المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام - السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: "العرب

- ‌المبحث الثاني: الروم:

- ‌المبحث الثالث: الفرس

- ‌المبحث الرابع: الهنود

- ‌المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام

- ‌أولا: شيوع الضلال الديني

- ‌ثانيا: هوان الإنسان

- ‌ثالثا: سهولة التواصل

- ‌رابعا: تعدد الصراع

- ‌خامسا: النضج الفكري

- ‌سادسا: انتظار رسول جديد

- ‌الفصل الثاني: السيرة النبوية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: النسب الشريف

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى: أصالة النسب

- ‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

- ‌المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب

- ‌المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها

- ‌المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد

- ‌المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد

- ‌المبحث الخامس: شق الصدر:

- ‌المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا

- ‌المبحث السابع: زواج محمد صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

- ‌المبحث الثامن: بناء الكعبة

- ‌المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية

- ‌أولا: كثرة المبشرات

- ‌ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة

- ‌ثالثا: منع الجن من الاستماع

- ‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

- ‌المبحث الحادي عشر: صور الوحي

- ‌المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة

- ‌أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام

- ‌ثانيا: صلته بأعمامه

- ‌ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة

- ‌المبحث الثالث عشر: عام الحزن

- ‌المبحث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة

- ‌أولا: سودة بنت زمعة رضي الله عنها

- ‌ثانيا: عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

- ‌ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى

- ‌النصر الأول: إسلام عداس

- ‌النصر الثاني: إسلام الجن

- ‌النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي

- ‌النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل

- ‌النصر الخامس: الإسراء والمعراج

- ‌النصر السادس: إسلام الأنصار:

- ‌الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة

- ‌أولا: منهج الدعوة

- ‌ثانيا: المضمون الفكري للحركة

- ‌ثالثا: أسلوب الدعوة

- ‌رابعا: وسائل الدعوة

- ‌المبحث الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة خلال المرحلة السرية

- ‌مدخل

- ‌أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة:

- ‌ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي

- ‌ثالثا: تخير المدعوين:

- ‌رابعا: تجنب ضلالات القوم:

- ‌خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم

- ‌سادسا: إسلام الضعفاء فقط

- ‌سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه

- ‌ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه

- ‌تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:

- ‌المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌أولا: ظهور الجماعة المؤمنة

- ‌ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة

- ‌المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة

- ‌المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

- ‌المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

- ‌المسألة الثانية: أساليب الدعوة من خلال البلاغة القرآنية

- ‌المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع

- ‌المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية إيمان المعذبين

- ‌ثانيا: تحرير الأرقاء:

- ‌ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة

- ‌رابعا: انتهاء المقاطعة

- ‌المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة

- ‌المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية

- ‌الفصل الرابع: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المكية

- ‌تمهيد:

- ‌الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين

- ‌الركيزة الثانية: دور الداعية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية صلته بالله

- ‌ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس

- ‌الركيزة الثالثة: صفات الدعاة

- ‌مدخل

- ‌أولا: صفات التكامل الذاتي

- ‌ثانيا: صفات الترابط والمودة

- ‌ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:

- ‌الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع

- ‌الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة

- ‌الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

المسألة الثانية: بعد آبائه صلى الله عليه وسلم عن الشرك وعبادة الأصنام

ثبت بالأدلة والبراهين العديدة أن أصول النبي صلى الله عليه وسلم وآباءه من لدن آدم عليه السلام إلى والده المباشر عبد الله بن عبد المطلب، كانوا جميعا بعيدين عن الشرك وعبادة الأصنام.

والأدلة على ذلك عديدة، يجمعها السيوطي -رحمه الله تعالى1- في مقدمتين ليصل إلى نتيجة عقلية مسلمة:

أما المقدمة الأولى: فهي أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم هم من خير الناس، كل منهم أفضل معاصريه وأخيرهم، فهم خيار من خيار، اصطفاهم الله منذ وجود آدم عليه السلام، واستمر هذا الاصطفاء معهم حتى جاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

أما المقدمة الثانية: فإنها تظهر حقيقة دينية تاريخية، وهي أن الأرض لم تخل من عهد آدم عليه السلام إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة من أناس على الفطرة يوحدون الله، ويعبدونه بما بقي من دين سابق، ويرون أن الأصنام والأوثان وما يماثلها، ما هي إلا افتراءات لا حقيقة لها؛ ولذلك فهم بعيدون عنها، لا يقتنعون بها..

فإذا انضمت المقدمة الأولى إلى المقدمة الثانية لظهر بجلاء أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر كانوا من هؤلاء الأناس الذين عاشوا بالفطرة النقية الموحدة؛ ذلك أن الخيرية والأفضلية تقوم أساسا على التوحيد والتقوى.

ومن الواجب التسليم بهذا؛ لأن الأفضلية إذا لم تقم على التوحيد، وقامت على المال أو الكثرة أو السلطان مثلا، فإن الشرك يعلو التوحيد، ويفضل المشرك

1 الحاوي للفتاوى ج2 ص367 بتصرف.

ص: 133

المؤمن، وهذا غير صحيح، فوجب بمجموع هاتين المقدمتين أن يكون آباء النبي -وهم أفضل الخلق في زمانهم على التوحيد- أصل التفضيل وأساسه؛ لأن القول بغير ذلك يؤدي إلى أحد أمرين لا يسلم بهما أو بأحدهما عاقل:

الأمر الأول: أفضلية المشرك على المسلم، وهذا أمر غير صحيح، وغير مسلم، ولم يقل به أحد من العقلاء.

الأمر الثاني: أن يكون هناك مَن هم أفضل من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معارض بما ثبت في المقدمة الأولى التي سبق ذكر أدلتها.

يقول الإمام السيوطي: "يجب أن يكون آباء النبي موحدين، لا شرك فيهم ليكونوا من خير أهل الأرض، كل في قرنه"1.

وفي الدراسة السابقة عن المقدمة الأولى أوضحت أن آباء النبي هم خيار الخلق من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك ثبتت المقدمة الأولى.

وإثبات المقدمة الثانية بعد ذلك أمر مسلم؛ لأن الناس كانوا على الإسلام منذ آدم إلى نوح عليه السلام، يقول الله تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} 2 وفي الآية بيان أن الناس جميعا بعد آدم عليه السلام كانوا على دين واحد هو الإسلام.

فعن أبي أمامة رضي الله عنهم أن رجلا قال: يا رسول الله، أنبي كان آدم؟

قال صلى الله عليه وسلم: "نعم نبي مكلم".

فقال الرجل: فكم كان بينه وبين نوح عليه السلام؟

قال صلى الله عليه وسلم: "عشرة قرون"3.

1 الحاوي للفتاوى ج2 ص368.

2 سورة البقرة آية 213.

3 فتح الباري شرح صحيح البخاري ج6 ص372.

ص: 134

وهكذا استمرت البشرية على دين الإسلام عشرة قرون، وبعد هذه المدة بدأ الشرك في الظهور، واختلف الناس، فبعث الله رسله مبشرين ومنذرين، بلاغا وإرشادا؛ ولذلك بعث شيث عليه السلام، وإدريس عليه السلام؛ نصرا لأهل الحق، ومحافظة على دين الله القويم.

يُروى عن قتادة رضي الله عنه أنه قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الهدى، وعلى شريعة الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحا عليه السلام"1.

وعن ابن عباس: "أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الإسلام"2.

وهذه الآراء بيان لاستمرار الإسلام في الناس منذ آدم إلى نوح عليه السلام، فلما اختلفوا وانقسموا جاء رسل الله، وعلى رأسهم نوح عليه السلام.

والتعبير بالاختلاف في الآية بيان لتمسك فريق من الناس بالإسلام الذي كانوا جميعا عليه، حين ارتد فريق منهم، وعبدوا الأصنام، وأشركوا في الألوهية، وبذلك وجد الاختلاف والتفرق بدليل أن الله توعد هؤلاء المشركين الذين أشركوا وضيعوا وحدة الأمة وتجمعها على الدين الحق، يقول تعالى:{وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 3.

ومع الاختلاف على الدين الحق قبيل نوح عليه السلام نرى أن والد نوح كان مؤمنا موحدا امتدادا لآبائه من قبله، دليل ذلك أن نوحا عليه السلام دعا لأبيه كما

1 الحاوي ج2 ص372.

2 تفسير الطبري ج4 ص275.

3 سورة يونس آية 19، ودلالة الآية أن الله توعد المختلفين، والله لا يتوعد إلا بسبب كفر أو معصية.

ص: 135

في قوله تعالى: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} 1، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يستغفر لكافر، بدليل قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} 2، وبذلك تكون الآية صريحة في إيمان والد "نوح" وهو "سام"؛ لأنه لو لم يكن مؤمنا لما دعا له، وأيضا فإن دعوة نوح لأبيه كانت بعد الطوفان، ولم ينجُ من الطوفان إلا المؤمنون.

هذا عن الفترة من آدم إلى نوح عليهما السلام..

أما ما بعد نوح عليه السلام، فقد روى ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما أهبط ومن معه من السفينة هبطوا إلى قرية، فبنى كل رجل منهم بيتا، فسميت القرية سوق الثمانين نسبة لعدد الناجين، فلما ضاقت بهم القرية تحولوا إلى بابل فبنوها، ولم يزالوا على الإسلام وهم ببابل، أما من كفر فقد غرق وهلك، يؤيد ذلك قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} 3، ومفهوم الآية يوضح أن ذرية من كفروا غرقوا بغرق أبائهم، ولم يبقَ إلا المؤمنون الموحدون، كما يفيده ضمير الفصل الموجود في الآية.

وقيل: إن المؤمنين مع نوح كانت لهم ذرية مؤمنة نجت من الناجين إلا أنها ماتت بأجلها، ولم يبقَ إلا أبناء نوح.

وقيل: إن المؤمنين من ذرية الآخرين تلحق بذرية نوح في البقاء بسبب إيمانهم4.

1 سورة نوح آية 28.

2 سورة التوبة آية 114.

3 سورة الصافات آية 77.

4 فتح القدير ج4 ص400.

ص: 136

واستمر إيمان آباء النبي صلى الله عليه وسلم من نوح إلى إبراهيم عليهم السلام، غير أن ما ورد عن والد نبي الله إبراهيم عليه السلام "آزر" يتعارض مع هذا؛ حيث يقول الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1، ويقول سبحانه:{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} 2، وفي هذه الآيات تصريح واضح بكفر أب إبراهيم عليه السلام، وقد رد العلماء هذا التعارض بأن إبراهيم عليه السلام كان يخاطب عمه "آزر"، أما والده فو "تارح"، واللغة العربية تطلق اسم الأب على العم؛ ولهذا يقول الله تعالى:{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} 3، فأطلق سبحانه على إسماعيل اسم الأب ليعقوب عليه السلام مع أنه كان عمه.

وبعد نجاة إبراهيم عليه السلام من النار أمره الله تعالى بأن يهاجر إلى بلاد الشام فهاجر حيث أمره الله تعالى، وأخذ معه المؤمنين، وكانوا ثلاثة، هم: زوجته سارة وابن خالته لوط وأبوه تارح4، ولو كان أبوه مشركا ما اصطحبه معه في رحلة الهجرة من موطنه إلى بلاد الشام.. وأيضا فلقد دعا إبراهيم عليه السلام لأبيه بعد هلاك عمه بمدة طويلة، ولو كان مشركا ما دعا له، يقول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب} 5.

1 سورة الأنعام آية 74.

2 سورة مريم آية 42.

3 سورة البقرة آية 133.

4 الكامل لابن الأثير ج1 ص96.

5 سورة إبراهيم آية 41.

ص: 137

أما آباء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد إبراهيم فهم على النحو المذكور لسائر الآباء، يقول الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ} 1.

فقد أخبر الله تعالى بأنه بقدرته سبحانه وتعالى جعل كلمة الهدى والتوحيد باقية، متنقلة في عقب إبراهيم عليه السلام تنتقل من واحد إلى مَن بعده في عقبه، والعقب: أبناء الرجل الذكور دون الإناث.

يقول المفسرون: الكلمة هي شهادة التوحيد، جعلها الله مستمرة في ذرية إبراهيم عليه السلام، يعقب كل جيل ما سبقه، بحيث لا يزال في ذريته من ينطق ويؤمن بها.

ويقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} 2 وقد دعا إبراهيم عليه السلام في الآية بدعوتين:

أحدهما: أن يجعل مكة بلدا آمنا في المقام والمعاش.

والثانية: أن يجنبه وبنيه وذريته عبادة الأصنام، وقد استجاب الله له، فأكرم مكة بجعلها حرما آمنا، ورزق أهلها ثمرات كل شيء، كما استجاب الله سبحانه الدعوة الثانية لإبراهيم في أولاده فنجاهم من عبادة الأصنام وجعل النبوة والكتاب فيهم خاصة.

وقد جاءت أحاديث مسندة تفصل ما جاء في الآيات:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا مضر؛ فإنه كان قد أسلم"3.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا مضر؛ ولا ربيعة فإنهما كانا مؤمنين"4.

1 سورة الزخرف الآيات 26-29.

2 سورة إبراهيم آية 35.

3 طبقات ابن سعد ج1 ص58.

4 الروض الأنف ج1 ص10.

ص: 138

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا قسا؛ فإنه كان مسلما"1.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا إلياس؛ فإنه كان مؤمنا"2.

وقد رأينا من كلمات آباء النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفنا على معانيها الدالة على العقل والحكمة وروح الإيمان..

يقول السهيلي: "وكعب بن لؤي أول من جمع يوم العروبة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به".

وعبد المطلب هو الذي قابل أبرهة وقال له: للبيت رب يحميه..

أما آباء النبي صلى الله عليه وسلم القريبون إليه فهم: كلاب، وقصي، وعبد مناف، وهاشم، وعبد المطلب، وعبد الله، فإنهم شيوخ مكة، وحماة الكعبة، وإليهم يرجع الفضل في تنظيم أمور البيت الحرام، والإنفاق على الحجيج، وفي حياتهم إشارات إلى عقيدتهم الدينية.

يقول عبد الله: أما الحرام فالممات دونه.

ويقول عبد المطلب: للبيت رب يحميه.

وقد تميز هاشم وعبد مناف بالحكمة وكرم الأخلاق، ودور قصي وكلاب مع الكعبة وأهل مكة لا يخفى؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يفتخر بآبائه ويقول صلى الله عليه وسلم:"أنا ابن الذبيحين" يريد بهما: عبد الله وإسماعيل عليهما السلام، وفي يوم حنين قال:"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".

ويقول صلى الله عليه وسلم: "أنا خيار من خيار من خيار".

1 الحاوي ج2 ص380.

2 الروض الأنف ج1 ص10.

ص: 139

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن آبائه لتعريف منازلهم، وبيان مراتبهم، والإشارة إلى نِعَمِ الله تعالى التي أحاطه وأحاطهم بها.

يقول أبو الحسن الماوردي: "أنبياء الله صفوة عباده، وخيرة خلقه، لما كلفهم من القيام بحقه، والإرشاد لخلقه، استخلصهم من أكرم العناصر، واجتنابهم بمحكم الأواصر، فلم يكن لنسبهم من قدح، ولمنصبهم من جرح؛ لتكون القلوب لهم أصفى، والنفوس لهم أوطأ، والناس إلى إجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وإن الله استخلص رسوله صلى الله عليه وسلم من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس في تأويل قول الله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين} أي: تقلبك من أصلاب طاهرة، من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيًّا، فكان نور النبوة ظاهرًا في آبائه، ثم لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصًّا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده نهاية، فيزول عنه أن يشارك فيه، ويماثل فيه، فلذلك مات عنه أبواه في صغره، فأما أبوه فمات وهو حمل، وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين، وإذا خبرت حال نسبه، وعرفت طهارة مولده، علمت أنه من سلالة آباء كرام، ليس في آبائه مسترذل، ولا مغموز مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة"1.

ويقول الشهرستاني: "ظهر نور النبي صلى الله عليه وسلم في أسارير عبد المطلب بعض الظهور، وببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده، وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، وببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة، فقيل لعبد المطلب في ذلك

1 الحاوي ج2 ص385.

ص: 140

ففكر وقال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته، وببركة ذلك النور قال لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يحفظه"1.

ومع سلامة النسب النبوي وأصالته أرى توضيح أمرين:

الأمر الأول: يتصل بتوحيد آباء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن منهم من عاصر الأنبياء، ومنهم من كان بعيدا عنهم، أما من كان نبيا أو عاصر نبيا، فإنه كان على التوحيد الخالص الواضح الذي جاء من عند الله تعالى، بكل ما يلزمه من اعتقاد وشريعة وأخلاق، أما من بعد منهم عن زمن الأنبياء فإنه كان على توحيد يبعده عن تأليه الصنم وعبادته، مع غياب تعاليم الرسالة السابقة؛ ولذلك لم يكن لهم دين واضح بتعاليمه وتفصيلاته.

إنهم لم ينغمسوا في الشرك، ولم يكونوا سدنة الأصنام، ولا كهنة الآلهة، مع ما لهذه الأعمال من أهمية في الحياة الجاهلية، ومع منزلتهم في قبائل مكة، التي تمكنهم من الحصول على ما يريدون، ولو كانوا من الكهنة ما منعهم أحد، لكن الله أنقذهم منها.

إن بعدهم الزمني عن رسالات الله أنساهم كثيرا من الحقائق الدينية، شأنهم في ذلك شأن الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام، ورأوا ضرورة وجود إله واحد قدير، واهتموا في البحث عن دين إبراهيم عليه السلام؛ ولذلك لم تكن لآباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة دينية، ولم يقوموا بنشر عقيدتهم في الناس، إلا أن الله أكرمهم بالتوحيد، وخصهم بالخيرية، وفضلهم على الناس، ليذكر الرسول بهم، وحتى لا تلحقه منقصة بسببهم، يعيره بها المشركون والكافرون.

الأمر الثاني: أهل الفترة وآباء النبي: يراد بالفترة المدة الزمنية بين رسولين، وبخاصة إذا طالت المدة، وغابت تعاليم الرسول السابق كليا أو جزئيا.

1 الحاوي ج2 ص382.

ص: 141

ودرس العلماء والفقهاء أحكام أهل الفترة؛ لأنهم بعدوا عن الرسالة السابقة، ولم تأتهم رسالة جديدة، وهذا حال يرفع عنهم المسئولية أمام الله تعالى عند جمهور العلماء.

والعرب من الأمم التي طالب الفترة بهم، ولم يأتهم رسول منذ إسماعيل عليه السلام، يبين الله ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم:{لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} 1.

وصلة هذا المبحث بآباء النبي صلى الله عليه وسلم تلمس الإنصاف لهم؛ لأن آباءه القريبين ابتداء من كلاب لم يكن لهم دور ديني واضح، مع ثبوت عدم تأليههم للأصنام، وسبب ذلك أنهم كانوا من أهل الفترة التي لا وجود فيها لدعوة دينية.. وأقصى ما كانوا فيه أنهم من الحنفاء الموحدين، الباحثين عن الحقيقة، التي تجلت أمامهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

يذهب جمهور العلماء إلى أن أهل الفترة ناجون؛ لأنه لا تكليف قبل البعثة بدلالة الآيات التالية:

يقول الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} 2 والآية أساس للجمهور الذين يرون أن وصول الرسالة إلى الناس شرط للمسئولية، يقول قتادة:"إن الله ليس بمعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبر، أو تأتيه من الله بينة"3.

ويقول الله تعالى: {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 4 والآية واضحة في ثبوت العذر لأهل الفترة على عدم إيمانهم، ودلالتها على ضرورة تبليغ الدعوة على وجهها الصحيح عن طريق رسول الله، أو بواسطة من يكلفه من الدعاة.

1 يس آية 6.

2 سورة الإسراء آية 15.

3 تفسير القرطبي ج1 ص251.

4 سورة القصص آية 47.

ص: 142

وعلى هذا فآباء النبي صلى الله عليه وسلم القريبون كانوا من الحنفاء، على أقل تقدير، وليس بضروري أن يكونوا على رسالة دينية كاملة "عقيدة وشريعة"، وأما الأبوان الشريفان فهما من أهل الفترة بإجماع؛ لتأخر زمانهما، وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين1، فآخر نبي بعث للعرب هو إسماعيل، وبينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف سنة، ولم يعمرا طويلا، وكان العرب في جهل بالنسبة للرسالة لدرجة أنهم تعجبوا حين بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وقالوا ما حكاه الله تعالى:{أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} 2، وقالوا أيضا ما حكاه الله تعالى:{قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} 3، وقد صور الله تعالى أحوالهم متعجبا فقال تعالى:{أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُون} 4.

وهذا محمد صلى الله عليه وسلم لما حبب إليه الخلاء، كان يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وكانت عبادته على ما بقي من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؛ إذ لا سبيل له إلى غير ذلك.

إن تباعد الزمان بين رسالة إسماعيل عليه السلام وآباء النبي القريبين غيب عنهم حقيقة رسالة الله بكمالها وتمامها؛ ولكنهم تمسكوا بما أبقاه الله بينهم، فلم يعبدوا غير الله، ولم يشركوا معه إلها آخر.

ومن هنا نرى أن توحيد الحنفاء كافٍ في القول بإيمان آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

1 أرجح الرأي القائل بأن أبا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة على الآراء الأخرى، هذا وقد فصل السيوطي الآراء كلها بأدلتها في كتابه الحاوي.

2 سورة الإسراء آية 94.

3 سورة فصلت آية 14.

4 سورة المؤمنون آية 69.

ص: 143