المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المبحث الأول: النسب الشريف ‌ ‌مدخل … المبحث الأول: النسب الشريف رسول الله صلى الله - السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

[أحمد أحمد غلوش]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: "العرب

- ‌المبحث الثاني: الروم:

- ‌المبحث الثالث: الفرس

- ‌المبحث الرابع: الهنود

- ‌المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام

- ‌أولا: شيوع الضلال الديني

- ‌ثانيا: هوان الإنسان

- ‌ثالثا: سهولة التواصل

- ‌رابعا: تعدد الصراع

- ‌خامسا: النضج الفكري

- ‌سادسا: انتظار رسول جديد

- ‌الفصل الثاني: السيرة النبوية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: النسب الشريف

- ‌مدخل

- ‌المسألة الأولى: أصالة النسب

- ‌المسألة الثانية: بعد آبائه عن الشرك وعبادة الأصنام

- ‌المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر بطون العرب

- ‌المبحث الثاني: إرهاصات الميلاد والرأي فيها

- ‌المبحث الثالث: ميلاد اليتيم محمد

- ‌المبحث الرابع: محمد في ديار بني سعد

- ‌المبحث الخامس: شق الصدر:

- ‌المبحث السادس: محمد في مرحلة الصبا

- ‌المبحث السابع: زواج محمد صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها

- ‌المبحث الثامن: بناء الكعبة

- ‌المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية

- ‌أولا: كثرة المبشرات

- ‌ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة

- ‌ثالثا: منع الجن من الاستماع

- ‌رابعا: تكامل شخصية محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث العاشر: بدايات الوحي

- ‌المبحث الحادي عشر: صور الوحي

- ‌المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة

- ‌أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام

- ‌ثانيا: صلته بأعمامه

- ‌ثالثا: الجهر بالدعوة ومواجهة متاعب أهل مكة

- ‌المبحث الثالث عشر: عام الحزن

- ‌المبحث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة

- ‌أولا: سودة بنت زمعة رضي الله عنها

- ‌ثانيا: عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

- ‌ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان

- ‌المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى

- ‌النصر الأول: إسلام عداس

- ‌النصر الثاني: إسلام الجن

- ‌النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي

- ‌النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل

- ‌النصر الخامس: الإسراء والمعراج

- ‌النصر السادس: إسلام الأنصار:

- ‌الفصل الثالث: حركة النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى في مكة

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة

- ‌أولا: منهج الدعوة

- ‌ثانيا: المضمون الفكري للحركة

- ‌ثالثا: أسلوب الدعوة

- ‌رابعا: وسائل الدعوة

- ‌المبحث الثاني: حركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة خلال المرحلة السرية

- ‌مدخل

- ‌أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة:

- ‌ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي

- ‌ثالثا: تخير المدعوين:

- ‌رابعا: تجنب ضلالات القوم:

- ‌خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم

- ‌سادسا: إسلام الضعفاء فقط

- ‌سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه

- ‌ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه

- ‌تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:

- ‌المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية

- ‌المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌أولا: ظهور الجماعة المؤمنة

- ‌ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة

- ‌المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة

- ‌المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام

- ‌المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة

- ‌المسألة الثانية: أساليب الدعوة من خلال البلاغة القرآنية

- ‌المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع

- ‌المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية إيمان المعذبين

- ‌ثانيا: تحرير الأرقاء:

- ‌ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة

- ‌رابعا: انتهاء المقاطعة

- ‌المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة

- ‌المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية

- ‌الفصل الرابع: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المكية

- ‌تمهيد:

- ‌الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين

- ‌الركيزة الثانية: دور الداعية

- ‌مدخل

- ‌أولا: تقوية صلته بالله

- ‌ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس

- ‌الركيزة الثالثة: صفات الدعاة

- ‌مدخل

- ‌أولا: صفات التكامل الذاتي

- ‌ثانيا: صفات الترابط والمودة

- ‌ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:

- ‌الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع

- ‌الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة

- ‌الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة

- ‌الخاتمة:

- ‌فهرس الموضوعات:

الفصل: ‌ ‌المبحث الأول: النسب الشريف ‌ ‌مدخل … المبحث الأول: النسب الشريف رسول الله صلى الله

‌المبحث الأول: النسب الشريف

‌مدخل

المبحث الأول: النسب الشريف

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.

وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنسب أبيه وأمه صلى الله عليه وسلم يلتقيان في كلاب.

وكلاب هو ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مضر بن عدنان.

ونسبه صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ومن جهة أمه مجمع عليه إلى عدنان، وما فوق ذلك فمختلَف فيه، والكل يجمع على أنه صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام.

ونسبه صلى الله عليه وسلم كريم، جامع لسائر أسباب الفضل والرفعة.

فأبوه "عبد الله" أصغر أبناء عبد المطلب وأقربهم إلى قلبه، يُكْنَى بأبي القثم وأبي محمد وأبي أحمد، ويلقب بالذبيح.

وسبب هذا اللقب أن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والد المطعم قال له: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذ ولا ولد لك؟

فقال عبد المطلب: أبا لقلة تعيرني؟ فوالله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة1.

فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: أوفِ بنذرك، وافعل ما شئت.

1 طبقات ابن سعد ج1 ص53.

ص: 112

قال لهم: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا.

فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وحد الشفرة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا إلى عرافة خيبر فقالت لهم: كم الدية فيكم؟

قالوا: عشرة من الإبل.

قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى بكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة.

فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب.

فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع1.

يروي ابن كثير بسنده أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله، ولم ينكر عليه

فقيل لمعاوية: مَن الذبيحان؟

قال: إسماعيل وعبد الله2.

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص155.

2 قصص الأنبياء لابن كثير ج1 ص217.

ص: 113

تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، مر بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله أن يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجد عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل، فعصمه الله تعالى من إجابتها، وقال لها:

أما الحرام فالممات دونه

والحل لا حل فاستبينه

فكيف بالأمر الذي تبغينه

يحمي الكريم عرضه ودينه

فلما تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، مر عبد الله على الكاهنة مرة أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟!

فنظرت إليه، ولم ترَ ذلك النور في وجهه فقالت له: قد كان ذلك أول مرة، أما اليوم لا، ماذا صنعت؟

فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية.

فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول:

الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا

عليك وفارقت الضياء المباركا

غدوت علي خاليا فبذلته

لغيري هنيئا فالحقن بنسائكا

ولا تحسبن اليوم أمس وليتني

رزقت غلاما منك في مثل حالكا

وداخلها الأسف على ما فاتها، والحسرة على ما تولى عنها1.

وكان عبد الله بارا بأبيه، مطيعا له، يروي ابن إسحاق أن عبد الله حين انصرافه مع أبيه بعد الذبح مر على امرأة من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجهه وقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟

قال لها: معي أبي.

قالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي نكاحا الآن.

1 أعلام النبوة للماوردي ص146.

ص: 114

قال لها: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه1.

فأخذه أبوه عبد المطلب، وذهب به إلى وهب بن عبد مناف وزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل نساء قريش نسبا وموضعا.

ورسول الله هو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة، وقد مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات.

وعبد المطلب: والد عبد الله اسمه شيبة الحمد، واشتهر بعبد المطلب؛ لأن عمه المطلب أحضره من المدينة، حيث نشأ عند أخواله، فلما ساله أهل مكة: مَن هذا؟ قال لهم: هذا عبدي، فثبت معه اسمه هذا، وترك شيبة.

وكان عبد المطلب شديد الوفاء بوعده، وقد رأينا ما فعل مع نذره بذبح أحد أبنائه إذا بلغوا عشرا.

ومن وفائه أنه أجار يهوديا يُدعى "أذينة" فتأمر حرب بن أمية على قتله وقتله، فلم يزل عبد المطلب يسعى في دمه حتى أخذ ديته، وسلمها لأهله2.

وهو شيخ مكة، وزعيمها يوم قدوم أبرهة..

وكان عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا، ما رآه أحد قط إلا قدره، وقد صارت إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه، وكان يعرف فيه قوة الحق وهيبة الملك.

ومكارمه أكثر من أن تُحصى، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا، وأبا، وبيتا، وجمالا، وبهاء، وفعالا.

وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وأول من جعل دية القتيل مائة من الإبل بعد فداء عبد الله..

1 سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ج1.

2 سبل الهدى والرشاد ج1 ص310.

ص: 115

وقد أقام لأهل مكة ما كان يقيمه آباؤه لهم، فشرف فيها شرفا لم يبلغه أحد قبله، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم.

ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان:

الأول: حفر بئر زمزم بعدما أمر به في المنام، ووصف له موضعها، وبعدها كانت السقاية معه، ولما حاولت قريش منازعته في زمزم والسقاية، أراهم الله ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بـ"زمزم"1.

الثاني: لما قدم أبرهة بجيشه يريد هدم الكعبة خافت قريش، وتفرقت في الشعاب، وتركت إبلها وغنمها، فاستولى عليها أبرهة، فذهب إليه عبد المطلب واستقبله أبرهة وسأله: ماذا جاء بك؟

قال عبد المطلب: جئت أسألك الإبل والغنم.

فقال أبرهة له: أكبرتك حين رأيتك، وزهدتني فيك حين كلمتني، تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك؟!

فقال عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه.

وقد كان حيث هلك أبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، واسترد عبد المطلب الإبل والغنم2.

وهو أول من طلى الكعبة بالذهب، وسُمي الفياض لجوده، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ونهى عن قتل الموءودة ونكاح المحارم، وأمر ألا يطوف بالبيت عريان3.

و"هاشم" واسمه عمرو العلاء والد عبد المطلب.

1 سيرة ابن هشام ج1 ص143 بتصرف.

2 منتقى النقول ص20، 21.

3 منتقى النقول ص21.

ص: 116

ولقب هاشما لأنه هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة، فرحل هاشم إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكعا، وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل معهم حتى استكفوا.

وهو أول من سن الرحلتين: ورحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام1.

ومن قبله كان تجار مكة لا يغادرون بلدهم، فركب هاشم إلى الشام، ونزل بقيصر، فلما علم به ملك الروم سأل عنه، وكلمه، وأعجب به، وجعل يرسل إليه ويدخله عليه.

فلما رأى هاشم مكانه منه قال له: أيها الملك، إن لي قوما وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتبا تؤمنهم، وتؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه؛ ليتمكنوا من بيعه عندكم، فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم، فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا.

والإيلاف أن يأمنوا وهم عندهم، وفي طريقهم، وفي أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بين مكة والشام، حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة، ثم خرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم، الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام2.

واشتهر هاشم بالدقة، والحكمة، ومكارم الأخلاق، ومن وصاياه الحكيمة لقومه وهو يخطب فيهم:

1 سبل الهدى والرشاد ج1 ص316.

2 المرجع السابق ج1 ص316.

ص: 117

أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة، وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم.

يا بني، أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أو حش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أمحكه اللجاج أخرجه إلى البغي.

أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيئة، فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ألا وإن نهنهة الجاهل أهون من حزيرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به1.

وكان من أجمل الناس، وأحسنهم صورة، يتلألأ النور في وجهه كالهلال يتوقد، لم يره أحد إلا أحبه، وأقبل عليه.

و"عبد مناف" والد هاشم اشتهر بأفعال الخير، وأماجد الأعمال، وسمي بالمغيرة لقوته، وإغارته على الأعداء، وسمي بالقمر لحسنه وجماله.

وقد ساد في حياة أبيه، وبرز بآرائه في دار الندوة، وسُر به والده "قصي" وهو الذي سماه "عبد مناف" واستبدله بـ"عبد مناة" كما سمته أمه.

قام بعد أبيه قصي بالسقاية والرفادة، واشتهر بالحكمة وحسن السياسة،

1 أعلام النبوة للماوردي ص139.

ص: 118

أحاطت قريش عبد مناف بالتفضيل والتكريم، ومن أشعارهم:

كانت قريش بيضة فتفلقت

فالمح خالصة لعبد مناف

والمح: صفرة البيض، يشيرون بذلك إلى أن قريشا إذا انقسمت كالبيضة، فعبد مناف صفرتها، وهي أصل البيضة، وأكثرها منفعة.

يروي البلاذري أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع جارية تنشد هذا البيت وتقول:

فالمح خالصة لعبد الدار

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه:

كذا قال الشاعر؟

قال أبو بكر: لا، إنما قال: لعبد مناف.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذاك"1.

وهذا تأكيد لمنزلة عبد مناف، وقدرته في قومه.

و"قصي" والد عبد مناف اسم مصغر من "قصى" أي بعد؛ لأنه بعد عن قومه في بلاد "قضاعة" مع أمه حين تزوجت بعد أبيه في بني عزرة.. وقد عاد قصي إلى مكة بعد أن عير بغربته.. وعمل بعد أن شب على أن يكون أمر مكة لأهلها، فأبت خزاعة وبنو بكر، فقاتلهم قصي ومن معه.. حتى تصالحوا بعد ذلك على أن يكون الأمر لقصي وبنيه؛ لأنهم الأحق والأولى.

فلما جمع قصي قريشا قال لهم: هل لكم أن تصبحوا بأجمعكم "أي أنتم وبيوتكم" في الحرم حول البيت؟ فو الله لا يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنونه فتسودوا العرب أبدا.

فقالوا: أنت سيدنا، ورأينا تبع لرأيك، فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول الكعبة2، وبنوا بيوتهم مجاورة للكعبة، وكانوا من قبل يبنونها بعيدا عن الشعاب.

1 سبل الهدى والرشاد ج1 ص321.

2 المرجع السابق ج1 ص324.

ص: 119

وأمرهم قصي أن يجعلوا أبواب بيوتهم جهة الكعبة، على أن يتركوا بين كل بيتين طريقًا يؤدي إلى الكعبة، وفي نهاية هذه الطرق تأسست أبواب الحرم بعد ذلك.

وقد جمع "قصي" لنفسه أمر الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، وبذلك حاز الشرف في مكة كلها.

وبنى دارًا سماها "دار الندوة"، وجعلها مكانًا للاجتماع، والتشاور في كافة أمورهم الشخصية، والاجتماعية، والسياسة، وغيرها.

وقد فرض قصي على قريش مالًا يدفعونه إليه، وهو الذي يعرف بالرفادة، يصرفه على حجاج بيت الله تعالى، قال لهم:"يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل البيت، وأصحاب الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما، وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا".

يقول ابن هشام: فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومنا هذا، فهو الطعام الذي يصنعه الولاة كل عام، ويقدمونه للحجيج بمنى حتى ينقضي الحج1.

وقد قسم قصي المهام الرئيسية في أولاده.. فأعطى عبد مناف السقاية والندوة، وأعطى عبد الدار الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى الرفادة والضيافة أيام منى.. وهكذا.

ومن أقوال قصي الحكيمة التي علمها أولاده:

"من عظم لئيما شركه في لؤمه".

"ومن استحسن مستقبحا كان معه".

"ومن لم تصلحه كرامتكم فداووه بهوانه، فذاك دواء يحسم الداء".

1 سيرة النبي ج1 ص130.

ص: 120

"العي عيان: عي إفحام، وعي المنطق بغير سداد".

"من سأل فوق قدره استحق الحرمان".

و"كلاب" والد قصي جمع كلب، وهو مجمع نسب عبد الله وآمنة -أبوي النبي صلى الله عليه وسلم سمي بذلك من المكالبة، وهو المسارعة في التجمع على الكسب، أو جريا على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأسماء موحشة كذئب، وأسد، وضبع

قيل لأعرابي: لِمَ تسمون أبناءكم بأشر الأسماء كـ"كلب" و"ذئب"، وتسمون عبيدكم بأحسن الأسماء كـ"رباح" و"مرزوق"؟

فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا، ونسمي عبيدنا لأنفسنا.. يريد أن الأبناء هم عدة مواجهة الأعداء، والسهام المصوبة إليهم.

وقيل: سمي بذلك لدفع السوء والحسد عنه1.

ومن أسماء "كلاب" الحكيم، والمهذب، وعروة، ويكنى بـ"أبي زهرة" وزهرة هو جد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه.

و"مرة" والد كلاب اسم منقول من وصف الحنظلة والعلقمة، وقيل: منقول من وصف الرجل بالمرارة.

وقيل: مأخوذ من القوة، ومنه قوله تعالى:{ذُو مِرَّةٍ} أي: قوة، وكنيته أبو يقظة2.

وهذه المعاني تفيد ما كان له من قوة في الحق، وشدة وقسوة على أهل الباطل.

و"كعب" والد مرة ومعناه العلو في الشرف والسؤدد والثبات والمنزلة، وكنيته أبو هصيص.

1 الروض الأنف ج1 ص8.

2 سبل الهدى والرشاد ج1 ص329.

ص: 121

وهو أول ما جمع الناس، وخطبهم في يوم معين، هو يوم "العروبة"، وهو اليوم المسمى في الإسلام بيوم الجمعة، ومن خطبه في قومه:

أما بعد، فاسمعوا وعوا، وافهموا وتعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، لم تخلق عبثا فتضربوا عنها صفحا، الآخرون كالأولين، والذكر كالأنثى، والزوج والفرد إلى بلى، فصلوا أرحامكم، وأوفوا بعهودكم، واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فإنها قوام مروءتكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أو ميت نشر، الدار أمامكم، واليقين غير ما تظنون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم، بذلك جاء موسى وعيسى صلى الله عليهما وسلم، والله لو كنا ذا سمع وبصر، ويد ورجل، لتنصبت فيها تنصب الجمل، ولأرقلت فيها إرقال الفحل1.

و"لؤي" يكنى باسم ابنه كعب، اشتهر بالحكمة والحلم منذ صغره، وكان مطاعا محبوبا في قومه.

و"غالب" من الغلبة والفوز، وكنيته أو تيم.

و"فهر" كان رئيس أهل مكة، وقيل أنه سمي بـ"قريش" يقول ابن شهبة: من جاوز فهرا فليس من قريش2.

و"مالك" يكنى باسم ولده "فهر" ولم ينجب سواه، تميز بالحكمة وحسن الخلق.

و"النضر" ابن كنانة، وكنيته "أبو يحلد".

1 المرجع السابق ج1 ص329، 330.

2 المرجع السابق ج1 ص334.

ص: 122

و"كنانة" هي ستر السيف، سمي بذلك لأنه كان سترا على قومه، ويكنى بأبي النضر، يقول عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني، أدركت كنانة بن خزيمة وكان شيخا مسنا عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله، ومن أقواله لهم: إنه قد آن خروج نبي من مكة يُدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم.

قال أبو الربيع رحمه الله تعالى: إن كنانة رُئي وهو نائم في الحجر فقيل له: تخير يا أبا النضر بين الصهيل والهدر وعمارة الجدر وعز الدهر، فقال: كل يا رب فصار هذا كله في قريش1.

و"خزيمة" يكني بأبي أسد، يروي ابن عباس أن خزيمة مات على دين إبراهيم عليه السلام، وهو أول من أهدى البدن للبيت.

و"مدركة" اسمه عمرو على الصحيح، وكنيته أبو هذيل، وأبو خزيمة.

و"إلياس" كان عاقلا، أريبا، يقول ابن الزبير: لما أدرك إلياس وبلغ أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبان فضله عليهم، وجمعهم رأيه، ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة.

وهو وصي أبيه، تميز بجمال الخُلُق والخِلْقة، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا"2.

ويذكر أنه كان يبشر بنبي من صلبه، يصلح الله به شئون الناس.

و"مضر" اسمه عمرو، وكنيته أبو إلياس، كان على دين إبراهيم عليه السلام، اشتهر بالحكمة، وسداد الرأي، ومن أقواله:

1 سبل الهدى ج1 ص338.

2 الروض الأنف ج1 ص10.

ص: 123

"خير الخير أعجله".

"احملوا أنفسكم على مكروهها فيما يصلحكم، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق"1.

و"نزار" سماه أبوه بهذا الاسم لما نظر في وجهه ورأى نور النبوة الذي كان يتنقل في الأصلاب، لما رأى ذلك فرح ونحر وأطعم، وقال: هذا نذر يسير، فسمي بـ"نزار" وكنيته "أبو إياد".

و"معد" يضرب به المثل في الخُلُق، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"اخشوشنوا وتعددوا" أي: كونوا على خلق معد.

و"عدنان" أول من كسا الكعبة، وكان الناس يعرفون أن نبيا سيخرج من صلبه، ويكنى بأبي معد.

وقد سبق الإشارة إلى إجماع النسابين على معرفة نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، وأن عدنان من نسل إسماعيل عليه السلام، إلا أنهم يختلفون في عدد آباء عدنان إلى إسماعيل عليه السلام؛ ولذلك أكتفي هنا بذكر نسبه صلى الله عليه وسلم إلى عدنان مع تأكيد أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، فلقد روى ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه عدنان، ثم يمسك، ثم يقول:"كذب النسابون" 2، ويرى السهيلي أن هذا الحديث من قول ابن مسعود، ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ننتسب إلى عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو3.

ومن هذا الإيجاز نرى شرف النسب، وعلو المحتد، فجميعهم كرام، ذوو شأن؛ حيث نلمح في سيرتهم كل خير، فهم حماة البيت، والمقربون من الله، والمؤسسون لأهل مكة "دار الندوة"، وقد نظموا للقبائل سائر المهام، وعرفوا الناس

1 سبل الهدى ج1 ص344، والفواق: المدة بين حلبتين للناقة.

2 الطبقات الكبرى ج1 ص56.

3 المرجع السابق ج1 ص58.

ص: 124

بيوم العروبة، وجمعوهم فيه كل أسبوع لسماع الخطب وتداول الأمور.

وفي أسمائهم نلمح صفاتهم، ففي كعب العلو والثبات، وفي لؤي الهدوء والأناة، وفي غالب القوة القاهرة للأعداء1، وفي فهر الطول والعون، سمي قريشا لأنه كان يقرش -أن يفتش- عن حاجة المحتاج ليعينه بماله ونفسه2، وفي مالك السيادة وملك العرب3، وفي النضر الحسن والجمال4، وفي كنانة ستر قومه، ومرجعهم لعمله وفضله5، وفي خزيمة إصلاح قومه، وأخذهم على الحق6، وهكذا إلى عدنان الذي عاش زمن موسى عليه السلام7.

هذا نسبه صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه..

وأما نسبه من جهة أمه فهو إلى كلاب، وعند كلاب يلتقي نسبها مع أبيه فنسبه من جهة أمه عال هو الآخر، يصفه ابن هشام ويقول:"إن آباء آمنة من فضلاء قريش وسادة بني زهرة"8.

ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم أخ ولا أخت من أمه وأبيه، يقول الماوردي:"لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت؛ لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده بها آية، فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل به"9.

1 مدارج الصعود ص6، 7.

2 نور الظلام ص30.

3 المرجع السابق ص30.

4 فيض القدير ج3 ص37.

5 المرجع السابق ج3 ص37.

6 سيرة ابن كثير ج1 ص188.

7 الروض الأنف ج1 ص11.

8 سيرة ابن هشام ج1 ص169.

9 أعلام النبوة ص147.

ص: 125

ولقد تميز آباؤه بعديد من المزايا العامة التي اشتركوا فيها جميعا، واستمرت معهم تكريما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسأبين أهم هذه المزايا لما لها من مردود إيجابي على شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وتهيئة النفوس للاستماع له، والإجابة لدعوته، وبخاصة أن الناس جبلوا على الطاعة السريعة لمن علا نسبه، وسمت أخلاقه، وكان لهم به صلة وقربى.

وسأوضح -بإذن الله تعالى- أهم هذه المزايا في عدد من المسائل لتتضمن كل مسألة مزية، وهي كما يلي:

المسألة الأولى: أصالة النسب.

المسألة الثانية: بعدهم عن عبادة الأصنام.

المسألة الثالثة: صلتهم بسائر بطون العرب.

وسوف أفصل هذه المسائل فيما يأتي

ص: 126