الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا..
وهكذا..
جعلت هذه الحقيقة تملأ على الناس حياتهم، وتواجههم في كل درب، وتتراءى لهم في كل صوب، وتأخذ على أنفسهم أقطارها، وتعايشهم، وتساكنهم بالليل والنهار، وبالغدو والأسحار، وحين يستغشون ثيابهم، وحين تهجس سرائرهم، وحين يستخفون من الناس، بل حين يستخفون من نفوسهم التي بين جنوبهم1، حتى خرجت منهم أناس يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتيقنون بأن الدار الآخرة هي الحياة الصحيحة، ويعيشون العبادة والعبودية في خواطر النفس، وهمسات الروح، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
ولا عجب بعد أن كانوا هكذا، فلقد تتلمذوا في مدرسة النبوة، وتكونوا بمنهج الله، وكانوا الجماعة الإسلامية الأولى.
1 مقومات التصور الإسلامي ص190، 191.
ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي
1:
قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتوجيه الدعوة إلى الناس بصورة فردية، فلقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم دعا السابقين إلى الإسلام كلا على حدة، وأحيانا كانت الدعوة تبدأ بسؤال موجه من الصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحيانا آمن البعض اقتناعا بما كان يسمع ويرى.
وخديجة رضي الله عنها أول من دخلت في الإسلام، آمنت بالرسالة قبل أن يطلب الرسول صلى الله عليه وسلم منها أن تؤمن؛ لأنها كانت تبشر بالرسالة، وتنتظرها،
1 يسمى علماء الإعلام الاتصال الفردي بالاتصال الشخصي ويذكرون أنه الاتصال المباشر الذي يتم مواجهة بين فردين أو بين فرد وجماعة صغيرة بين أعضائها علاقة ما.
وهو يتم عادة بطريقة تلقائية كالتحية والرد عليها، وإجابة سؤال، والتحادث حول أمر ما.
ونمط هذا الاتصال المواجهة، والاحتكاك المباشر، ورد الفعل فيه يكون واضحا.
ويتميز هذا النوع بأنه يتم في اتجاهين بصورة مباشرة مما يؤدي إلى فهم كل طرف للآخر، وهذا يساعد على الفهم، وسرعة القضاء على المعوقات التي تظهر أثناء العملية.
فلما جاء جبريل بالوحي صدقت بما كانت تتوقعه، وأخذت تعبد الله كما يتعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فلما تعلم الرسول الوضوء والصلاة وعاد لخديجة، توضأت كوضوئه، وصلت بصلاته، فلما رآهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصليان سألهما علي: ما هذا؟
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى".
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب.
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له:"يا علي، إذ لم تسلم فاكتم"، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره1.
وكان سن علي رضي الله عنه يوم أسلم عشر سنوات، كان من فضل الله على عليٍّ رضي الله عنه في إسلامه أن جعله سبحانه وتعالى ينشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه سلم قبل الإسلام، يكفله صلى الله عليه وسلم ويربيه كأنه ابنه.
وأسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ يحفظ القرآن معه.
وأراد الله بأبي بكر خيرا، فسمع عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فجاء إليه مسرعا يسأله قائلا: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟
1 حياة الصحابة ج1 ص48.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق1.
وهكذا أسلم أبو بكر وعلي وزيد رضي الله عنهم، وهم أول من دخل في الإسلام بعد خديجة، والعلماء مختلفون في أسبق الثلاثة إلى الإسلام، فمنهم من قال: أولهم أبو بكر، ومنهم من قال: أولهم علي، ومنهم من قال: أولهم زيد بن حارثة.
والأولى بالصحة أن أولهم علي بن أبي طالب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما"2.
يجمع أبو حنيفة الآراء المذكورة، ويؤكد صحتها جميعا، ويرى أن أول من أسلم من النساء خديجة، وأول من آمن من العبيد الأرقاء زيد بن حارثة، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب، وأول من آمن من الرجال الأحرار الكبار أبو بكر رضي الله عنهم جميعا3.
ويروي ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أن أبا بكر لم يكن أول المسلمين إسلاما، بل أفضلهم، وأكثرهم فائدة للدعوة إلى الإسلام4.
وعلى الجملة، فإن إسلام هؤلاء السابقين إلى الإسلام تم بالدعوة الفردية..
1 المرجع السابق ج1 ص46.
2 بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج9 ص123.
3 البداية والنهاية ج3 ص29.
4 المرجع السابق ج3 ص31.