الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الركيزة الثانية: دور الداعية
مدخل
…
الركيزة الثانية: دور الداعية بين الله والناس
إيصال الإسلام للناس فن لا يقدر عليه الجميع؛ ولذا كان من الضروري إيجاد داعية يملك القدرة على أداء هذه المسئولية.
إن الدعوة تحتاج إلى داعية متصف بصفات عديدة تجعله قادرا على القيام بواجب الدعوة على الوجه الذي يرضي الله ورسوله.
وأول هذه الصفات عراقة الأصل، وشرف المنزلة؛ لأن الناس تعودوا الخضوع لعلية القوم، والاستماع لأصحاب المنزلة فيهم.
وقد علم النظام القبلي أهل مكة أن يكون لكل قبيلة شيخ، ولكل فخذ رئيس يأمر فيطاع، ويحتاج فيعطى؛ ولذلك وجب أن يكون الداعية بين الناس متميزا فيهم بكرم الخلق، وعلو المنزلة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من خير العرب نفسا، ومن خيرهم نسبا، فهو خيار من خيار.
ومن أهم ما يجب أن يتحلى به الدعاة أن ينشئوا نشأة عملية، يعايشون فيها الناس على اختلاف مواطنهم ومذاهبهم وثقافاتهم، كما أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمعايشة: بني سعد، والرعاة، والتجار، واليهود، والنصارى، وأهل مكة، الأمر الذي مكنه بعد ذلك من التعامل الجيد مع الناس جميعا.
ومما يجب أن يتحلى به الدعاة مكارم الأخلاق؛ لأن ذلك أدعى للثقة، وأقوى في التصديق.
وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهر بين قومه بالصدق والأمانة، وكان الغرباء عن مكة يسألون عن خلق رسول الله، فإذا علموا تميزه بالخلق الكريم أقبلوا عليه.
والداعية وارث النبي صلى الله عليه وسلم في مهمته الإرشادية، والقائم مقامه في إبلاغ دين الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرشد المسلمين إلى ذلك، فقال لأصحابه: "ألا ليبلغ
الشاهد منكم الغائب"1، وقال: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" 2.
وحتى يتمكن المسلمون من القيام بهذه المهمة قضى الإسلام يتخصيص فئة معينة للقيام بها، فما صح ولا يصح أن تقوم الأمة كلها على تخصص واحد، وتهمل سواه، وقد بين الله تعالى أن على الناس ألا يتجمعوا كافة على غرض واحد، ولو كان هو الجهاد، فقال تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} 3.
يقول علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة، هي السرايا، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل الله بعدهم قرآنا تعلمه القاعدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك معنى:{لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أي: يتعلم القاعدون ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرونه4، ويمثل ذلك فسر مجاهد وقتادة الآية.
وهذا التفسير ينهى عن التجمع الكامل للنفير، ويحث على بقاء جماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم لمتابعة تعاليم الدعوة، وذلك هام في حد ذاته؛ لأن التفقه للدعوة أمر ضروري، وهذا الوجه في تفسير الآية مقبول5؛ لأن النبي مصدر العلم، والقعود معه يحقق التفقه والتعليم، من غير سفر أو رحيل.
1 صحيح البخاري ج1 ص37 - كتاب العلم- باب ليبلغ الشاهد منكم الغائب.
2 الفتح الرباني ج1 ص264 - كتاب العلم - باب فضل تبليغ الحديث.
3 سورة التوبة الآية 122.
4 تفسير ابن كثير ج3 ص87.
5 وهناك توجيهات أخرى للآية، وهي أن تخرج طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الجهاد قصد النفقة؛ ليعلموا غيرهم بعد الرجوع إليهم في المدينة، أو تعليم المجاهدين إذا التقوا بهم بعد المعركة.
وإن طلب جماعة لعلوم الدعوة فرض كفاية كالجهاد تماما؛ لأنهما معا يؤديان إلى حفظ الدين واضحا من غير تحريف، وإلى حمايته قويا بلا اعتداء، بل إن الدفاع عن الدين بالكلمة أحيانا يكون أجدى من الجلاد عنه بالسيف.
هذا وقد أخذ الشاطبي1 من قوله: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} أن الدعاة المنذرين قائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قال له: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} فالإنذار في الآيتين عمل مشترك يقوم به النبي وأتباعه من بعده على وتيرته.
ولئن كانت مهمة النبي في زمنه صلى الله عليه وسلم صعبة، فإن مهمة الدعاة اليوم كذلك؛ لأن الهدف واحد وهو مخاطبة القلوب بالحكمة، ومجادلة المخالفين بالحسنى، وما أكثرهم اليوم ككثرتهم أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
ولئن كان الوحي ينزل بالدين على رسول الله جزءا جزءا، فإن ما نزل منجما قد جمع وحفظ كله ليبقى بجملته مع الدعاة زادا لهم، وأملا لدعوتهم في النصر والبقاء.
ولئن عز الأشخاص المميزون فواجب على الأمة المسلمة أن تتخير وتعلم وتدرب، وكما تبذل جهودا لتخريج الأطباء والمهندسين والضباط، فعليها أن تبذل الكثير لإيجاد الداعية الكفء الذي يفيد الدين والناس جميعا.
والدعاة اليوم هم المبشرون المنذرون، الحاملون صوت النبوة، المكلفون بالوصول بها إلى كل مكان في الوجود.. وقد قدر الله للدعوة أن تظل باقية في كتبها محفوظة بأمره، لكن الذي يجب أن يكون اليوم هو وجود الداعية الكفء الذي يتخذ الرسول أسوته، ويحاول أن يستجمع ما اتصف به على قدر طاقته و {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} .
ولا بد في تكوين الداعية أن يكتسب بعض الصفات الضرورية التي تجعله ذا صلة قوية
1 الموافقات ج4 ص245.