الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم
مدخل
…
المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة "جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم"
لم تبقَ الدعوة سرا مجهولا على أهل مكة، فلقد علموا كثيرا عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته لدين جديد، ولم يتحركوا لذلك، ولم يكترثوا به؛ لأن معلوماتهم عن الإسلام كانت عامة وبسيطة، جعلت الدعوة في نظرهم أقل خطورة على معتقداتهم من الحنفاء الذين يجاهرون ببطلان عبادة الأصنام والأوثان.
ومما يدل على علمهم بالدعوة أن أحد تجار مكة جاء إلي أبي طالب فرأى محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي، وخلفه علي وخديجة، وعلم أنهم بذلك يعبدون الله الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم.
وسبق ذكرم علم أبي طالب بإيمان علي بالإسلام، ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ليسلم. ومع اتساع موجة المعرفة بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم بقي أهل مكة على إهمالهم شأن محمد ومن معه فسكتوا عن دعوته، ولم يتصوروا خطورة على أديانهم وأوضاعهم.
وكان صمت أهل مكة عن المسلمين في هذه الفترة فضلا من الله؛ حيث تكونت النواة الصلبة التي يقوم عليها البناء، ونشأ جيل القمة الذي حمل مسئولية الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، ويكفي أن نعرف أن تسعة من هؤلاء، هم المبشرون بالجنة، وعاشرهم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ منهم أهل الشورى الستة، ومات صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.
بعد هذا مراحل الجهر بالدعوة التي تعددت تبعا لاعتبارات مختلفة..
وقد رأيت بعض العلماء يعدها ثلاثا باعتبار نوعية المدعوين، فهناك الجهر للأقربين، وهناك جهر لأهل مكة، وهناك جهر ثالث للناس أجمعين1.. لكن هذا
1 انظر: الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص304-335.
التقسيم لم يلاحظ تداخل صور الجهر بالدعوة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يجهر بالدعوة كان يدعو أقرباءه الأدنين وأهل مكة، وكلهم أقرباؤه.. وأيضا كان يدعو من يأتي مكة من خارجها.. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلن من أول الدعوة أنها للناس أجمعين.
وهناك من يقسم المرحلة الجهرية إلى مرحلتين باعتبار الشخص الذي جهر بالدعوة، ويرى هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جهر بالدعوة للناس في المرحلة الأولى.. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه هما اللذان جهرا بالدعوة بعد المرحلة الأولى بعامين1، وكان جهرهما بداية المرحلة الجهرية الثانية.
وأرى أن هذا التقسيم أكثر صوابا من التقسيم الأول؛ ولذلك سأتناول المرحلة الأولى هنا على أساس هذا التقسيم.
ويلاحظ هنا أن مراحل الدعوة تقسيم منهجي لتسهيل المعرفة بالسيرة النبوية؛ لأن المراحل كانت تتداخل أحيانا، ففي المرحلة السرية جهر أبو بكر بالدعوة، ومع جهر الرسول صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يباشرون الدعوة أيضا.
وتعد المرحلة الجهرية الأولى وسطا بين المرحلة السرية ومرحلة الجهر العام؛ لأن المرحلة الجهرية الأولى قام بالجهر خلالها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المحافظة على سرية أماكن التجمع والحركة للمسلمين، الأمر الذي يجعل هذه المرحلة انتقالا من طبيعة المرحلة السرية إلى طبيعة الجهر العام.
وتبدأ مرحلة جهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة بنزول قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ} 2، وقوله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 3.
1 انظر: المنهج الحركي للسيرة ج1 ص37، 78.
2 سورة الحجر آية 94، 95.
3 سورة الشعراء آية 214، 215.
والآيات تأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة، وترك المشركين في غيهم، وعدم إثارتهم، مع التركيز على دعوة الأقربين، وتقوية العلاقة الطيبة مع المؤمنين.
وكانت هذه المرحلة جهرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقط؛ حيث أمره الله تعالى بالجهر، أما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين فقد ظلوا على صمتهم واستخفائهم؛ لأن الأمر بالجهر جاء مقترنا بالدعوة إلى الصبر والتحمل وتجنب المشركين والبعد عن كل ما يؤدي إلى التصادم معهم.
ولأن حركة الصحابة كانت سرية بقي مكان تجمعهم في دار الأرقم سرا لا يعلمه كفار مكة إلا يوم أسلم عمر بن الخطاب، وكانوا يخفون من أسلم حفاظا عليهم؛ ولذلك استمروا يؤدون مناسكهم وصلواتهم في الشعاب، ولم يتجمعوا عند الكعبة إلا بعد إسلام عمر.
رغب المسلمون مرة في إسماع القرآن الكريم أهل مكة عساهم يتأثرون ببلاغته ومعانيه، فاجتمعوا لتدبير هذا الأمر، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا.
قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه.
قال: دعوني فإن الله سيمنعني.
فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، ثم قرأ:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} رافعا بها صوته {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} .
فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟
ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.
ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك.