الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
منهم، ثم صار المقصود الافتخار بذلك ليقال: إن مجلس السلطان أو الوزير مجلس علم ومناظرة، ولله در خفاجة إذ يقول عن أهل وقته:
درسوا العلم ليملكوا بجدالهم
…
فيها صدور مراتب ومجالس
وتزهدوا حتى أصابوا فرصة
…
في أخذ مال مساجد وكنائس
وقال الإمام الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل.
ومن تتبع تاريخ مجالس المناظرات العلمية التي ينال صاحب الظهور فيها رياسة أو جائزة أو ظهورا، لا يجدها قط جاءت بفائدة إظهار الحق، ومحو الخلاف، بل تكون بالعكس، فبسببها يزداد الخلاف تصلبا وثبوتا؛ إذ الفصاحة والبلاغة لا تعد مناسجها إيجاد أثواب تغطي وجه الحق إذا دعمت بعيدان النفوذ، وطليت بطلاء السياسة.
ومتنت بأطناب الرياسة والأغراض، ولينظر العاقل للمجالس المحدث عنها ماذا كانت نتيجتها، وإلى المجالس التي كان المأمون العباسي يعقدها في إثبات خلق القرآن وغيرها وغيرها.
علم الخلافيات:
وعن الجدل نشأ علم الخلافيات، وممن ألف فيه ابن جرير الطبري حتى كان سبب محنته مع الحنابلة وغيره وغيره، راجع ترجمته.
وقد بين الإمام الغزالي آفات الاشتغال بعلم الخلاف وما يدخل به من الرزايا كالحسد والحقد والكبر والغيبة والتجسس بتتبع العورات والفرح لمساءة الناس والنفاق والرياء والاستنكاف عن الحق، لكونه ظهر على لسان الخصم والمخاتلة فيه مع تيقنه به إلى غير ذلك، وبين شروط جواز الاشتغال به وهي:
أن لا يترك ما هو أهم منه من فروض العين أو فروض الكفاية؛ إذ الفروض الكفائية تتفاوت بحسب حاجة الأمة إليها.
وأن يكون مجتهدا مطلقا حرا في فكره بحيث إذا ظهر له الحق، اتبعه أما إذا كان مقيدا بمذهب من المذاهب لا يخرج عنه، فلا فائدة فيه، وصار كالعبث، بل وبالا؛ لأنه يطلع على الحق، ولا يقدر أن يتبعه، ولكن هذا الشرط ليس بمسلم، فقد يعمل في خاصة نفسه إذا كان لا يقدر ألا يفتي للناس به.
وتقدم أن أحمد بن ميسر كان يقول في فتواه: إن الذي أذهب إليه كذا، وإن مذهب أهل بلدنا كذا؛ لأنهم مقيدون في الفتوى والحكم بمذهب معين لضياع الثقة، وظهور الرشا، فلم يكونوا يجعلون للحاكم أو المفتي حرية الاجتهاد؛ إذ ربما يجعلها في قضاء غرضه.
الشرط الثالث: أن يناظر في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع لا نادرة، ولا يشتغل بما لا يقع ويترك ما يقع.
الرابع: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، ولكنهم بالعكس، فإنهم في الخلوة لا يتناظرون وإنما تكون مناظرتهم أمام الملوك، وفي المجامع لتحصيل الشهرة ومعلوم ما في ذلك.
الخامس: أن يكون قصده طلب حق ولو على لسان خصمه، فيتبعه ويجازيه ولا يماريه، ولا يخاتله، وأن لا يمنعه من الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه أو قوي، بل يعينه.
السادس: أن يناظر من يتوقع منه الاستفادة. وقد ذكر الغزالي أن جل تلك الشروط كانت مفقودة في زمنه وعند الناس الذين أدركهم وفيما يقرب منه، فكيف بزماننا. وهذا أمر يقع كثيرا في العراق وفيما وراء النهر بين الحنفية والشافعية.
الأمر الثالث: أنه في القرن الرابع بدأت فكرة الاختصار والإكثار من جمع
الفروع بدون أدلة، وشرح تلك المختصرات، فبعد ما كانوا في القرن الثالث مصنفين مبتكرين كأسد بن الفرات وسحنون، وابنه، والبويطي، ومحمد بن الحسن، وأمثالهم، صار الحال في القرن الرابع إلى الشرح، ثم الاختصار والجمع، فانظر الفضل بن سلمة وابن أبي زمنين، وابن أبي زيد والبراذعي اختصروا "المدونة" في عصر متقارب، وهكذا نظراؤهم في عصرهم من المذاهب الأخرى كالمزني حيث اختصر مذهب الشافعي والاختصار لا يسلم صاحبه من آفة الإفساد والتحريف، فقد اعترض عبد الحق الإشبيلي مواضع من مختصر ابن أبي زيد القيرواني والبراذعي أفسدها الاختصار، وهكذا المزني اعترض عليه ابن سريج كما سبق في ترجمته.
ولا يخفى أن الاشتغال بإصلاح ما فسد هو غير الاشتغال بالعلم نفسه، فالرزية كل الرزية في الاشتغال بالمختصرات، فالاختصار والتوسع في جمع الفروع من غير التفات للأدلة هو الذي أوجب الكهولة بل القرب من الشيخوخة التي دخل فيها الفقه في القرون الآتية، فالفقه بقي مدة القرنين متماسكا كهلا قويا، ولله عاقبة الأمور.
وفي القرن الثاني والثالث ابتلي الفقه والفقهاء بداهية دهياء وهي التنافس المذهبي الناشء عن الخلافيات والجدل، وانتصار كل أهل مذهب لمذهبهم، كأنه دين مخالف لدين أهل المذهب الآخر.
يدلك على ذلك وقائع من التاريخ في المشرق والمغرب، وغالب ذلك له محرك، وهو التنافس على نوال الرياسة والقضاء.
ففي "معالم الإيمان" جزء في عدد 116 أن محمد بن عبدون لما ولي القضاء بعد موت سحنون بالقيروان، ضرب طائفة من أهل العلم والصلاح أصحاب سحنون، وطيف بهم على الجمال بغضا منه في مذهب مالك وأصحابه، منهم أبو إسحاق بن المضا، وأبو زيد بن المديني، فماتا على الجمال، وأحمد بن معتب وابن مفرج، وكان ابن عبدون حنفيا حتى قال الأمير إبراهيم:
لو ساعدته فيمن يشكوه لجعلت له مقبرة.
ثم في آخر القرن الرابع دهى الفقه المالكي في المغرب والقيروان داهية دهماء أدهى وأمر من كل ما مر وهي ظهور الشيعة الذين قتلوا أعيان علماء الملة الذين كانوا حاملين لواء العلم والدين، وحملوهم على الرجوع عن مذهب مالك وعن السنة، والتمسك بالرفض، فأبوا فقتلوهم شر تقتيل.
وانظر في "مدارك" عياض ترجمة أبي بكر بن هذيل وأبي إسحاق بن البرذون ومن عاصرهما كيف قتلا وسحبا في أذناب الدواب لعدم إفتائهما بمذهب جعفر بن محمد الذي سموه مذهب أهل البيت كسقوط طلاق البتة وإحاطة البنات بالميراث من أجل أن تكون سيدتنا فاطمة أحاطت بإرث أبيها مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي فائدة في هذا بعد ذهاب أربعة قرون حتى يضرب العلماء ويقتلوا لأجله.
وكم فعلوا من أفاعيل في القيروان، ثم بمصر لما غلبوا عليها، قتلوا العلماء، ومنعوا من أبقوه من التحليق في المساجد، ونشر العلم والفتيا إلا بمذهبهم.
وقد قتلوا في وقعة أبي زيد مخلد بن كيداد خمسة وثمانين من نخبة علماء القيروان حول المهدية رحمهم الله، وجعلوا دعاة لمذهبهم فرقوهم في الآفاق، كل ذلك توصل للسياسة والرئاسة، فكان من يأخذ عن العلماء إنما يأخذ سرا وعلى حال رقبة وخوف.
ومع هذا الضغط لم يقضوا على المذهب المالكي، بل بقي سرا ينتشر؛ لأن إرادة الشعب كانت خلاف إرادة الدولة، ولما تمكنت الأمة من المناهضة، محت دولة الرفض مرة واحدة، وظهر المذهب المالكي أتم ظهور، لكن بعد مرور نصف قرن وهو في التأخر والنقصان، وفي طي الخفاء، وهكذا كل شيء تلقته الأمة عن كره لا يكون له دوام ولا قرار، فالانتصار والانتشار إنما هو في حرية الأفكار.
انتهاء تاريخ الفقه القديم:
إن آخر القرن الرابع يعد آخر العلماء المتقدمين، وأول المتأخرين، فهو الفاضل بين التاريخ القديم للفقه والتاريخ الجديد بدليل ما ذكروه في ترجمة ابن زيد القابسي أنهما أول المتأخرين، وآخر المتقدمين.
انتهى القسم الثالث من الكتاب، ويليه القسم الرابع أوله الطور الرابع للفقه طور الشيخوخة والهرم والحمد لله أولا وآخرا.