خوارق للعادة جرت قبل البعثة، ويسلمون بخوارق العادات بعد النبوة؛ لأنها معجزة تصدق الرسول في نبوته.

وبعض آخر من الناس ينكر هذه المبشرات لخروجها عن مألوف عقولهم، ومعارضتها لتصوراتهم للكون والحياة.

1 شرح النووي على صحيح مسلم ج15 ص99.

2 سورة طه آية 41.

3 سورة مريم آية 30.

ص: 281

والواجب أن يدرك الجميع أن خوارق العادات تحيط بالرسول قبل بعثته، بل وقبل مولده، كما تكون معه بعد مبعثه؛ لأنها جميعا من الله، ولكل منها وظيفته ودوره.

والخارق للعادة مطلقا لا دخل للعقل فيه، فما بال فريق من الناس يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر.

إن العقل عاجز لا يمكنه تغيير مسار الأمور العادية القدرية؛ كحركة الأفلاك، وتكوين الجنين

وغيرها، والعقل حين يعجز عليه أن يسلم بما يرى.. هذا في الأمور العادية..

وواجب أن يكون التسليم في كل قدر الله وبخاصة ما جاء خارقا للعادة مطلقا.

لقد أحاطت عناية الله محمدا صلى الله عليه وسلم من كافة النواحي، من ناحية نسبه، وحمل أمه به، وإرضاعه، ونشاطه، ورحلاته، وقد سبق ذكر صور لهذه العناية التي أثمرت شخصية متكاملة في واحد من الناس يريد الله له أن يكون رسولا نبيا.

وقد تجلى هذا الكمال البشري في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه في الجوانب التالية:

1-

سمو السلوك:

عاش محمد صلى الله عليه وسلم حياته كلها في أعمال فاضلة، وسلوك سليم، ولم يُؤْثَرْ عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلا فاضلا وممتازا، حتى عرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك.

ومع خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها، كانت عناية الله معه، فصار رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحبهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأكثرهم أمانة،

ص: 282

وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، ما رُئي ملاحيا، ولا مماريا أحدا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.

صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان.

فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفا، وغرابيل، ومزامير.

قلت: ما هذا؟

قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله علي أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.

فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟

فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت.

ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس.

فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟

فقلت: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت.

فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" 1.

1 السيرة النبوية لابن كثير ج1 ص251.

ص: 283

وعن أم أيمن رضي الله عنها قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك معه، فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه وقلن: يا محمد، ما تريد أن تحضر لقومك عيدا، ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا.

فقالت عماته: ما دهاك؟

قال: "إني أخشى أن يكون بي لمم".

فقلن: ما كان الله يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟

قال: "إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه".

قالت: فما عاد إلى عيد لهم1.

وعن علي رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل عبدت وثنا قط؟

قال: "لا".

قالوا: فهل شربت خمرا قط؟

قال: "لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان"2.

يقول ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما ذكر لي- يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره، وأمر جاهليته، أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره

1 الخصائص الكبرى ج1 ص221.

2 دلائل النبوة لأبي نعيم ص146.

ص: 284

فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك.

فأخذته وشددته عليَّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي".

يقول السهيلي: ورد مثل هذا الحديث الصحيح في بنيان الكعبة، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل الحجارة مع قومه، وكانوا يحملون أزرهم على عواتقهم لتقيهم قسوة الحجارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها على عاتقه، وإزاره مشدود عليه، فقال له العباس رضي الله عنه: يابن أخي، لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشيا عليه، ثم قال:"إزاري، إزاري"، فشد عليه إزاره، وقام يحمل الحجارة1.

ولا مانع من تكرار هذا التوجيه القدري ليبقى محمد صلى الله عليه وسلم في طهارته وسموه.

يروي ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام لما عرف عنه من العقل والحكمة؛ ولذلك لما بعث ناداهم، وسألهم عن خُلُقه وصدقه، فأقروا له بما عملوا منه.

يروي البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} 2، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صَعِدَ الصفا فهتف:"يا صباحاه".

فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه.

فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ ".

قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.

قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".

قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟! 3.

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص183.

2 سورة الشعراء آية 214.

3 صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج8 ص137.

ص: 285

ولقد اشتهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه بالأخلاق الكريمة، تمتع بالصفات الفاضلة، وجاء قول الله تعالى في وصف خلقه:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} 1، لتصف أخلاقه بالعظمة التي اتصف بها بصورة شاملة قبل المبعث، حتى سماه قومه بالأمين، ووصفته السيدة خديجة بما كان فيه يوم أن جاءها مرتعشا خائفا، قالت له: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق2.

وصدقت السيدة خديجة رضي الله عنها في شهادتها، ونطقت بالحق، وكانت تعبيرا ناطقا عن المستقبل؛ إذ أكرم الله محمدا صلى الله عليه وسلم، واختاره رسولا للعالم كله.

2-

جمال الخِلْقَة:

أضفى الله تعالى بفضله وكرمه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الحسن والجمال، الذي تميز به قبل النبوة.. وحين نورد شيئا من جمال خلقته صلى الله عليه وسلم، فليس أمامنا إلا مصادر السيرة والحديث ننقل عنها.

يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها، حتى قال أنس رضي الله عنه: لم أرَ بعده ولا قبله مثله"3.

ولما سئل البراء رضي الله عنه: أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، وكان مستديرا. وورد أنه كان صلى الله عليه وسلم مليح الوجه4.

وكان عظيم الفم، طويل شق العين5.

1 سورة القلم آية 4.

2 صحيح البخاري - كتاب المناقب.

3 البخاري 7/ 58 - كتاب اللباس - باب الجعد، ومسلم 4/ 819 - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجها.

4 صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مليح الوجه ج6 ص28.

5 صحيح البخاري - كتاب الفضائل - باب صفة فم النبي صلى الله عليه وسلم وعينيه وعقبيه ج6 ص28.

ص: 286

أما شعره فليس بالجعد القطط، ولا بالسَّبِط، بل كان رَجلا1.

كان له جمة عظيمة تصل إلى شحمة أذنيه، وأحيانا تضرب منكبيه، وأحيانا ثالثة تكون بين أذنيه وعاتقه، كما كان صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية2.

وإذا كان البياض في شعره قد شمل العنفقة والصدغين، وفي الرأس نبذ، فلم يكن ذلك البياض كله يبلغ عشرين شعرة3.

أما الحمرة في بعض شعره، فكانت من آثار الطيب4.

وكان أبيض اللون، ولكنه لم يكن بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، وإنما كان أزهر اللون5.

ولم يكن صلى الله عليه وسلم بالطويل البائن، ولا بالقصير، بل كان مربوعا، وكان مقصدا6.

وكان صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين، وكان ضخم اليدين والقدمين، وبسط الكفين، وكان لين الكف، حتى قال أنس: ما مسست خزة ولا حريرة ألين

1 صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج9 ص191، ومسلم ج15 ص92 - كتاب الفضائل - باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه وسنه، ومعنى "رجل" أي: لم يكن شديد الجعودة، ولا البسوطة، بل بينهما "النهاية ج2 ص203".

2 صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج9 ص191 رواية البراء، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم، وصحيح مسلم ج15 ص92 - كتاب الفضائل.

3 صحيح مسلم ج15 ص95، 96 - باب شيبة صلى الله عليه وسلم، صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ج6 ص26، ط. الأوقاف، العنفقة: هي ما تحت الشفة السفلى.

4 صحيح البخاري ج6 ص27، ط. الأوقاف.

5 صحيح البخاري - كتاب اللباس - باب الجعد ج9 ص190.

6 المرجع السابق ص190، 191، قال في النهاية: كان أبيض مقصدا، هو الذي ليس بطويل، ولا قصير، ولا جسيم، كأنه خَلْقَه نُحِيَ به القصد من الأمور، والمعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي التفريط والإفراط "النهاية في غريب الحديث والأثر ج4 ص67".

ص: 287

من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم1، وكان منهوس العقبين2.

يروي الترمذي بسنده عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما3، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب4، عظيم الهامة5، رجل الشعر6، إذا انفرقت عقيقته فرقها وإلا فلا7، يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره8، أزهر اللون9، وساع الجبين10، أزج الحواجب11، سوابغ في غير قرن12، بينهما عرق يدره الغضب13، أقنى العرنين14، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم15.

1 صحيح البخاري ج9 ص192.

2 مسلم ج4 ص1820، وقد فسر أحد رواة الحديث "منهوس العقبين" فقال: قليل لحم العقب.

3 أي: عظيما في نفسه، معظما في الصدور والعيون عند كل من رآه صلى الله عليه وسلم.

4 الربعة والمربوع: هو الوسط، بين القصير والطويل على حد سواء، والمشذب: هو الطويل البائن الطول، والمراد: أنه صلى الله عليه وسلم أطول من المربوع عن إمعان النظر، وأما في بادئ النظر يرى ربعة.

5 الهامة: بتخفيف الميم هي الرأس، وعظم الرأس المتناسب مع الجسم دليل قوة العقل والمدارك.

6 أي: في شعره صلى الله عليه وسلم شيء من الجعودة.

7 المراد بالعقيقة هنا: شعر الرأس، والمعنى: أن شعر رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم إن قبل أن يفرق بسهولة فرقه، أي: جعل شعره نصفا عن اليمين، ونصفا عن اليسار، وإلا بأن لم ينفرق فلا، أي: فلا يفرق شعره بل يتركه على حاله.

8 أي: إذا جعل شعره وافرا وأعفاه من الفرق صلى الله عليه وسلم.

9 أي: هو صلى الله عليه وسلم أبيض اللون بياضا نيرا مشربا بحمرة.

10 أي: واضح الجبين وممتده طولا وعرضا، وهو معنى رواية: صلت الجبين، وعظيم الجبهة.

11 الزجج: تقوس في الحاجب مع طول طرفه، ويلزم من ذلك دقة الحاجبين وسبوغهما.

12 القرن -بالتحريك- هو اقتران الحاجبين، والتقاء أطرافهما، وهو من البلج، والمعنى: أن حاجبيه صلى الله عليه وسلم لم يتصلا ببعضهما، فهو أبلج، وأما ما ورد في حديث أم معبد:"كان أزج أقرن" فالمراد كان كذلك فيما يبدو للناظر من بعيد ومن غير تأمل، وأما القريب المتأمل، فيرى أنه صلى الله عليه وسلم أبلج في الواقع.

13 أي: بين حاجبيه صلى الله عليه وسلم عرق إذا غضب تحرك وظهر جليا.

14 قال العلامة المناوي في شرح الشمائل: أقنى: من القنا، وهو ارتفاع أعلى الأنف واحدداب الوسط.

15 أي: للعرنين -وهو ما صلب من عظم الأنف- نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم: من الشمم، وهو ارتفاع قصبة الأنف، مع استواء أعلاه وإشراف الأرنبة.

ص: 288

كث اللحية1، سهل الخدين2، ضليع الفم3، مفلج الأسنان4، دقيق المسربة5، كأن عنقة جيد دمية في صفاء الفضة6، معتدل الخلق7، بادن، متماسك8، سواء البطن والصدر9، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس10.

أنور المتجرد11، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط12، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك13، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر14 طويل الزندين، رحب الراحة15، شئن الكفين والقدمين16، سائل الأطراف، أو قال: شائل الأطراف17.

1 أي: عظيم اللحية صلى الله عليه وسلم.

2 أي: غير مرتفع الخدين، وهو أكمل وأجمل.

3 أي: عظيم الفم، وليس بضيق الفم، فإن سعة الفم تعطي فصاحة في الكلام، وبيانا لمخارج الألفاظ، ولا شك أن جميع ذلك على تناسب كامل بين أعضاء جسمه الشريف كلها صلى الله عليه وسلم.

4 يعني: أن أسنانه الشريفة صلى الله عليه وسلم منتظمة ومنفرجة، وليست متراصة ومتضايقة فوق بعضها.

5 المسربة: هي الشعر بين الصدر والسرة، والمعنى: أن تلك المسربة دقيقة.

6 الجيد: هو العنق، والمراد: كأن عنقه صلى الله عليه وسلم في استوائه واعتداله وحسن هيئته وجماله، كأنه عنق صورة، ولكن من حيث اللون هو في صفاء الفضة وبياضها البهيج اللامع.

7 يعني: أن جميع أعضاء جسمه الشريفة صلى الله عليه وسلم خلقها الله تعالى كاملة متناسقة مع بعضها غير متنافرة.

8 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم ممتلئ الجسم، ليس بالنحيل ولا بالهزيل، وأن أعضاءه الشريفة متماسكة بقواها، وليست متراخية.

9 والمعنى: أنه بطنه وصدره الشريفين مستويان، لا ينتأ أحدهما عن الآخر.

10 الكراديس: جمع كردوس، وهو رأس العظام ومجمعها، كالركبة والمنكب ونحوهما، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان عظيم رءوس العظام ومجامعها وقويها، ويدل ذلك على كمال قواه صلى الله عليه وسلم.

11 يعني: أنه صلى الله عليه وسلم أنور العضو لا متجرد عن الثوب وشديد بياضه.

12 اللبة: هي البقرة فوق الصدر، والسرة ما بقي بعد القطع، وأما الذي يقطع عند الولادة فهو السر.

13 أي: خالي الثديين والبطن من الشعر.

14 أي: كثير شعر هذه المواضع الثلاثة.

15 أي: واسع الكف.

16 أي: ضخم الكفين والقدمين، كما جاء في رواية، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم ممتلئ الكفين والقدمين، وليس بالضعيف النحيل.

17 الشك من الراوي، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان مرتفع الأطراف بلا احدداب ولا انقباض.

ص: 289

خمصان الأخمصين1، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء2، إذ زال قلعا3.

يخطو تكفيا4، ويمشي هونا5، ذريع المشية6، إذا مشى كأنما ينحط من صبب7، وإذا التفت التفت جميعا8.

خافض الطرف9، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء10، جل نظره الملاحظة11.

يسوق أصحابه12، ويبدر من لقي بالسلام13.

1 تثنية أخمص، وأخمص القدم هو الموضع الذي لا يمس الأرض عند وطئها من وسط القدم، ومعنى خمصان الأخمصين: أنه صلى الله عليه وسلم شديد تجافي الأخمصين عن الأرض، لكن على وجه لا يخرجه عن حد الاعتدال والجمال.

2 أي: أملس القدمين ومستويهما بلا تكسر؛ ولذلك ينبو عنهما الماء: أي يتباعد عنهما الماء، يعني: أنه صلى الله عليه وسلم إذا صب عليهما الماء مر سريعا؛ لأنهما مستويتان.

3 يعني: أنه صلى الله عليه وسلم إذا مشى رفع رجليه بقوة، كأنه يقلع شيئا، ولا يجرهما على الأرض، لا يمشي مشية المختال الذي يقارب خطاه تبخترا.

4 يمشي مائلا إلى سنن المشي، وهو ما بين يديه.

5 الهون: الرفق واللين، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان يمشي يرفع رجليه عن الأرض بقوة، كما دل عليه قول ابن أبي هالة: إذا زال زال قلعا، وإذا وضعهما على الأرض وضعهما برفق وتؤدة، وهذا معنى: يمشي هونا، فهو يشير إلى كيفية وضع رجليه على الأرض، وأنه صلى الله عليه وسلم يمشي بسكينة ووقار، وحلم وأناة، دون أن يضرب برجله الأرض، أو أن يخفق بنعله، وقد أثنى الله تعالى على الذين يمشون هذه المشية، ويسلكون هذه الخطة، فقال:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} .

6 أي: واسع الخطوة خلقة بلا تكلف.

7 أي: كأنما ينزل في موضع منحدر.

8 أي: لا يسارق النظر، ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة، كما يفعل ذلك الطائش الخفيف.

9 المراد بالطرف هنا: العين، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم إذا لم ينظر إلى شيء يخفض بصره، وهذا شأن المتأمل المفكر.

10 والمعنى: أن نظره صلى الله عليه وسلم إلى الأرض حال السكوت وعدم التحدث أطول من نظره إلى السماء، وأما في حال التحدث فإنه يكثر النظر إلى السماء، وكما ورد في سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء.

11 قال العلامة المناوي في شرحه: والمراد أن أكثر نظره صلى الله عليه وسلم في غير أوان الخطاب الملاحظة، والملاحظة: هي النظر بلحاظ العين، وهو شق العين مما يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف فالموق والماق.

12 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم يقدم أصحابه بين يديه ويمشي خلفهم ليرعاهم ويختبر حالهم، ويعين ضعفاءهم، وليترك ظهره للملائكة خلفه، كما روى الدارمي بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:"خلو ظهري للملائكة"، وأحرج الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمشون أمامه ويدعون ظهره للملائكة كذا في جمع الوسائل.

قال الإمام النووي: وإنما تقدمهم -أي تقدم أصحابه في قصة جابر يوم الخندق- لأنه صلى الله عليه وسلم دعاهم إليه، فجاءوا تبعا له، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم.

13 وفي رواية: ويبدأ، والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم يبادره ويسبق من لقيه من أمته بتسليم التحية.

ص: 290

3-

عظمة الْخُلُق:

كما اتصف صلى الله عليه وسلم بجمال الخِلْقَة اتصف بعظمة الخُلُق، يصفه أنس بن مالك رضي الله عنه فيقول: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط!! ولا: لِمَ صنعت كذا؟ ولا: ألا صنعت كذا1.

وهذه الخدمة والملازمة من أنس للنبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في الحضر وحده، أو في السفر وحده، وإنما كانت -كما يقول أنس- في الحضر والسفر2.

ولم يكن هذا الخلق الحسن قصرا على خدمه، وإنما كان هذا ديدنه مع كل من كان يأتي إليه، ويتعامل معه، فكان مثالا للصبر والحلم والرفق وتعليم الجاهل، وهذه نماذج منها:

عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!! 3

وجاء أعرابي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في المسجد، فقام يبول في المسجد، فزجره الصحابة "مه مه" فنهاهم عن ذلك، وقال:"لا تزرموه، دعوه" فتركوه حتى بال.

ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:"إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم دعا بدلو من ماء فشنه عليه4.

1 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن الخلق والسخاء ج15 ص69.

2 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ج15 ص70.

3 صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ج5 ص234.

4 صحيح مسلم - كتاب الطهارة - باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ج3 ص190، ومه: اسم فعل بمعنى انته، لا تزرموه: أي لا تقطعوه، وشنه: أي صبه.

ص: 291

وجاء في إحدى روايات البخاري في آخرها: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"1.

وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من طريق حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك.

فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك؟

قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله2.

وهذا الصبر والرفق يزينه التواضع في خلقه، والمزاح -أحيانا- مع أصحابه، فالأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت3، والقاصد إليه في بيته لا يجد على بابه بوابين4.

أما مزاحه صلى الله عليه وسلم، فكان تسرية لأصحابه عند همومهم أحيانا، ومداعبة لأطفالهم أحيانا أخرى، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة في هذا المزاح، ونذكر -كمثال على ذلك- موقفه مع علي رضي الله عنه حينما غاضب زوجته فاطمة رضي الله عنها، فخرج علي رضي الله عنه فاضطجع إلى جدار المسجد، فتبعه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن ظهره، ويقول:"اجلس يا أبا تراب"5.

ويقول أنس رضي الله عنه: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ صغير

1 صحيح البخاري - كتاب الوضوء - باب صب الماء على البول في المسجد ج1 ص164.

2 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم ج15 ص70، 71.

3 صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الكبر ج9 ص243.

4 صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب.

5 البخاري - كتاب الأدب - باب التكني بأبي تراب، وإن كانت له كنية أخرى ج10 ص38.

ص: 292

لي إذا رآه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! "1.

وإلى جانب صفاته في الرفق والتواضع والمزاح، فهو موصوف بالشجاعة في السلم والحرب، وشجاعته صلى الله عليه وسلم في الحرب معروفة، أما في السلم فنذكر منها قصة الفزع الذي أصاب أهل المدينة ذات ليلة، فخرجوا نحو الصوت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه، وتلقاهم راجعا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يهدئ ثائرتهم ويقول:"لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء"2.

وكان من خلقه صلى الله عليه وسلم حسن التعامل، وحسن القضاء، فقد استقرض من رجل سنا من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال:"أعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها، فقال:"أعطوه"، حتى قال الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"إن خياركم أحسنكم قضاء"3.

وفي رواية: إن ذلك لرجل أغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم القول، فهَمَّ به أصحابه فقال لهم:"إن لصحاب الحق مقالا"، ثم قال لهم:"اشتروا له سنا، فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه، قال:"اشتروه وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء"4.

ومن صفاته: الجود والكرم، فهو أجود الناس5، وما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا6؛ ولهذا غضب الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكسوه البردة التي أهدتها إليه امرأة

1 صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب الانبساط إلى الناس - وباب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل ج10 ص9، والنغير: تصغير نغر، وهو طائر صغير كالعصفور.

2 صحيح البخاري - كتاب الجهاد والسير - باب الحمائل وتعليق السيف بالعنق ج5 ص99.

3 صحيح البخاري - كتاب الوكالة - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة ج4 ص140.

4 صحيح البخاري - كتاب الاستقراض - باب لصاحب الحق مقال ج4 ص200.

5 صحيح البخاري - كتاب الوحي - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ج1 ص11.

6 صحيح البخاري ج4 ص29.

ص: 293

وكانت قد نسجتها بيدها، وكان صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها، ومع ذلك طواها وأرسل بها إليه، فقال له الصحابة: ما أحسنت، سألتها إياه، وقد علمت أنه لا يرد سائلا1.

وهذا الجود والكرم منه صلى الله عليه وسلم كان سببا في دخول أقوام في دين الله، ومن ذلك قصته مع الرجل الذي جاءه يسأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر2.

ولهذا قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! 3

بل لقد كان هذا الجود منه صلى الله عليه وسلم مثار عجب، وسبب مودة، حتى لأعدائه، يقول صفوان بن أمية بعد أن أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مائة من النعم، ثم مائة من غنائم حنين: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليَّ!! 4

ولفرط جوده صلى الله عليه وسلم ومعرفة الناس به علقت الأعراب -منصرفة من حنين- يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف وقال:"أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا"5.

وقال عمر رضي الله عنه: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال:"إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، فلست بباخل"6.

1 صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ذكر النساء ج4 ص29.

2 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب في سخائه صلى الله عليه وسلم ج15 ص72.

3 صحيح مسلم - كتاب الفضائل ج15 ص72.

4 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب سخائه صلى الله عليه وسلم ج15 ص73.

5 صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ما كان يعطي المؤلفة ج5 ص234.

6 صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة ج7 ص146.

ص: 294

ولم يقتصر ذلك الجود على المؤلفة قلوبهم، ومن يطمع في إسلامهم، بل شمل جوده وكرمه صحابته المؤمنين، فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان على بكر صعب لأبيه "عمر"، كان هذا البكر يغلب عبد الله، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:"بعنيه"، فقال: هو لك يا رسول الله "أي هبة"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بعنيه"، فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:"هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت"!! 1.

وجابر بن عبد الله رضي الله عنه يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ومعه جمل ثقال قد أعيا به، وخلفه في أخريات القوم، حتى زجره النبي صلى الله عليه وسلم، فأسرع به، فطلب منه بيعه عليه فقال: هو لك يا رسول الله، قال:"بعنيه" فاشتراه منه، وقال:"لك ظهره إلى المدينة"، فلما قدم المدينة أوصى بلالا أن يقضيه، ويزيد له عن ثمنه، ثم رد عليه جمله والثمن!! 2.

وفوق ما تقدم من كريم خلقه صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح3.

ولم يكن صلى الله عليه وسلم سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا4، وهو القائل لعائشة رضي الله عنها:"يا عائشة، متى عهدتيني فحاشا؟! "5.

وهو الموصوف بالتوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنا إرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل،

1 صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ج4 ص41، 42.

2 صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب شراء الدواب والحمير ج4 ص32، 33.

3 صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب كراهة السخب في السوق ج4 ص46.

4 صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ج9 ص228.

5 صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب لم يكن فاحشا ج9 ص228.

ص: 295

ليس بفظ ولا غليظ

"1.

وكان الصدق في الحديث خلقا من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، عرفه بذلك العدو والصديق، فأمية بن خلف حينما قال له سعد بن معاذ: سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك.

قال: إياي؟

قال: نعم.

قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث.

وكذا زوجة أمية لما أعلمها بالخبر قالت: فوالله ما يكذب محمد!! 2.

وأبو سفيان لما سأله هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه قائلا: لا، وعندها رد هرقل، لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله3.

ومشركو قريش كانوا يعرفون هذا الخلق للنبي صلى الله عليه وسلم، فحينما صَعِدَ الصفا، واجتمع إليه الملأ من بطون قريش قال لهم:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا4. وفي رواية: قالوا: ما جربنا عليك كذبا5.

ولم يكن من خلقه صلى الله عليه وسلم الغدر والخيانة، بل كان من خلقه الأمانة والوفاء بالعهد، وهذه أيضا اعترف بها أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم أمام هرقل6.

1 صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب السخب في السوق ج4 ص46.

2 صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام ج6 ص66.

3 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص11.

4 صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ج7 ص360.

5 صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب تبت يدا ج8 ص93.

6 صحيح البخاري - باب بدء الوحي ج1 ص11.

ص: 296

والتزام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق جعله يرد أبا بصير وأبا جندل عام الحديبية -مع كرهه والمسلمين لذلك- لأنه عاهد قريشا على رد مَن يأتي إليه منهم1.

4-

حلاوة المنطق:

تميز صلى الله عليه وسلم بحسن اللفظ، وجمال المنطق، وحلاوة الحديث، يقول أبو هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان2، دائم الفكر، ليست له راحة3، طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة4، يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى5، ويتكلم بجوامع الكلم6، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير7، ليس بالجافي ولا المهين8، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه9، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعدي الحق10 لم يقم

1 صحيح البخاري - كتاب الصلح - باب الصلح مع المشركين ج4 ص401.

2 لم يكن حزنه صلى الله عليه وسلم من أجل أمور الدنيا، وإنما كانت تتوارد الأحزان لأسباب متعددة، ترجع إلى دين الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى؛ ولذا كانت الآيات تنزل في تسليته صلى الله عليه وسلم وتخفيف شدة الأسى عنه.

3 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم التفكر في أمور الأمة ولا يصلح شئونهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، ومن ثَمَّ ليست له راحة.

4 يعني: أنه صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، لا يتكلم إلا في حاجة دينية أو دنيوية، فيتحرز عن الكلام الذي لا فائدة منه؛ لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} .

5 والمعنى: أن كلامه صلى الله عليه وسلم كان محفوا بذكر الله تعالى بدءا وانتهاء.

6 أي: بكلمات قليلة الحروف، جامعة لمعانٍ كثيرة.

7 يعني: أن كلامه صلى الله عليه وسلم فاصل بين الحق والباطل، ومفصل لا يتداخل في بعضه، بحيث يتلقاه السامع بوضوح دون التباس، لا يكثر فيمل، ولا يقصر فيخل.

8 أي: ليس هو صلى الله عليه وسلم بالجافي الغليظ الطبع، السيئ الخلق، ولا بالمهين لخلق الله تعالى، ولا بالمهين: أي المبتذل الذليل، بل هو الفخم، المفخم، الموقر، المعظم صلى الله عليه وسلم.

9 فهو صلى الله عليه وسلم يعظم نعم الله تعالى الكبيرة والصغيرة، الظاهرة والباطنة، ولا يذم منها شيئا، كما وأنه صلى الله عليه وسلم لا يذم ذواقا -أي مذوقا- من المأكولات أو المشروبات التي أباحها الله تعالى؛ لأن في الذم كفران النعمة، وهو شأن المترفين المتكبرين، كما وأنه صلى الله عليه وسلم لا يمدح ذواقا؛ لأن ذلك شأن ذوي الشره والنهمة المذمومة.

10 أي: فإذا تعدى أحد الحق وجاوزه إلى الباطل غضب صلى الله عليه وسلم غضبا لا يقاومه شيء، ولا يدفع غضبه شيء حتى ينتصر للحق بالحق.

ص: 297

لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها1، وإذ تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بظن إبهامه اليسرى2.

وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه3، جل ضحكه التبسم يفتر عن مثل حب الغمام4.

5-

كمال العقل: لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم سن الأربعين تميز بكمال العقل، وحسن تقدير الأمور، واتخاذ القرار السديد، ولعل فيما حباه الله به من عمل وترحال، وأحداث وأحمال، أثرا في تكامل عقله صلى الله عليه وسلم.

ومما يدل على هذا الكمال قراره يوم بناء الكعبة؛ إذ حكم بين الذين اختلفوا فيمن يرفع الحجر الأسود ويضعه في موضعه حُكْما أرضاهم جميعا مع بساطته ويسره.

ومع رجاحة عقله صلى الله عليه وسلم أنه تمكن من التعامل مع كافة طبقات الناس، وأنواعهم، وأجناسهم، في البيئات المختلفة، فأقروا له جميعا بكمال عقله، وسمو خلقه.

1 والمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أشار إلى شيء: إنسان أو غيره، أشار بكفه كلها، ولا يقتصر على الإشارة ببعض الأصابع؛ لأنه شأن المتكبرين والمحتقرين لغيرهم، وإذا تعجب صلى الله عليه وسلم من أمر قلب كفه، كما هو شأن كل متعجب.

2 يعني: أنه صلى الله عليه وسلم إذا تحدث اتصل بحديثه بكفه اليمنى، وذلك لتأكيد الكلام وتقويته في النفوس، وزيادة إيضاحه بإشارات الكف، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى؛ اعتناء بذلك الحديث، ودفعا لما يعرض لنفس السامع مع الفتور أو الغفلة عن الحديث.

3 أي: إذا غضب من أحد أعرض عنه، فلا يقابله بما يقتضيه الغضب؛ امتثالا لقوله تعالى:{وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} . وأشاح: أي بالغ في الإعراض وعدل عنه بوجهه صلى الله عليه وسلم، وإذا فرح صلى الله عليه وسلم من شيء غض طرفه، ولا ينظر إليه نظر شره وحرص.

4 أي: معظم ضحكه صلى الله عليه وسلم إنما هو التبسم، ويفتر: أي يضحك ضحكا حسنا كاشفا عن سن مثل حب الغمام في البياض والصفاء، وحب الغمام هو البَرَد -بفتحتين- الذي يشبه اللؤلؤ، فكان صلى الله عليه وسلم إذا تبسم بدت أسنانه الشريفة كاللؤلؤ اللامع.

ص: 298

وكان صلى الله عليه وسلم صاحب دين ومبدأ، لم يفعل شيئا نهى الله عنه فيما بعد أبدا، ولم يترك شيئا أمر به.

ولو تأملنا سائر أعماله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها، نرى كل واحدة منها تشهد بكمال العقل، وحسن التقدير.

وباتصاف محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات التي أكرمه الله بها، صار مؤهلا ليكون رسولا للناس أجمعين..

ص: 299