الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تجديد الفقه:
إن تجديد الفقه إلى أن يعود لشبابه ممكن بعلاج، وبالكشف عن الداء يعرف الدواء، ولهذا نبين ما صار إليه في هذه القرون، ثم نتكلم على التقليد الذي هو السبب الأعظم في هرمه، ثم الاجتهاد الذي به الحياة. وأقول هنا كلمة مختصرة في كيفية تجديده وهي إصلاح التعليم فلنترك عنا الدراسة بكتب المتأخرين المختصرة، المحذوفة الأدلة المستغلقة ولنؤلف كتبا دراسية فقهية للتعليم الابتدائي، ثم الثانوي، ثم الانتهائي، كل بحسب ما يناسبه، ولنرب نشأة جديدة تشب على النزاهة والأمانة ومكارم الأخلاق تربية صحيحة دينية كتربية السلف الصالح، ولنمرنها على أخذ الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، والاشتغال بكتب الأقدمين التي كان يتمرن بها المجتهدون كـ"الموطأ" و"البخاري" و"الأم" للشافعي ولنجعل كتبا دراسية لأصول الفقه أيضا على نسق ما بينا في كتب الفقه، وهكذا النحو وسائر الفنون العربية، ولنجعل من جملة التعليم للفقهاء كتب الأحكام القرآنية والحديثية، وكأحكام ابن العربي والجصاص، وبلوغ المرام لابن حجر والمكشاة للتبريزي وأحكام عبد الحق، ويقع امتحانهم على ذلك، فبهذا يتجدد مجد الفقه.
ما صار إليه الفقه من القرن الرابع إلى وقتنا إجمالا:
إذا تأملت تراجم من سطرنا أمامك من الفقهاء، وتدحرج الفقه في تلك الأزمان تبين لك أن المجتهد المطلق لم يوجد من لدن القرن الرابع كما قال
النووي، وإنما هو أهل الاجتهاد المقيد، وهم مجتهدوا المذهب الذين لهم القوة على استنباط المسائل من الكتاب والسنة، وبقية الأصول، لكنهم مقيدون بقواعد مذهب إمامهم، وآخر هذا النوع كان في القرن الخامس كاللخمي والسيوري، والمازني وابن العربي، وابن رشد، ومعاصريهم من المذاهب الأخرى، يظهر أن آخرهم في المغرب الإمام عياض في أواسط السادس، ونشأ أئمة مجتهدون بالإطلاق زمن الموحدين كأبي الخطاب بن دحية وأخيه، وابن عربي الحاتمي، لكنهم قليلون، ولم يتضح لنا إطلاقا من كل وجه، فربما كانوا مقيدين بمذهب أهل الظاهرة، وقد صرح بذلك بعض من ترجم لهم، ففي "نفح الطيب" لما ترجم لابن عربي الحاتمي قال: إنه كان ظاهريا، وتقدم لنا ما يفيد ذلك.
وقد يوجد من يزعم الاجتهاد بإطلاق كابن وزير اليمني المتوفى سنة 816، وتقدم في الشافعية وغيره قليل، ثم تحولت الحال لمجتهدي الفتوى أصاحب الترجيح في الأقوال الذين ليس لهم أن يستنبطوا حكما لمسألة، وحسبهم أن ينقلوا ما استنبطه المتقدمون، ويرجحوا ما اختاروه من الخلاف بالحجج التي وصلوا إليها باجتهادهم المذهبي فأقول لهم: إنما يعبر عنها خليل وغيره بالتردد، ولو مع عدم نص المتقدمين كابن شاش وابن الحاجب وهذه الطبقة قد انتهت أواسط الثامن، ولم يبق بعدها إلا أهل التقليد المحض غالبا بمعنى أنهم قد حجروا عليهم ألا يأخذوا بكتاب ولا سنة ولا قياس، بل حسبهم أقوال المتقدمين من أهل مذهبهم وتطبيقها على الوقائع الوقتية، فنصوص مذهبهم قامت مقام نصوص الشارع، ويأتي مزيد بسط لهذا في ترجمة "هل انقطع الاجتهاد أم لا" ومن المتأخرين بعدهم من ادعى رتبة الترجيح والاختيار كأبي الفداء إسماعيل التميمي التونسي السابق وأمثاله، وذلك نادر.
ويوجد نوع آخر من الفقهاء نادر وهو من يمهر في أكثر من مذهب واحد، فيفتي لأهل مذهبين فأكثر، كالإمام ابن دقيق العيد، كان يفتي على مذهبي مالك والشافعي، ومثله الإمام محمد بن عمران المعروف بالكركي، وبابن الدلالات الفاسي الأصل المولود بها سنة 627 المصري الوفاة كما في "بغية الوعاة" وكان
الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري المصري شيخ الأزهر المتوفى سنة 1193 اثنتين وتسعين ومائة وألف يفتي على المذاهب الأربعة، وألف فيها جميعا، وذلك نادر.
ومن المتأخرين من ادعى رتبة الاجتهاد المطلق كالشوكاني في اليمن، ولكن لم يسلموه له، وأوذي بسبب ذلك، وعلى كل حال، فغالب العلماء من المائة الثامنة إلى الآن لم يحفظ لهم كبير اجتهاد، ولا لهم أقوال تعبير في المذهب أو المذاهب، وإنما هم نقالون اشتغلوا بفتح ما أغلقه ابن الحاجب، ثم خليل وابن عرفة، وأهل القرون الوسطى من المذاهب الفقهية؛ إذ هؤلاء السادة قضوا على الفقه، أو على من اشتغل بتواليفهم، وترك كتب الأقدمين من الفقهاء بشغل أفكارهم بحل الرموز التي عقدونها، فجنت الأفكار، وتخدرت الأنظار بسبب الاختصار فترك الناس النظر في الكتاب والسنة والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز التي لا غاية لها ولا نهاية، فضاعت أيام الفقهاء في الشروح، ثم في التحشيات والمباحث اللفظية، وتحمل الفقهاء آصارا وأثقالا بسبب إعراضهم عن كتب المتقدمين، وإقبالهم على كتب هؤلاء، وأحاطت بعقولنا قيود فوق قيود،، وآصار فوق آصار، فالقيود الأولى التقيد بالمذاهب وما جعلوا لها من القواعد، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول، الثانية أطواق التآليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح، واختصروا في الشروح، فأصبحت هي أيضا محتاجة لشروح وهي الحواشي، وهذا هو الإصر الذي لا انفكاك له، والعروة التي لا انفصام لها، أحاطوا بستان الفقه بحيطان شاهقة، ثم بأسلاك شائكة، ووضعوه فوق جبل وعر بعدما صيروه غثا، وألقوا العثرات في طريق ارتقائه، والتمتع بأفيائه، حتى يظن الظان أن قصدهم الوحيد جعل الفقه حكرة بيد المحتكرين، ليكون وقفا على قوم من المعممين، وأن ليس القصد منه العمل بأوامره ونواهيه وبذله لكل الناس، وتسهيله على طالبيه، بل القصد قصره على قوم مخصوصين، ليكون حرفة عزيزة، وعينا من عيون الرزق غزيرة، وحاشاهم أن يقصدوا شيئا من هذا لأنه ضلال في الدين، وإنما حصل من دون قصد، فيا لله
أين نحن من قوله عليه السلام: "سددوا وقاربوا" 1، وقوله:"بلغوا عني ولو آية، فرب مبلغ أوعى من سامع" 2 وقوله: "لأن يهدي الله بك رجلا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت" 3 ولله در عبد العزيز اليحصبي الأخبش حيث قال: "هذه الأعمار رءوس أموال يعطيها الله للعباد يتجرون فيها، فرابح أو خاسر، فكيف ينفق الإنسان رأس ماله النفيس في حل مقفل كلام مخلوق مثله، ويعرض عن كلام الله ورسوله الذي بعث إليه". ا. هـ.
وليتنا نمرن طلبة الفقه على النظر في الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام وحفظها وفهمها فهما استقلاليا يوافق ما كان يفهمه منها قريش الذين نزل بلغتهم، وعلى النظر في السنة الصالحة للاستدلال وحفظها وإتقانها وفهمها، كذلك، ونمرنهم على قواعد العربية.
وأصول الفقه، ثم نترك لهم حرية الفكر والنظر كما كان عليه أهل الصدر الأول، ولن يصلح آخر الأمة إلا ما صلح عليه أولها، وهذا العمل أنجح من السعي في توحيد المذاهب، أو ترجيح أحدها.
1 أخرجه أحمد "5/ 282"، والدارمي "1/ 168"، من حديث الوليد بن مسلم ثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي عن ثوبان، وهذا سند حسن، وصححه ابن حبان "164"، وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن عمر.
2 الحديث ملفق من حديثين، أولهما. حديث عبد الله بن عمر بن العاص أخرجه البخاري "6/ 361"، بشرح الفتح بلفظ "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار" والثاني حديث أبي بكر أخرجه البخاري "3/ 459" بشرح الفتح وفيه "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" وأخرجه مسلم "1679"، بلفظ مقارب.
3 أخرجه الطبراني من حديث أبي رافع، وفي سنده مجهول وأخرجه البخاري في صحيحه "7/ 366، 367" بشرح الفتح ومسلم "2406" من حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه حين أعطاه الراية في غزوة خيبر "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".