الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استنتاج من حالة الفقهاء في المدة السالفة:
إذا أمعنت النظر في تراجم هؤلاء الرجال، علمت صدق ما قلناه من دخول الفقه مدة القرنين الثالث والرابع في طور الكهولة، ولا سيما في الرابع وذلك لأمور.
أولها: شيوع التقليد بين العلماء حتى اضمحل الاجتهاد المطلق من الأمة شيئا فشيئا آخر القرن الثالث، ولم يبق في جل الرابع مجتهد مطلق كما تقدم في كلام النووي وإن ادعاه أحد، أنكر عليه، ونوزع فيه وتقدم بسط ذلك أول هذا القسم.
الثاني: ظهور فساد الأخلاق، وراجع نظم عظيم القسطنطينية في ترجمة الققال الشاشي من الشافعية يتبين لك ما ظهر إذ ذاك من التكالب على الدنيا بالرشا والزور وضياع الحقوق، بل كانوا يضمنون القضاء بمعنى أنهم يولونه من يضمن أن يدفع قدرا من المال كل سنة أو كل شهر كما فعلوا في بقية الولايات، وأول من ضمن القضاء 497- عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب: سنة 350 أيام معز الدولة بن بويه سماه قاضي القضاة في بغداد على أن يؤدي مائتي ألف درهم كل سنة، ثم صار ذلك أمرا مألوفا، كما صاروا يضمنون الحسبة والشرطة، فمن هناك ابتدأ خراب الفقه، بل الإسلام، وفساد
الدين الطمع، وصلاحه الورع، وهاك قضية وقعت في الأندلس أيام الخليفة الثامن لبني أمية عبد الرحمن الناصر في القرن الرابع، وذلك أنه احتاج إلى تعويض أرض قبالة منزله يجعلها منتزها كانت حبسا توضع فيها الأزبال.
فراود الفقهاء في أن يعوضها بأحسن منها بكثير ثمنا وغلة، فامتنعوا كليا، فلما أيس منهم، بعث إليهم وقاضيه ابن بقي معهم الذي هو رئيسهم، وخرج إليهم بعض وزرائه موبخا لهم بقوله: يقول أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا أكلة أموال الأيتام ظلما، يا شهداء الزور، يا آخذي الرشا، وملقني الخصوم، وملحقي الشرور، وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لاتباع الشهوات تبا لكم ولآرئاكم، فهو -أعزه الله- واقف على فسوقكم قديما وخونكم الأمانة، مغض عنكم صابرا، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجته مرة في دهره، فلم يسع نظركم للتحليل عليه ما كان هذا ظنه فيكم، ليقارضنكم من يومه، وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم، وكلاما في مثل هذا.
فبدر منهم شيخ ضعيف المنة إلى الاعتراف، واللياذ بالعفو والاستقالة والتوبة، فالتفت إليه كبيرهم محمد بن إبراهيم بن حيونة وكان ذا منة، فقال: عم تتوب يا شيخ السوء نحن براء إلى الله من مقامك، ثم أقبل على الوزير المخاطب لهم، فقال: بئس المبلغ أنت، وكل ما ذكرته على أمير المؤمنين مما نسبته إلينا، فهو صفتكم معاشر خدمته أنتم الذين تأكلون أموال الناس بالباطل، وتستحلون ظلمهم بالإخافة، وتجيعون معايشهم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق، أما نحن، فليست هذه صفاتنا ولا كرامة لا يقوله لنا إلا متهم في دينه، فنحن أعلام الهدى، وسرج الظلمة بنا يتحصن الإسلام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائش، وتثبت الحقوق، وتحصن الدماء، وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه لنا وقال بالغيظ ما قاله تأنيت بإبلاغنا، وسألته بأهون من إفحاشك، وعرضت لنا بإنكاره، ففهمنا عنك، وأجبناك عنه بما يجب، فكنت تزين على السلطان، ولا
تفشي سره، وتستحيينا قليلا، فلا تقابلنا بما استقبلنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين أيده الله لا يتمادي على هذا الرأي فينا، وأنه سيراجع بصيرته في تعزيزنا، فلو كنا عنده على الحال التي وصفتها عنه -ونعوذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه وعقده وحله من أوله خلافته إلى هذا الوقت، فما ثبت له كتاب حرب ولا سلم، ولا بيع ولا شراء، ولا صدقة ولا حبس، ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا هذا ما عندنا والسلام.
ثم قام وتبعه أصحابه منصرفين، فوجه من ردهم وأكرمهم، وجبر خواطرهم، واعتذر عما فعله الوزير، وأمر لهم بكسوة وصلة لكل واحد علامة رضاه عنهم، وانصرفوا.
وكان أحد الفقهاء وهو محمد بن يحيى بن لبابة معزولا عن الشورى، فبعث للسلطان يقول: لو لم أكن معزولا لترخصت لمولانا وأفتيته بالجواز، وتقلدت ذلك، وناظرتهم بالحجة، فقد حجروا واسعا، فرده الناصر للشورى، ثم رفع إليهم مسألة ثانيا، فأصر الجميع على المنع، وتصدى ابن لبابة فقال: إن قول مالك هو الذي قاله الفقهاء، وأما العراقيون فلا يجيزون الحبس أصلا وهم علماء أعلام يهتدي بهم أكثر الأمة، وحيث دعت الحاجة أمير المؤمنين، فما ينبغي أن يرد عليه، وله في المسألة فسحة وأنا أقول بقول العراقيين، وأتقلد ذلك. فقال الفقهاء: سبحان الله تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا، ومضوا عليه، واعتقدناه وأفتينا به لا نحيد بوجه عنه وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه، فقال ابن لبابة: ناشدتكم الله ألم تنزل بأحدكم ملمة بلغت بكم إلى الأخذ بقول غير مالك ترخصا لأنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: فأمير المؤمنين أولى، فسكتوا فقال للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي، فجاء جوابه بتنفيذ فتوى ابن لبابة، وعوض بأملاك عظيمة القدر تزيد أضعافا، وتولى ابن لبابة خطة الوثائق، وعقد المعاوضة، وأمضى القاضي فتواه، وحكم بها، فلم يزل متقلدا خطتي الشورى والوثائق إلى أن مات رحمه الله سنة 336 ست وثلاثين وثلاثمائة ومنزلته كما هي لطيفة من السلطان. صح باختصار من "المدارك" لعياض.
وبهذه القضية وأمثالها يتبين أمامك ما آل إليه أمر الفقهاء، وتستنتج منها أحوال الأمراء إلا أن فقهاء الأندلس لم يقروا بخلاف فقهاء المشرق، فقد أقر الشاشي كل ما نسبه عظيم القسطنطينية لهم، وذلك لأن بني العباس كانوا في دور الانحطاط ببغداد بخلاف الأمويين بقرطبة، وما وقع من الناصر دليل أحوال ذلك الوقت، وإن السياسة غلبت الفقه، فصار تابعها لها على أنه أفضل من كل أمير بعده إلى زمن يوسف بن تاشفين اللمتوني.
وظهر في هذين القرنين أيضا كثرة الجدل بين علماء المذاهب لا بقصد إظهار الحق، ثم اتباعه، بل للاستطالة والحظوة أمام الحكام، فقد كانت المجالس تعقد لذلك في المساجد وأمام الوزراء والحكام بقصد التفاخر والتغالب والفلج.
وقد بسط حالهم الإمام الغزالي في "الإحياء" وبين آفات الجدل والمناظرة، وما المقصود منها في صدر الإسلام كزمن مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهم من إظهار الحق، ثم اتباعه؛ إذ لم يكونوا مقيدين بمذهب ملزمين به، بل لهم الحرية التامة في أفكارهم يميلون إلى الحق حيثما ظهر.
وقد صار الحال في التاريخ السابق إلى غير ذلك، وهو الانتصار للمذهب بأي طريقة كانت مع التقيد به، فكان العالم في بلاد المشرق من الشافعية، أو الحنفية غالبا إذا مات له قريبه، جلس بمسجد قريب من منزله، فيأتيه الناس للعزاء سبعة أيام يجتمعون عليه إما لتلاوة أو لمناظرة في المسائل، والانتصار لمذهب من المذاهب، فربما نشأ عن ذلك مشاجرات، بل لما كانوا يتناظرون في العقائد، كانت تقع مقاتلات، وتنشأ الحروب، فنبذوا ذلك، واقتصروا على المناظرة في المسائل الفرعية، لكن على الوجه المذكور.
ومن هنا نشأ علم المناظرة، وصار علما خاصا ويسمى بآداب البحث، وألفت فيه تآليف، وممن ألف فيه محمد بن سحنون في القرن الثالث، والقفال الكبير الشافعي في الرابع، كما سبق وغيرهما، وكان الملوك والوزراء يعقدون المجالس للمناظرة بحضرتهم ليعلموا حال علماء وقتهم ومن يستحق التقديم