الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الوضوء
فرائضُ (1) الوضوءِ سِتٌّ: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ على الأصح، أو فرضيتِه أو استباحةِ (2) ممنوعٍ بلا طَهارةٍ، ولو مع تَبَرُّدٍ، عند غسلِ الوجهِ عَلَى المَشهُورِ، وقيل: أولَ الوضوءِ، ولا يَضُرُّ فصلٌ يَسِيرٌ على الأشْهَرِ، وشُهِّرَ خلافُه، وعن ابن القاسمِ - فيمن مَرَّ إلى حمَّامٍ أو لنهرٍ بِنِيَّةِ غسلِ الجنابةِ فنَسِيَها عند غسلِه - الإجزاءُ، وجَعَلَه كمَنْ أَمَرَ أهلَه فوضعوا له ماءً يَغْتَسِلُ به، وقال سحنون: يُجزئُ في النهرِ فقط. وقيل: لا يُجزئ فيهما.
واغتُفِرَ إِنْ عَزَبَتْ بَعْدَه أو رَفَضَها عَلَى المَشهُورِ، أو نَوى حدثاً ناسياً غيرَه كأَنْ ذَكَرَه ولم يُخرجه، وإلا فسد كإخراجِ أحدِ الثلاثةِ (3)، أو أَخرج بعضَ (4) مستباحٍ عَلَى المَشهُورِ، وثالثها: يَستبيحُ المَنْوِيَّ، وفَسَدَ إن ترك لُمْعَةً فانغَسَلَتْ بنيةِ فضيلةٍ، أو قال: إن كنت أَحْدَثْتُ فَلَهُ. أو جَدَّدَ فظَهَرَ حَدَثُه، أو نوى ما يُستحب له الوضوءُ كالتلاوةِ، عَلَى المَشهُورِ في الأربعةِ، ولو نوى مطلقَ الطهارةِ لم يُجزئه، ولو خصَّ كلَّ عضوٍ بنيةٍ مع قَطْعِ النظرِ عما بعده فَسَدَ، وعن ابن القاسم: يُجزئه. وعليه يَمسح لابسُ أحدِ الخفين قبلَ غَسْلِ الأُخرى إذا أَحْدَثَ [4/ب] لا على الأَوَّلِ. وأما مَن أَحْدَثَ في أثناءِ غُسله ولم يُكْمِلْ وضوءَه، ثم أَكْمَل ولم يُجَدِّدْ نيةً فظاهرُها - كقولِ القابسي - الإجزاءُ، خلافاً لابن أبي زيد؛ بناءً على أن الدَّوَامَ كالابتداءِ أَوْ لا.
(1) في (ح2): (فصل فرائض).
(2)
في (ح2): (استباحته).
(3)
يعني: رفع الحدث، والفرض، واستباحة الممنوع.
(4)
في (ق2): (واغتفر إن أخرج بعض)، وفي (ح2):(أو إخراج بعض).
الثانية: غَسْلُ جميعِ الوجهِ مع وَتَرَةِ أنفٍ (1) وأسارِيرِ جَبْهَةٍ (2)، وظاهِرِ شفتيه، لا جرحٍ بَرِئَ على غَوْرٍ، أو خُلِقَ غائِراً، وهو ما بين مَنْبِتِ شعرِ رأسٍ معتادٍ، ومنتهى ذَقَنٍ، وبين الأذنين، وقيل: العِذَارَيْنِ، وثالثُها: في ذي الشعر - العِذَارَيْنِ بخلافِ غيرِه.
وقال عبد الوهاب ما بين الأذن والعذار سنةٌ، ويَجِبُ غسلُ ما اسْتَرْخَى مِن لحيةٍ على الأظهرِ (3)، وتخليلُ شعرٍ تَظهرُ البَشَرَةُ منه، وقيل: مُطْلَقاً، وقيل: في الكثيفِ. واستُظْهِرُ، ولا يَجِبُ غَسْلُ ما تحت ذَقَنٍ.
الثالثة: غَسْلُ يديه لمِرْفَقَيْهِ، وقيل: دُونَهما، وقيل: وجوبهما لزوالِ مشقةِ التحديدِ، وقيل لتحقيقِ الوجوبِ، فلو قُطِعَ المرفقُ - سَقَطَ وغَسَلَ ما بَقِيَ منه ومِن مِعْصَمٍ، ككَفٍّ بمَنْكِبٍ. ويَجِبُ تخليلُ أصابِعهما، وقيل: يُنْدَبُ. ولا يُعِيدُ مَن قَلَمَ أظفارَهما. وفي تحريكِ الخاتَمِ، ثالثُها: يَجِبُ في الضَّيِّقِ، وقيل: يُنْزَعُ.
الرابعة: مسحُ رأسِه كُلِّه، وما على عَظْمِ الصُّدْغَيْنِ للرَّجُلِ والمرأةِ، وما استرخى مِن شعرِهما، ولا يَنْقُضَانِ المضفورَ بخيطٍ يسيرٍ مِن قُطْنٍ أو صوفٍ ونحوِه، إلا ما كَثُرَ كحَائِلٍ مِن حناءٍ وغيرِه، ويدخلان يديهما تحته في رَدِّ المَسْحِ، وقيل: ليس لرجُلٍ ضَفْرُ شعرِه، ولا يُجزئ ثلثاه خلافاً لابن مَسْلَمَةَ، ولا ثلثُه خلافاً لأبي الفَرَجِ، وعن أشهب: تُجزئ الناصيةُ، وعنه الإطلاقُ، وقال: يجزئه (4) إن لم يَعُمَّه، وغسلُه يُجزئ. وثالثُها: يُكره ويَنوب في الغُسل اتفاقاً. ولا يُعِيدُ مَسْحَه مِنْ حَلْقِهِ خلافاً لعبد العزيز، وفي لحيته قولان.
(1) وترة الأنف: هي الحاجز بين طاقتي الأنف، من منح الجليل: 1/ 78.
(2)
أسارير الجبهة أي خطوطُها، جمعُ أَسِرَّةٍ، واحدُه سِرَارٌ كزِمَامٍ، أو جمعُ أَسْرَارٍ كأعنابٍ، واحدُه سِرَرٌ كعنب، فأساريرُ جمعُ الجمعِ على كلِّ حالٍ، بتصرف من الشرح الكبير، للدردير: 1/ 86.
(3)
انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب: 1/ 19، وجامع الأمهات، ص:48.
(4)
في (ح1، ح2): (وقيل: تجزئه).
الخامسة: غَسْلُ رِجْلَيْهِ، وحكمُ الكَعْبَين - وهما الناتِئَتَانِ في السَّاقَيْنِ، وقيل عند مَعْقِدِ الشِّرَاكِ- كالمِرْفَقَيْنِ. ويَجِبُ تخليلُ أصابعِهما، وقيل: يُندب، ورُوِيَ الإنكارُ. ويجب الدَّلْكُ عَلَى المَشْهُورِ، وثالثُها: واجبٌ لا بِنَفْسِه، بل لتحَقُّقِ إيصالِ الماءِ للبَشَرَةِ، ونَقْلُ الماءِ للمُنْغَمِسِ غيرُ واجبٍ، ولِمَنْ أَخَذَه ونَفَضَه مِن يديه ثم مَرَّ بهما على العُضْوِ واجبٌ، وفي غيرِهما خلافٌ (1).
السادسة: المُوَالاةُ، وقيل: سُنَّةٌ. وشُهِّرَ أيضاً، واغْتُفِرَ فَصْلٌ خَفَّ، وفي غيرِه ثلاثةٌ لابن وهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم، ثالثُها: يُغتفر مع النسيانِ، وكذا العَجْزُ عَلَى المَشهُور، ثالثُها: إِنْ أَعَدَّ ما يَكفيه فصُبَّ أو غُصِبَ فكالناسي، وإِنِ اعْتَقَدَ أنه يَكفيه فتبين خلافُه - فكالعامِدِ، وعَلَى المَشهُورِ ففي النسيان يَبْنِي بِنِيَّةٍ مُطْلَقاً، وفي العَجْزِ ما لم يَطُلْ بجفافِ أعضاءٍ في زمانٍ معتدلٍ (2)، وقيل بالعُرْفِ. فإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ ذِكْرِه بَطَلَ، فإن لم يجد ماءً فكالعاجزِ، وقال عبد الملك: يَبْطُلُ إلا في الرأس (3). وقيل: إلا في الممسوح بَدَلاً لا أَصْلاً. ولا يَمْسَحُ رأسَه ببَلَلِ لحيتِه، بَلْ بماءٍ جديدٍ [5/أ] خلافاً لعبدِ الملك (4).
ويُعيد أبداً - إِلَّا غَسْلَ رِجليه - بَعْدَ جفافِ وَضوئِه.
وزِيدَ الماءُ المُطْلَقُ، ورُدّ بأنه ليس مِنْ فِعْلِ المكلفِ، وأُجيبَ بأنَّ المرادَ إعدادُه، ورُدَّ بأنه وسيلةٌ.
(1) في (ق1): (قولان).
(2)
في (ح1، ح2): (زمن معتدلين).
(3)
قال في الواضحة، ص:133: "وإن كان ما نسي مما يمسح مثل الرأس أو الخفين، فإنما يقضي ذلك وحدَه، وليس عليه أن يبتدئ له وضوءه".
(4)
قال في الواضحة، ص:135: "سألت ابن الماجشون عن الرجل ينسى المسحَ برأسه، وفي لحيته بللٌ، فأراد أن يَمسح ببَلَلِ لحيتِه. فقال لي: إن كان الماء منه قريبًا فلا يَفعل، وليأخذ الماءَ لرأسِه، وإن بَعُدَ عنه الماءُ فلا بأسَ أن يَفعل إذا كان بللاً بيناً فيه".
وسننه ثمانٍ:
غَسْلُ يَدَيْهِ قَبْلَ دخولِهما الإناءَ عَلَى المَشْهُورِ. وقيل: مستحبٌّ ثلاثاً تَعَبُّداً. وقال أشهب: تنظيفاً. فعَلَى التعبدِ يَغسلهما مفترقتين بِنِيَّةٍ، ويُعيدُ إِنْ أَحْدَثَ في خلالِه أو بعدَه ونَوَى إِنْ قَرُبَ، لا على التنظيف، فإن بَعُدَ أو مَسَّ نجاسةً فاتفاقٌ، ولو مسَّ الماءَ قَبْلَ غسلِ يديه فعلى ما مَرَّ، وقيل: إن كان جُنُباً لا يَدري ما أَصاب يدَه مِن ذلك أَفْسَدَه. وقيل: لا؛ كأن مَسَّ بها فَرْجَهُ. مالكٌ: ولو انتبه أهلُ بيتٍ أو خدمٌ، فاغْتَرَفُوا مِنْ جَرَّةٍ ونحوِها بيدهم لم يُفْسِدْهُ.
الثانيةُ، والثالثةُ: المضمضة، والاستنشاق، وقيل: فضيلتان، وهو جذبُ الماءِ بِأَنْفٍ، وبالَغَ غَيْرُ صائِمٍ (1).
والرابعة: نَثْرُ الماءِ مِنْ أنفِه بِنَفَسِهِ وإِصبعيه على مَارِنِه (2)(3)، والاستنشاقُ بغَرْفَةٍ ثلاثاً كالمضمضةِ، أو الكلّ بغرفةٍ أو بثلاثٍ، وفعلُهما بسِتٍّ أَوْلَى، ومَن تَرَكَهما ناسياً وصلَّى - فَعَلَهما لما يُسْتَقْبَلُ، وفي العمدِ ثالثُها: يُعيدُ الصلاةَ بوقتٍ.
والخامسةُ: مسحُ أذنيه عَلَى المَشهُورِ، ظاهرهما بإبهاميه وباطنهما بسبابتيه (4)، ويجعلهما في صِمَاخَيْهِ، وقيل: فرضٌ. وقيل: باطِنُهما سُنَّةٌ. وفي ظاهرِهما - وهو ما يَلِي الرأسَ، وقيل: ما يُواجه - خلافُ ابن حبيب، ولا يَتْبَعُ غُضُونَهُما كالخفين.
والسادسة: تجديدُ الماءِ لهما، وقيل: مستحَبٌّ. وقيل: هو مع المَسْحِ سنةٌ واحدةٌ، وعليه الأكثرُ.
والسابعة: رَدُّ يديه في مَسْحِ رأسِه، ولو بدَأَ مِن مُؤَخَّرِهِ، وقيل: مستحبٌ.
(1) من بعد قوله: (الثانية والثالثة) يوجد تقديم وتأخير في (ح2، ق1) والمعنى واحد، والمثبت من (ح1، ق2).
(2)
قوله: (على مارنه) ليس في (ح1، ق2).
(3)
مارن الأنف هو ما لان مِنْهُ دُونَ العَظْمِ (من شرح الخرشي: 8/ 37).
(4)
قوله: (وباطنهما بسبابتيه) ليس في (ق1).
والثامنة: ترتيبُ فرائضه على الأظهر، وروي: وجوبه. وثالثُها: واجبٌ مع الذُّكْرِ. وقيل: مستحبٌ.
وعلى السُّنَّةِ لو نكَّسَ عامداً (1) أعاد، وقيل: لا، وناسياً بحضرةِ الماءِ، فإنْ بَعُدَ أعاد المنكَّسَ خاصةً عند ابنِ القاسمِ، ومع ما بعده عند ابن حبيب (2).
وفضائُله: ترتيبُ سننِه، وكذا مع فرائضِه، وقال ابن حبيب: سنةٌ. ومكانٌ طاهرٌ، وتَيَمُّنِ أعضائِه، ووضعُ إناءٍ عن يمينٍ إِنْ أَمْكَنَ دخولُها فيه، وتجديدُه بعد صلاة، وسواكٌ بأَراكٍ، والأخْضَرُ لغيرِ الصائمِ أفضلُ، وكَرِهَهُ ابنُ حبيب بعُودِ الرُّمَّانِ والرَّيْحَانِ للطَّبِّ، فإِنْ لم يَجِدْ فبإصبعِه.
واستُحْسِنَ عودُه لصلاةٍ بَعُدَتْ منه، وقِلَّةِ ماءٍ مع إِحكامِه وإسباغِه كالغُسْلِ، وقال ابن شعبان: لا يُجزئُ أقلُّ مِنْ مُدٍّ فيه وصاعٍ في الغُسْلِ. وأَنْكَرَ مالكٌ تحديدَه بقَطْرٍ أو سيلان (3).
وبداءةٌ بمُقَدَّمِ رَأْسٍ، وقيل: سُنَّةٌ. وقيل: يَبْدَأُ مِن مؤخّرِهِ. وقيل: من وسطِه ذاهباً إلى وجهِه ثم إلى قفاه، ثم يردّ (4) إلى محلِّ البدايةِ، وقال إسماعيل القاضي: يَبدأ مِن مُقَدَّمِه إلى (5) مؤخره، ثم يَرُدُّ إلى المقدم. وقيل: يَبدأ مِن المقدم فيُلْصِقُ به أصابعَه ويَرْفَعُ راحتيه عن فَوْدَيْهِ (6) ويُمِرُهما [5/ب] إلى قفاه، ثم يرفعُ أصابعَه ويُلْصِقُ رَاحَتَيْهِ بِفَوْدَيْهِ ثم يَردهما إلى
(1) في (ح2): (متعمدا).
(2)
الواضحة، ص:130.
(3)
في المدونة:1/ 119: "قال: وسمعت مالكاً يذكر قول الناس في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، قال: فسمعته وهو يقول: قطراً قطراً، استنكاراً لذلك".
(4)
في (ح2): (يرده).
(5)
في (ق1): (أو).
(6)
فَوْدا الرأْس: جانباه. انظر: لسان العرب: 3/ 340.
مقدَّمِه، وانفرد بهذا ابنُ (1) الجلاب، وقال: اخترتُها لئلا يتكررَ المَسْحُ (2)، ورُدَّ بعَدَمِ كراهتِه إلا بماءٍ جديدٍ.
والغَسْلَةُ الثانيةُ والثالثةُ فضيلةٌ، وقيل: كلاهما سنةٌ. وقيل: الثانية سنةٌ، والثالثة فضيلةٌ. وعن أشهب فرضيةُ الثانيةِ.
وهل الرِّجْلَانِ كذلك أَوْ لا تحْديدَ فيهما؟ قولان مشهوران، وتكره الزيادة، وقيل: تمنع، وعليه الأكثر (3)، ولو شكَّ هل غَسَلَ ثلاثاً أو اثنتين فقيل: يَأتي بأخرى، وقيل: لا. وهو الظاهرُ.
وتسميةٌ عَلَى المَشهُور، ورُوي التخييرُ والإنكارُ. وقال: أَهُوَ يَذْبَحُ؟ (4) وقال ابن زياد: تُكره.
ولا تُشرع في حجٍّ، وعمرةٍ، وأذانٍ، وذِكْرٍ، وصلاةٍ، ودعاءٍ.
وتُكره في فعلِ المحرَّمِ والمكروهِ.
وتُشرع في طهارةٍ، وابتداءِ طوافٍ وتلاوةٍ ونومٍ وذَكاةٍ وأَكْلٍ وشربٍ، وركوبِ دابةٍ وسفينةٍ، ودخولِ مسجدٍ ومنزلٍ، وخروجٍ منهما، ودخولِ خلاءٍ، ولبسِ ثوبٍ ونزعِه، وغلقِ بابٍ، وإطفاءِ مصباحٍ، ووطءٍ مباحٍ، وصعودِ خطيبٍ منبراً، وتغميضِ ميتٍ، ووضعِه في لَحْدِه.
(1) في (ح2، ق 1): (في).
(2)
التفريع، لابن الجلاب: 1/ 18.
(3)
من قوله: (مشهوران) سقط من (ح1).
(4)
هذا أحد أقوال مالك في المسألة، الإنكار على المسمي عند الوضوء. انظر: الذخيرة: 1/ 284، والثمر الداني، ص:47.