الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
…
المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
بعد أن كُلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة تحول نشاطه إلى العمل بالتبليغ، وسيطرت عليه جوانب الرسالة سيطرة كاملة.
فهو صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من الله، ويبلغه لمن حوله، ويدعو به كل مَن بلغ، ويبذل في سبيل هذا وقته وجهده ونشاطه كله.
وكانت زوجته معه خير رفيق لهذه الرحلة الكريمة الشاقة..
وحيث إن الفصل التالي خاص بحركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الناس، وهو بذلك متضمن للرسول محمد، ورسالته في الفترة المكية، فإني أورد هنا أهم الأحداث المتصلة بالسيرة المحمدية موضوع الفصل.
وتتميما لجوانب السيرة الشخصية لمحمد صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية، فإني سأورد الملامح العامة لسيرة محمد صلى الله عليه وسلم خلال هذه الفترة مع التركيز على ما له صلة بالجانب الشخصي عنده صلى الله عليه وسلم، وبذلك نقدم السيرة لننتقل إلى حركته صلى الله عليه وسلم بالدعوة بعد ذلك.
ولهذا سوف يتضمن هذا المبحث عددا من المواقف التي تحدد مسار السيرة النبوية، وهي:
أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة في بيئة متآلفة متحابة، فلقد كان صلى الله عليه وسلم يربي عليا، وينفق عليه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، بالإضافة إلى زوجته وأولاده.
فتكونت بذلك جماعة متآلفة تجعل حركة الحياة في إطارها سهلة ميسرة، وهذا من فضل الله على محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليقوم بمهام الرسالة على وجهها.
فلقد آمنت خديجة رضي الله عنها بالرسالة من لحظتها الأولى، وأخذت تطمئن محمدا صلى الله عليه وسلم وتسري عنه، وتفسر له ما يرى في الغار بما يربحه ويرضيه، وتشاركه في مشاغله ومسائله، يقول ابن إسحاق: وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاء به من الله، وآزرته على أمره، فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسوله، لا يسمع بشيء يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبته، وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، يرحمها الله تعالى1.
وكانت رضي الله عنها عاقلة حكيمة، تكون حيث يكون، وتحب ما يحبه، وتتمنى ما يتمناه، آمنت بالدعوة، وعبدت ما كان يعبد في صدق وإخلاص.
جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه الوضوء والصلاة بطريقة عملية، ففي الخبر: أن جبريل أتى محمدا صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت له منه عين، فتوضأ جبريل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيفية الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل يتوضأ، ثم أقام به جبريل فصلى به، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته.
ولما انصرف جبريل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة، فتوضأ أمامها، يريها كيفية الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى لها كما صلى به جبريل، فصلت بصلاته2.
ثم إن على بن أبي طالب رأى رسول الله وخديجة يصليان فقال: ما هذا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، وإلى عبادته، وإلى الكفر باللات والعزى".
1 سبل الهدى والرشاد ج2 ص402.
2 سبل الهدى والرشاد ج2 ص398.
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب ليأذن لي فيه.
وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي علي سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له:"يا علي، إذا لم تسلم فاكتم هذا".
فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله تبارك وتعالى أوقع في قلب علي الإسلام فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد".
ففعل علي رضي الله عنه وأسلم1.
وأما زيد بن حارثة فقد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صغره مولى له؛ لأن خديجة اشترته ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم وعمره ثماني سنوات، وهو من أوائل من أسلم حتى قال بعضهم: إنه أسلم قبل علي بن أبي طالب، وبقي في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن باسمه في قصة زواجه بزينب بنت جحش2، يقول تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} 3.
1 سبل الهدى والرشاد ج2 ص403.
2 انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص140-142 بتصرف.
3 سورة الأحزاب آية 37.