المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث العاشر: بدايات الوحي - السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: "العرب

- ‌المبحث الثاني: الروم:

- ‌المبحث الثالث: الفرس

- ‌المبحث الرابع: الهنود

- ‌المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام

- ‌أولا: شيوع الضلال الديني

- ‌ثانيا: هوان الإنسان

- ‌ثالثا: سهولة التواصل

- ‌رابعا: تعدد الصراع

- ‌خامسا: النضج الفكري

- ‌سادسا: انتظار رسول جديد

- ‌الفصل الثاني: السيرة النبوية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: النسب الشريف

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى: أصالة النسب

- ‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

- ‌المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب

- ‌المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها

- ‌المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد

- ‌المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد

- ‌المبحث الخامس: شق الصدر:

- ‌المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا

- ‌المبحث السابع: زواج محمد صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

- ‌المبحث الثامن: بناء الكعبة

- ‌المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية

- ‌أولا: كثرة المبشرات

- ‌ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة

- ‌ثالثا: منع الجن من الاستماع

- ‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

- ‌المبحث الحادي عشر: صور الوحي

- ‌المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة

- ‌أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام

- ‌ثانيا: صلته بأعمامه

- ‌ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة

- ‌المبحث الثالث عشر: عام الحزن

- ‌المبحث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة

- ‌أولا: سودة بنت زمعة رضي الله عنها

- ‌ثانيا: عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

- ‌ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى

- ‌النصر الأول: إسلام عداس

- ‌النصر الثاني: إسلام الجن

- ‌النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي

- ‌النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل

- ‌النصر الخامس: الإسراء والمعراج

- ‌النصر السادس: إسلام الأنصار:

- ‌الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة

- ‌أولا: منهج الدعوة

- ‌ثانيا: المضمون الفكري للحركة

- ‌ثالثا: أسلوب الدعوة

- ‌رابعا: وسائل الدعوة

- ‌المبحث الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة خلال المرحلة السرية

- ‌مدخل

- ‌أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة:

- ‌ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي

- ‌ثالثا: تخير المدعوين:

- ‌رابعا: تجنب ضلالات القوم:

- ‌خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم

- ‌سادسا: إسلام الضعفاء فقط

- ‌سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه

- ‌ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه

- ‌تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:

- ‌المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌أولا: ظهور الجماعة المؤمنة

- ‌ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة

- ‌المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة

- ‌المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

- ‌المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

- ‌المسألة الثانية: أساليب الدعوة من خلال البلاغة القرآنية

- ‌المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع

- ‌المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية إيمان المعذبين

- ‌ثانيا: تحرير الأرقاء:

- ‌ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة

- ‌رابعا: انتهاء المقاطعة

- ‌المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة

- ‌المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية

- ‌الفصل الرابع: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المكية

- ‌تمهيد:

- ‌الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين

- ‌الركيزة الثانية: دور الداعية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية صلته بالله

- ‌ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس

- ‌الركيزة الثالثة: صفات الدعاة

- ‌مدخل

- ‌أولا: صفات التكامل الذاتي

- ‌ثانيا: صفات الترابط والمودة

- ‌ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:

- ‌الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع

- ‌الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة

- ‌الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

وبلغ محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين، وكمل في ذاته، وأصبح مستعدا لتكميل الآخرين، وهنا جاءه وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين1. يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:"أنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة"2.

لقد حاول محمد صلى الله عليه وسلم الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد.

إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى ساذج وبسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عنه الأسرار والغايات.

والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولا بد له من وحي الله يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها.

ومحمد صلى الله عليه وسلم مع صفاء نفسه، وكمال عقله، وسمو روحه، يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.

كما يجتاج لرحمة الله مراعاة لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى.

1 شروح النووي على صحيح مسلم ج15 ص99.

2 صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ج6 ص26.

ص: 309

ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه، والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.

وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم بصورة رقيقة، شفيقة عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ليكون نبيا ورسولا.

وكانت رحمة الله مع محمد صلى الله عليه وسلم حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر صلى الله عليه وسلم الوحي، ورأى صوره، وأنواعه، وأصبح متآلفا مع لقائه جاءته الرسالة، فصار رسولا نبيا.

والنبوة أخص من الرسالة؛ لأن النبوة تعني نزول الوحي من عند الله، إلى من يختاره الله تعالى من الناس؛ ليعلم ويعمل بما أوحي به، وهي تعليم لمن تنبأ خاصة، أما الرسالة فإنها الوحي يأتي للشخص المختار على أن يعلمه ويقوم بتبليغه للناس ويعمل به، فهو رسول الله إليهم.

وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس بلازم أن يكون النبي رسولا..

ولقد نبئ محمد صلى الله عليه وسلم وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تعد تمهيدا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة، والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لا بد منها للرسول المختار.

إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له من أن يتصف بصفات ذاتية ترتقي به إلى درجة الكمال البشري والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه البشري في توازن وانسجام.

وقد بدأت نبوة محمد بأوليات الوحي كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلا لها، مستعدا للقيام بواجبها1.

1 انظر: أعلام النبوة للماوردي ص175-180، ويرى الماوردي أن الوحي تدرج مع رسول الله منزلة بعد أخرى، فبدأ بالرؤيا ثم بالنداءات، ثم بالنبوة، ثم بالرسالة

إلخ.

ص: 310

لقد كان صلى الله عليه وسلم في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره؛ ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيا، ويقول لها:"خشيت على نفسي"، ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول:"سطا عليَّ الرجل"، وكان يجري منه محاولا الهرب من أمامه، أما في مرحلة الرسالة فكان يأنس بالوحي، ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه..

ولقد اختلف الوحي مع محمد صلى الله عليه وسلم في فترة النبوة عن الوحي في فترة الرسالة، يقول القاضي عياض: وإنما بدأ الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا؛ لئلا يفجأة الملَك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا، وما جاء من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى يستشرف عظيم ما يراد به، ويستعد لما ينتظره، فلم يأته الملَك إلا بأمر عنده مقدماته1.

يقول ابن كثير: وبدء الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب، ويطمئن النفس..

ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:

1-

الرؤيا الصادقة:

إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى تتضمن أفكارا وأحداثا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة؛ ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.

إن علماء النفس المعاصرين يزرعون في الإنسان مبادئهم الضارة، وقيمهم المادية، وهو نائم، وذلك بوضع تسجيل صوتي تحت رأسه وهو نائم تحببه فيما يرغبون، وتتحدث عن مزايا ما يدعون إليه، فإذا ما استيقظ الإنسان يجد عقله مشغولا بما سمعته روحه أثناء نومه، من غير إدراك سبب هذا الانشغال.

1 الشفا ج1 ص360 بتصرف.

ص: 311

إن هذه المقدمة بيان لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.

ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن بدأه الوحي بالرؤيا الصادقة، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:"أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"1.

وبذلك كان الوحي يُعْلِمُ رسول الله وهو نائم بما يريده الله تعالى في رؤى صادقة، صالحة، خالية من الضغث والوهم، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.

جاء في فتح الباري أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه صلى الله عليه وسلم أوحي إليه أولا في المنام حتى أتاه الملَك بعد ذلك في اليقظة على الصورة التي أتاه بها في المنام2، وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يندهش لذلك.. ومنها3:

- رأى أن آتٍ أتاه، ومعه صاحبان له، فنظروا إليه فقالوا: هو، هو، ثم ذهبوا.. فهاله ذلك، وتساءل عما رأى، وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي، ليس بشيء.

- وأتاه هذا الآتي مرة أخرى، فجاء لعمه، وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى أني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة، فحدثه حديثه، وقال: عالجه، فصوب به، وصعد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه، وقال: يابن عبد مناف، ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرائي شيطانا، ولكنه من النواميس الذين يتحسسون بها القلوب للنبوة، فرجع به.

1 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص5.

2 فتح الباري - كتاب الوحي ج1 ص22.

3 انظر: سبل الهدى والرشاد ج2 ص310-312.

ص: 312

- رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة، وأدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه، والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بردها، فأخرج قلبه، فوضعه على كفه، وقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح، فطهر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب مكانه، ورد الضلعين، ثم ارتفعا، ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، هذا خير فأبشر.

- ورأى في منامه جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له: اقرأ.

فقال له: "ما أقرأ؟ ".

فغته به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ.

قال صلى الله عليه وسلم: "ما أقرأ؟ ".

فغته به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت، ثم أرسله فقال له: اقرأ.

قال صلى الله عليه وسلم: "ماذا أقرأ؟ "، قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع.

قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتهى فانصرف جبريل، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه، قال:"فكأنما كتب في قلبي كتابا"، فذكر ذلك لخديجة فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا.

وهكذا

تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته، وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملَك على صورته الحقيقة، فيصاب بالخوف والاضطراب.

ص: 313

2-

نداءات الملائكة:

من صور الوحي الذي بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادِي، ولا يمكنه تحديد مصدر النداء..

من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر".

قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.

فلما دخل أبو بكر، قالت له خديجة، يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة1.

فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة.

قال: ومن أخبرك؟

قال: خديجة.

فانطلقا إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له:"إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض".

فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني.

فلما خلا ناداه: يا محمد، قل:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى بلغ {وَلا الضَّالِّينَ} قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة، فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل2.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى

1 ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة رضي الله عنها، آمن بمحمد يوم أن جاءه يسأله، فلما توفي قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنه:"لقد رأيت القس في الجنة على ثياب بيض؛ لأنه آمن بي، وصدقني"، ويقول صلى الله عليه وسلم:"لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين". "سيرة ابن كثير ج1 ص398".

2 البداية والنهاية ج3 ص9.

ص: 314

السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعا إلى أهلي.

حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، فبلغوا مكة، ورجعوا إلي!!

ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت".

فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة.

وفي مرة ثالية قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره، وانصرف يصنع كما كان يصنع؛ حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة، قال له: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت.

فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتوذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يا فوخه.

ويقول صلى الله عليه وسلم لخديجة: "لما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، فنظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردا"1.

1 صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب سورة المدثر ج8 ص62، البداية والنهاية ج3 ص12، 13.

ص: 315

إن نداءات الملائكة لرسول الله، وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع؛ ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى.

وكانت خديجة رضي الله عنها خير معين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تسمع منه وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، وتخبر زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يسري عنه ويطمئنه.

وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه، وتطمئنه رضي الله عنها، قالت له مرة: يابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟

قال: "نعم".

قالت: فإذا جاءك فأخبرني به.

فجاء جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني".

فقالت: قم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟

قال: "نعم".

قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟

قال: "نعم".

فحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟

قال: "لا".

قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك، ما هذا شيطان1.

3-

كلام الشجر والحجر:

يروي ابن سعد بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون

1 سبل الهدى والرشاد ج2 ص314، البداية والنهاية ج3 ص15، 16.

ص: 316

الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى أحدا1.

روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أعرف حجرا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن"2.

وقال محمد بن عمر بسنده عن برة بنت تجراة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله تعالى كرامته، وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر، وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله3.

وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا خديجة، إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا"، فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله؛ إنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم4.

4-

لقاء الملائكة:

من رحمة الله برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن أخذ يهيئه للقاء ملَك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه، تعلمه كلمة، أو شيئا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل عليه السلام.

1 طبقات ابن سعد 1/ 157.

2 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب تسليم الحجر عليه ج15 ص26.

3 طبقات ابن سعد ج1 ص157.

4 المرجع السابق ج1 ص195.

ص: 317

يروي ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه "إسرافيل" واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيء من القرآن على لسانه1، يقول أبو شامة: إن "إسرافيل" كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيم معه، تدرجا وتمرينا..

وأحيانا كان يأتيه جبريل بصحبة ملك آخر، يقول ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أأمر الله القيامة أن تقوم؟ ".

فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك، حتى يسمع كلامك.

فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا؟ فأوما إليه جبريل: أن تواضع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل نبيا عبدا" ثلاثا2.

ويقول البراء بن عازب رضي الله عنه: أتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟

قال: هو هو.

قال: فزنه برجل، فوزنه به فرجحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: زنه بعشرة، فوزنه فرجحهم.

قال: زنه بمائة، فوزنه فرجحهم.

قال: زنه بألف، فوزنه فرجحهم.

1 طبقات ابن سعد ج1 ص191.

2 سبل الهدى والرشاد ج2 ص310.

ص: 318

ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان.

فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشقه، فأخرج منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم1.

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس، وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد، هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته2.

5-

مجيء جبريل بالقرآن:

استمر الوحي بالمقدمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو المبين، وأدرك محمد صلى الله عليه وسلم أن أمرا عظيما ينتظره، وسمع من زوجته، ومن ورقة، ومن غيرهما: أن الذي يراه ويسمعه هو الوحي الذي كان يأتي موسى وعيسى والأنبياء من قبله عليهم صلوات الله وسلامه.

وشيئا فشيئا بدأ يطمئن لما يرى، ويثق فيما يسمع حتى جاءه جبريل عليه السلام بأول آية قرآنية أمره الله تعالى أن يقرئه بها، تصور السيدة عائشة رضي الله عنها نزول جبريل بأول آية قرآنية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول رضي الله عنها: جاءه الملَك "أي جبريل" وهو في غار حراء، فقال: اقرأ.

قال: "ما أنا بقارئ".

1 انظر ص190 وما بعدها.

2 سبل الهدى والرشاد ج2 ص310.

ص: 319

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.

قلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} ".

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال:"زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.

ثم قال: "يا خديجة، ما لي؟ " وأخبرها الخبر، "لقد خشيت على نفسي".

فقالت خديجة له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة لأبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي والعبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وقد عمي في شيخوخته.

فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك.

فقال ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟

فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أومخرجي هم؟ ".

ص: 320

فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي1.

ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن الهداية التي جاءته، ومع أنه كان على يقين بالفوز العظيم بمجيء جبريل؛ ولذلك قال لخديجة:"أرأيتك الذي كنت أخبرتك أن رأيته في المنام؟ فإنه جبريل، استعلن لي، وأرسله إليَّ ربي".. ومع كل ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أصيب بالروع، وخشي على نفسه.

وهذا الخوف الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء جبريل عليه السلام جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الخوف؛ لأن المقام مقام سرو ورضى، وليس مقام رهبة وهلع.

وقد تناول العلماء هذه المسألة، ورأوا أن الخوف لم يكن من النبوة، أو من الوحي، وإنما كان من تصوره أذى يأتي من الغط الشديد، أو من ثقل المسئولية، أو لأن الحوار لم يكن عاديا.. فلقد أمر جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثلاث مرات، وغطه بشدة ثلاث مرات أيضا، والرسول يقول له:"ما أنا بقارئ"، وينتشر خبر ذلك عند خديجة، وأبي بكر، وورقة، ويتحدث عنه أهل مكة؛ ليكون حديثهم تعريفا بمحمد، وتنبيها على منزلته عند الله، والناس، فضلا من الله ونعمة.

يقول الإسماعيلي: إن العادة جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى الله تعالى بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس، وكان ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما جاءه الملَك فجأه بغته بصورة تخالف العادة والمألوف، نفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه، وينفر وطبعه منه، حتى إذا اندرج عليه، وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى خديجة التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته، مما عرفته من

1 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص5، 6، 7.

ص: 321

أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق، واعترف به، وأشار الإسماعيلي كذلك إلى أن الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم ما اتفق له في هذه القصة: أن يكون سببا في انتشار خبره، في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغى إليه، طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله1 ويعرفوا مقامه صلى الله عليه وسلم.

ومع لقاء جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم وإقرائه أول سورة العلق نلاحظ بعض الملاحظات:

الأولى: غط جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات؛ ليجعل التفاته وفكره إليه وحده، دون الانشغال بغيره، ويعرفه بثقل الرسالة، وضخامة المسئولية، ويتعود على التلقي من الوحي فقط.

وليكن صبورا حين التبليغ.

ويعلم أن تكرار الطلب منهج في نشر دين الله تعالى.

وليتأكد صلى الله عليه وسلم بتكرار الغط أن ما يحدث حقيقة واقعية ملموسة، وليست خيالا أو وهما.

لقد كان جبريل عليه السلام في أشد الاشتياق للقاء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك ضمه إليه، وقبله أكثر من مرة.

كان من الممكن أن يلقن جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم بما يلقنه شفاهة من بعد، ويمضي، لكنه فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ ليؤكد خطورة الأمر، وأهميته، وضرورة بذل الجهد، وتحمل المشاق في أداء الواجبات الخطيرة، وهل هناك أخطر من مهمة الرسالة والدعوة؟!!

وكان من الممكن أن يتم اللقاء مناما، لكن الله تعالى أراد أن يطلع رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم على صورة روحه الأمين، كما أراد له أن يعرف أهم صور

1 فتح الباري على صحيح البخاري ج12، ص360.

ص: 322

الوحي بعد أن عاش الرؤى، وسمع النداء، وشاهد الجمادات تناجيه، وعاش الخلوة بفكره، أراد الله له بعد ذلك أن يتعود على صورة الوحي التي ستستمر معه، وقد كان، فجاء جبريل وأقرأه أول سورة العلق.

الثانية: في بدء الوحي بـ"اقرأ" بيان لموقف الإسلام من القراءة، ومن العلم كله، فالقراءة أساس معرفة الدين، بها يحفظ القرآن، وتصان السنة، وتفهم الشريعة، وبها تكون الدعوة، وحماية الإسلام

وبالعلم تحيا الأمة، وتحافظ على الضرورات الشرعية جميعا، وتنظم كافة جوانب الحياة.

الثالثة: قدمت خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة للزوجة العظيمة المثالية، فلقد كانت تعيش حياة رسول الله لحظة بلحظة، تتمنى له الخير، تشاركه في كل ما يعن له، وتهتم بكل ما يهمه.

لقد أعطته مالها فأغنته صلى الله عليه وسلم به، وأبعدته عن متاعب الفقر ومشاغله، ولما بدأ الوحي مناما ونداء وضوءا كانت تطمئنه، ولكنها من ورائه كانت تبحث عن حقيقة ما يرى صلى الله عليه وسلم خوفا عليه وحذرا.

وكان رضي الله عنها إذا غاب عنها ترسل في طلبه مَن يبحث عنه1..

كما ذهبت وحدها إلى ورقة، وأخبرته بخبر زوجها، تريد أن تعرف شيئا عنه، فقال لها ورقة: قدوس، قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة2.

ولم تكتفِ بما سمعت عن ابن عمها ورقة، بل ذهبت مرة أخرى إلى غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس -نصراني من أهل نينوى- يقال له: عداس، فقالت له: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني: هل عندكم علم عن جبريل؟

قال عداس: قدوس، قدوس، ما شأن جبريل يُذكر هذه الأرض التي أهلها أهل أوثان.

1 البداية والنهاية ج3 ص13.

2 انظر ص312.

ص: 323

فقالت: أخبرني بعلمك فيه.

قال عداس: هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام1.

لقد تميزت خديجة رضي الله عنها بكمال الخِلْقَة والْخُلُق، يقول عنها صلى الله عليه وسلم:"خير نسائها خديجة بنت خويلد" 2، وقد جعلت عقلها الكامل في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وكانت رضي الله عنها خير معين لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك بشرها الله ببيت في الجنة3..

ونلحظ مدى ملاطفتها وتقديرها لزوجها في مناداته: يابن عم.. ولذلك فقد استحقت التقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم:"إني رزقت حبها"4.

فتور الوحي:

واطمأن محمد صلى الله عليه وسلم لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزا عظيما.

وحتى يستوعب كل ما رأى، وتهدأ نفسه فتر الوحي، وانقطع عنه جبريل عليه السلام، فمكث صلى الله عليه وسلم أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، وأخذ يدور بسببه بين رءوس الجبال عساه يراه ويحدثه، وحاول أن يتردى من رءوس شواهق الجبال من شدة ألمه لانقطاع جبريل عنه.

وقد شق هذا الفتور على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن خوطب بعد من الله بأنه رسول الله، ومبعوثه إلى العباد، فخاف أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لا يراد استتمامه، فحزن لذلك؛ ولذلك أتاه جبريل بعد ذلك وأخبره بأنه رسول الله.

1 البداية والنهاية ج3 ص13.

2 صحيح مسلم - كتاب فضائل خديجة ج15 ص198.

3 المصدر السابق ج15 ص201.

4 المصدر السابق ج15 ص201.

ص: 324

يقول الزهري: فكلما وافَى ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال له: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى ذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك1.

يتساءل البعض: كيف يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يفكر في إلقاء نفسه من ذروة الجبل؟

والجواب: أن ذلك كان هَمًّا، لا قرارا.

وكان يظن أن قوته عاجزة عن تحمل ما يتوقعه من أعباء النبوة.

وخوفا مما قد يحصل له صلى الله عليه وسلم حين القيام بها من مباينة الخلق جميعا وعداوتهم.

وذلك كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل، بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما سيكون من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه.

والعلماء يختلفون في تحديد مدة انقطاع الوحي، فبعضهم يذهب إلى أن الوحي انقطع مدة قاربت السنتين ونصف، وبعضهم يرى أنها كانت أياما، إلى غير ذلك من الآراء، يرى ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنوات، ويرى ابن كثير: أنها كانت سنتين ونصف، ويرى ابن عباس: أنها كانت أربعين يوما، ويذهب ابن الجوزي إلى: أنها كانت خمسة عشر يوما، ويرى مقاتل: أنها ثلاثة أيام، والرأي الأول بالاعتبار هو في تقصير مدة الانقطاع لمناسبته مقام الرسول عند ربه، ولأنه من الأمور التي إذا طالت انتشرت وعرفت واشتهرت، كما أن الانقطاع مدة طويلة يؤدي إلى ضياع كثير مما تم بناؤه في دنيا الناس، وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1 انظر ص324 وما بعدها.

ص: 325