الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: التكييف الشرعي لفتح (الحساب الجاري)
لابد من الكلام أولاً عن إيداع العميل أمواله لدى المصرف وتكييفه شرعاً، والذي ينبني عليه إعطاء المصرف للعميل بطاقة الصراف الآلي، ليسحب من أمواله المودَعة لديه، وهو ما يسمى بفتح الحساب الجاري.
وقد اختلف الفقهاء في تكييف هذه المسألة على أقوال، أشهرها قولان:
القول الأول: يعتبر العقد بين العميل والبنك عند فتح الحساب الجاري عقد وديعة (1)، إذ يودع العميل أمواله للمصرف كوديعة عنده؛ فتترتب عليها جميع أحكام الوديعة في الفقه الإسلامي، خلا أن البنك يتعدى على تلك الودائع بخلطها بأمواله أولاً، واستثماره لها ثانياً، وهنا تتحول يده من يد أمانة لا ضمن إلا بالتعدي والتفريط (2)، إلى يد ضمان على كل حال (3)، وبهذا التكييف أخذ بنك دبي الإسلامي (4).
(1) انظر موقف الشريعة الإسلامية من البطاقات البنكية (ص: 77).
(2)
المهذب في فقه الإمام الشافعي، (1/ 359): إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق، ط: دار الفكر - بيروت. وانظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام (1/ 148)، مادة (777) وما بعدها. وانظر المبسوط (11/ 109) شمس الدين السرخسي، ط: دار المعرفة - بيروت. وانظر الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان (4/ 355)، الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند ط: دار الفكر (1411 هـ - 1991 م). وانظر الذخيرة، (5/ 273)، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ط: دار الغرب - بيروت - (1994 م)، تحقيق: محمد حجي. وانظر
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، (6/ 300)، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، ط: دار الفكر - بيروت - الطبعة الأولى (1405 هـ).
(3)
انظر المبسوط للسرخسي (11/ 110). وانظر مجلة الأحكام العدلية (1/ 150)، مادة (787) وما بعدها، وانظر الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 171). وانظر المهذب (1/ 359) وما بعدها. وانظر المعني (6/ 310).
(4)
نصت المادة (53) من النظام الأساسي للبنك الذي تأسس عام (1395 - 1975 م) على أن البنك يقبل نوعين من الودائع منها:
1 -
ودائع بدون تفويض بالاستثمار: وتأخذ صورة الحسابات الجارية ودفاتر الادخار المعمول بها في النظم المصرفية المعاصرة، وهذه تأخذ حكم "الوديعة" المعتمدة في الشريعة الإسلامية .. ينظر: بحوث في المصارف الإسلامية، د. رفيق المصري (ص: 190) .. ط، دار بن كثير، تاريخ النشر (2001 م).
إشكالات هذا القول:
يُشكِل على البعض مسألة الربح الناتج من تلك الودائع لمن يكون؟ أيكون من حق البنك المتصرف بالوديعة من دون إذن المودِع؟ أم من حق صاحب الوديعة التي هي أصل ماله ونتاجه؟
فقال مالك، والليث، وأبو يوسف، وجماعة بحل الربح مع الكراهة (1) للمودَع عنده ـ أي للبنك ـ وإن كان قد تصرف في الوديعة فإنه قد ضمنها، والخراج بالضمان.
وقال أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن يؤدي الأصل ويتصدق بالربح (2). وقال أحمد وهو الصحيح من مذهبه إن الربح يكون للمالك لها (3) أي مالك الوديعة. وقال قوم البيع الواقع في تلك التجارة فاسد (4).
(1) منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل (.7/ 11): محمد عليش.، دار النشر: دار الفكر - بيروت - (1409 هـ - 1989 م). والفواكه الدواني (2/ 171)، وانظر بداية المجتهد ونهاية
المقتصد (2/ 234): محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي أبو الوليد، ط: دار الفكر - بيروت.
(2)
حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار (5/ 97) وما بعدها: ابن عابدين، ط: دار الفكر للطباعة والنشر. - بيروت- (1421 هـ - 2000 م).
(3)
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (6/ 209)، علي بن سليمان المرداوي أبو الحسن، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي، وانظر مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (1/ 454): عبد الله بن أحمد بن حنبل، ط: المكتب الإسلامي - بيروت - (1401 هـ 1981 م)، الطبعة الأولى، تحقيق: زهير الشاويش.
(4)
بداية المجتهد (2/ 234).
فمن اعتبر التصرف قال الربح للمتصرف، ومن اعتبر الأصل قال الربح لصاحب المال (1).
فتصرف البنوك بتلك الودائع إذاً شابه إشكالان:
الأول: التعدي على الوديعة بخلطها بأمواله وتصرفه بها من دون إذن صاحبها. والثاني: مدى مشروعية الأرباح الناتجة عنها.
وللخروج من كل ذلك حاولت البنوك التي تعتمد هذا التكييف، وضع شروط على العميل عند فتحه لحسابات من هذا النوع، تتمثل بالاشتراط على المودع التصرف بالودائع واستثمارها من قِبل البنك، في مقابل ضمان البنك لتلك الودائع، أما مشروعية الربح فالإشكال حوله يبقى قائماً عند بعض الفقهاء.
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة نذكر أهمها مع ما أُورد عليها من أجوبة:
1 -
إن تعدي المصرف على الودائع، سواء بخلطها بأمواله أو استثماره لها لا يخرجها عن كونها وديعة؛ بل يُضمّن المصرف نتيجة ذلك التعدي كما لو كانت الوديعة لدى شخص غير المصرف وقام بما قام به المصرف.
ويجاب عن هذا الاستدلال بأن المسألة في المصارف أو البنوك، تختلف جذرياً عن الأفراد، ويتبين هذا إذا علمنا أن أموال الحسابات الجارية تعد أهم موارد المصارف، وتمثل ما قد يزيد في غالب الأحوال على
(1) المصدر السابق.
(90%) من مجمل الموارد، ونادراً ما تقل عن (20%)(1)؛ وهذا يعني أن المصارف تَعُد هذه الحسابات مصدراً رئيساً من مصادر التمويل لديها، وهذا يناقض الأصل في عقد الوديعة القاضي بالأمانة والحفظ، وعدم التصرف، مما يجعل تسمية العقد بوديعة عقداً صورياً لفظياً فقط.
أما من جهة العميل فإنه يعلم ـ ألا ما ندرـ أن البنك يستثمر وديعته ويرضى بذلك ضمناً، ـ أو نصاً بحسب نوع العقد ـ مقابل الضمان الناتج عن ذلك التصرف، وهذا يضعف كون الأموال وديعة لها أحكامها، لتحولها إلى صورة أخرى من صور العقود (2).
2 -
إن المصرف لا يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة تحت الطلب، بعكس الوديعة لأجل التي يدفع هو عليها فائدة. (3)
ونوقش هذا الدليل بأن الأجور التي يأخذها المصرف من صاحب الحساب الجاري لا يُسلّم على أنها في مقابل الحفظ، بل هي في مقابل الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشوف الحساب وغيرها من
(1) ينظر: الحسابات والودائع المصرفية، د. محمد علي القري (مجلة المجمع) العدد (9)(1/ 720)
(2)
وهو عقد القرض كما سيأتي في القول الثاني.
(3)
انظر الودائع المصرفية حسن الأمين (233).
الخدمات، مع أن الواقع أن أغلب المصارف لا تأخذ أجوراً في مقابل فتح الحساب. (1)
3 -
إن المصرف يتعامل بحذر شديد عند استعمال أموال الحسابات الجارية والتصرف فيها، ثم يبادر بردها فوراً عند طلبها مما يدل على أن البنك حينما يتصرف فيها إنما يفعل ذلك من موقف انتهازي لا يستند إلى مركز قانوني كمركز المقترض. (2)
ونوقش بأن هذا التصرف من المصرف لا يغير من حقيقة العقد، والواقع أن المصرف يتصرف في مال الحساب الجاري بخلاف ما ذُكر حيث يقوم بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين بمجرد استلامها، ثم يتصرف فيها كما لو كانت ملكه.
وأما كونه يبادر بردها عند طلبها فهذا لا ينفي كونها قرضاً؛ لأن المقرض له طلب بدل القرض في الحال مطلقا؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالاً (3)، فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالاً.
(1) بحث بعنوان الحسابات الجارية حقيقتها، تكييفها، حسين ين معلوي الشهراني على شبكة الإنترنت.
(2)
انظر الودائع المصرفية (ص: 234). حسن الأمين.
(3)
انظر بدائع الصنائع (7/ 211). وانظر حاشية ابن عابدين (3/ 129). وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 314): منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ط: دار الفكر - بيروت - (1402 هـ)، تحقيق: هلال مصيلحي مصطفى هلال. وانظر المبدع في شرح المقنع (4/ 206): إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح الحنبلي أبو إسحاق، ط: المكتب الإسلامي - بيروت - (1400 هـ).
وكذلك فإن المبادرة بردها عند طلبها فيه حفاظ على سمعة المصرف، وتحفيز للتعامل معه، وفي هذا التعامل فوائد ترجع إلى المصرف، كما هو معلوم). (1)
4 -
إن الأصل في مشروعية القرض هو الإرفاق، (2) وأدلة مشروعيته تؤكد هذا، وهو مفقود هنا (3)، فالبنك ليس فقيراً حتى نقرضه، فيكون العقد إذاً عقد وديعة.
ويجاب عليه بأن الإرفاق في القرض ليس ركناً أو شرطاً فيه يبطل بتخلفه، بل الملاحظ أن من القروض ما لا يكون فيها إرفاق أصلاً من جهة المقترض؛ بل بالعكس قد يكون الإرفاق للمقرض، وفي الفقه الإسلامي أمثلة لذلك أشهرها:
- ودائع الزبير بن العوام رضي الله عنه.
قال الحافظ ابن كثير: وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله فلما قتل وجدوا عليه
(1) الحسابات الجارية للشهراني.
(2)
انظر الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 91). وانظر الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني (5/ 353) وما بعدها: علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان - (1419 هـ -1999 م)، الطبعة الأولى، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود. وانظر الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل (2/ 124): عبد الله بن قدامة المقدسي أبو محمد، ط: المكتب الاسلامي - بيروت.
(3)
انظر موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي، (ص: 120)، وما بعدها، لشيخنا
أ. د/علي أحمد السالوس، استاذ الفقه والأصول كلية الشريعة، جامعة قطر، والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وبالمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، الناشر، مكتبة دار القرآن، مصرـ بلبيس، دار الثقافة بالدوحة، قطر. ط، السابعة، تاريخ الطبع (2002 م).
من الدين ألفي ألف ومائتا ألف، فوفوها عنه وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية وثلاثين ألف ألف واربعمائة ألف، والثلث الموصى به تسعة عشر ألف ألف ومائتا ألف، فتلك الجملة سبعة وخمسون الف ألف وستمائة ألف والدين المخرج قبل ذلك ألفا ألف ومائتا ألف فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف. (1)
معنى هذا أن تركة الزبير رحمه الله ورضي عنه كانت كالآتي:
مجموع الزوجات الأربع (4 ملايين و 800 ألف)، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات ثمن التركة، فتكون التركة المقسمة على الورثة (38 مليوناً و 400 ألف)، وهذا يعادل الثلثين حيث أوصى بالثلث ومقدره (19 مليوناً و 200 ألف) وبهذا تكون التركة بعد الديون (57 مليوناً و 600 ألف درهم)
وهنا يرد السؤال:
من يملك هذه الثروة الضخمة كيف يستدين هذا الدين؟
وقبل الإجابة نقف عند ما جاء في صحيح البخاري عن ديون الزبير:
(1) البداية والنهاية (7/ 251)، : إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، ط: مكتبة المعارف - بيروت.
"إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: "لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ". (1)
مما رواه الإمام البخاري نرى أن الذين جاءوا بهذه الأموال أرادوا حفظها عند الزبير، أي أن تكون وديعة، فطلب الزبير منهم أن تكون سلفاً لا وديعة، ونعرف الفرق بين الوديعة والقرض: فالوديعة لا يضمنها المودع لديه، والقرض يضمنه المقترض؛ ولذلك قال الزبير:"فإني أخشى عليها الضيعة" أي إنه يكون ضامناً للمال باعتباره مقترضاً. ويقابل هذا الضمان أن يكون من حقه الاستفادة من هذا المال المقترض، فيخلطه بماله في التجارة وغيرها، أما الوديعة فتبقى كما هي لا يستفاد منها. (2)
فالإرفاق هنا حصل للمقرض لا المقترض، وهذا ملاحظ من قول الزبير:"لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة".
فالزبير هنا يريد الإرفاق بالمودعين فحول العقد من عقد وديعة إلى عقد قرض ليضمن لهم أموالهم، بدليل أنه مليء لا يحتاج لأموالهم، ولم يفعل ذلك رجاء استثمارها انظر إلى قوله:"فإني أخشى عليه الضيعة" فإنه واضح في كونه أراد الإرفاق بهم.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "لا، ولكنه سلف" أي ما كان يقبض من أحد وديعة إلا أن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه
(1) أخرجه البخاري (3/ 1138)، برقم (2961)، بَاب بَرَكَةِ الْغَازِي في مَالِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وَوُلَاةِ الْأَمْرِ.
(2)
موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة لشيخنا السالوس (ص: 126).
كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه فرأى أن يجعله مضمونا فيكون أوثق لصاحب المال، وأبقى لمروءته. زاد ابن بطال وليطيب له ربح ذلك المال. (1)
بل عُدَّ ذلك من مناقب الزبير بن العوام رحمه الله تعالى، قال ابن حجر: وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالبا وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم. (2)
- السفتجة على القول بجوازها (3)
والسفتجة تعريب (سفته)(4) بمعنى المحكم وهي إقراضٌ لسقوط خطر الطريق (5)، وهي قرض عند الجمهور (6)، ولم يرد به الإرفاق، وإن
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، (6/ 230): أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني
الشافعي، ط: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محب الدين الخطيب.
(2)
فتح الباري (6/ 235).
(3)
وقد قال بجوازها لا سيما مع عدم الاشتراط، الحنفية ولكن مع الكراهة، ورواية في مذهب أحمد مطلقاً لأن النفع حاصل لهما، ولم يجزها الشافعية مع الشرط، وأجازوها بدونه، وهي كذلك عن مالك. انظر بدائع الصنائع (7/ 395)، درر الحكام شرح مجلة الأحكام (7/ 443)، حاشية ابن عابدين (5/ 350)، وانظر التاج والإكليل لمختصر خليل (4/ 547): محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري أبو عبد الله، ط: دار الفكر - بيروت - (1398 م)، الطبعة الثانية. وانظر الفواكه الدواني (2/ 89. وانظر المهذب (1/ 304)، والحاوي الكبير (6/ 467)، وانظر الكافي في فقه الإمام أحمد (2/ 125)، المغني (4/ 213).
(4)
وفي أنيس الفقهاء، (1/ 125) ما نصه: السفتجة تعريب سفقته وهي شيء محكم أو مجوف سمي هذا القرض بها لأنه لإحكام أمره أو لأنه شبه له بوضع الدراهم في السفاتج أي في الأشياء المجوفة كما تجعل العصا مجوفة ويخبأ فيها الماء.
(5)
التعريفات (1/ 157): علي بن محمد بن علي الجرجاني، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - (1405)، الطبعة: الأولى، تحقيق: إبراهيم الأبياري، وانظر بمعناه تحرير ألفاظ التنبيه (لغة الفقه) (1/ 193): يحيى بن شرف بن مري النووي أبو زكريا، ط: دار القلم - دمشق - (1408 هـ)، الطبعة الأولى، تحقيق: عبد الغني الدقر. وانظر المصباح المنير (1/ 178). وانظر القاموس المحيط (1/ 247). وينظر كذلك معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، (ص: 244)، تأليف الدكتور نزيه حماد، ط، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، تأريخ الطبع (1429 هـ، 2008 م)
(6)
يذكرها الفقهاء في باب القرض، أنظر المصادر في الحاشية قبل السابقة.
قُصد فللمقرض لاكتسابه أمن الطريق ومخاطره، أو لهما معاً إن كان المقترض محتاجاً للمال؛ فقد تكون إذاً عقد قرض لا إرفاق فيه، وقد يكون الإرفاق للمقرض، وقد يكون لهما معاً، ولم يقل أحدٌ إن تخلف الإرفاق من جهة المقترض يخرجها عن كونها عقد قرض.
- إقراض مال اليتيم للإرفاق به
من المقرر أن الولي مسؤول عن مال اليتيم، حفظه، وصيانته، والتصرف به لمصلحته؛ وقد ذكر الفقهاء أن من سُبل حفظه وصيانته، إقراضه من مليء عند الخوف من ضياعه، أوهلاكه، وفي ذلك إرفاقٌ باليتيم (المقرِض)، ورعايةُ مصلحته.
وفي حاشية رد المحتار قوله: للقاضي إقراض مال اليتيم ونحوه .. أي يستحب له ذلك لأنه لكثرة أشغاله لا يمكنه أن يباشر الحفظ بنفسه، والدفع بالقرض أنظر لليتيم؛ لكونه مضمونا والوديعة أمانة وينبغي له أن يتفقد أحوال المستقرضين حتى لو اختل أحدهم أخذ منه المال. (1)
(1) حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار (5/ 417).
وانظر إلى قوله: " والدفع بالقرض أنظر لليتيم" فهو بيّن في مقصودنا، وهو الإرفاق به (أي المقرض).
وفي المغني أيضاً:
إذا لم يكن في قرض مال اليتيم حظ له لم يجز، وان كان في قرضه حظ لليتيم جاز. قال أحمد لا تقرض مال اليتيم لأحد تريد مكافأته ومودته.
ويقرض على النظر والشفقة كما صنع ابن عمر، وقيل لأحمد: ابن عمر اقترض مال اليتيم فقال: إنما استقرض نظراً لليتيم واحتياطاً، إن أصابه شيء غرمه.
قال القاضي: ومعنى الحظ أن يكون للصبي مال في بلد فيريد نقله إلى بلد آخر فيقرضه من رجل في ذلك البلد ليقضيه بدله في بلده، يقصد بذلك حفظه من الغرر في نقله أو يخاف عليه الهلاك من نهب، أو غرق، أو غيرهما، أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو حديثه خير من قديمه كالحنطة ونحوها فيقرضه خوفا من السوس أو تنقص قيمته، وأشباه هذا فيجوز القرض لأن لليتيم فيه حظا فجاز كالتجارة به، وإن لم يكن فيه حظ لم يجز لأنه تبرع بمال اليتيم فلم يجز كهبته. (1) والنقولات في هذا كثيرة.
ومن المعلوم أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد والمقصود الإيداع والحفظ غير أن الوديعة لا تضمن؛ ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني.
(1) المغني لابن قدامة المقدسي (4/ 166).
وبهذا يتبين أنه لا يشترط في القرض أن يكون إرفاقاً من غني لمحتاج، وإن كان الأصل أنه كذلك.
القول الثاني: يكيف أصحاب هذا القول فتح الحساب الجاري بأنه عقد قرض بين العميل والبنك، إذ أن العميل يقرض البنك فيتملك البنك ذلك المال ويتصرف فيه كيف شاء، ويكون هذا القرض حالاً. وبهذا التكييف أخذ بيت التمويل الكويتي (1).
وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء، (2) وبمثل هذا التكييف الفقهي جاء قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات وجاء في القرار قوله: ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك
(المقترض) مليئاً (3).
ومما يقوي هذا القول أن الواقع في تعامل البنوك يؤكد على أن العقد أشبه ما يكون بالقرض، لا الوديعة.
فالوديعة المصرفية لا ينطبق عليها اصطلاح الوديعة الشرعية؛ لأن البنوك والمصارف لا تأخذها كأمانة وتردها إلى أصحابها بعينها، وإنما تتصرف فيها وتلتزم برد المثل، وأحيانا تدفع فوائد على الأموال التي تودع عندها، ومن
(1) الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، (4/ 146)، فتوى رقم (1225).
(2)
انظر بحث لشيخنا علي بن أحمد السالوس بعنوان: حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد، على مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/ 577). وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص عليه بالقرار رقم (86)(3/ 9) في دورته التاسعة المنعقدة في أبي ظبي من (1 - 6) ذي القعدة (1415 هـ)، الموافق (1 - 6 نيسان أبريل 1995 م).
(3)
قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من (1 - 6 ذي القعدة 1415 هـ) الموافق (1 - 6 نيسان أبريل 1995 م).
المعلوم قطعا أن أحدا لن يدفع مبلغا من المال لمن يودع عنده. بل ولو كانت وديعة حقيقية لحصل العكس بأن يدفع صاحب المال أجراً على حفظ ماله، ومن الواضح أن البنوك ضامنة لما أودع فيها برد مثله ولو كان الهلاك بسبب قهري والوديعة لا تضمن إلا إذا هلكت بسبب تقصير من المودع.
إشكالات هذا القول
أُورد على هذا القول أن البنوك تقدم للعميل منافع، أو هدايا، أو مزايا، وذلك ينافي كون العقد قرضاً، إلا إن اعتبرنا أن المصرف أو البنك غير إسلامي.
والنظر في هذا الإشكال يتمثل في جواز أخذ الهدايا من المقترض، سواء أكانت مادية أم معنوية، وهل يدخل ذلك في باب المنفعة التي يمكن أن يجرها القرض؟ وللجواب على هذا الإشكال لابد من الوقوف على ماهية الهدايا وكيفية أخذها وسبل بذلها.
نستطيع تقسيم الهدايا إلى هدايا مشروطة عقداً، أو عرفاً، بمعنى أن العرف جرى باشتراطها؛ وهدايا غير مشروطة لا عقداً ولا عرفاً.
أولاً: الهدايا المشروطة:
الهدايا نوعان:
- مادية
- معنوية
كما أن الشرط في العقد نوعان أيضاً:
- شرط مصرح به في العقد
- شرط متعارف عليه وليس مذكوراً في العقد
والحكم هنا هو فساد العقد وإثم أطرافه جميعاً، لأنه من الربا المحرم، على كل التفصيلات والأنواع السابقة، بمعنى أكانت الهدايا والمنافع مادية أم معنوية، بل إن من المنافع المعنوية ما قد يفوق في النفع المنافع المادية؛ وسواء أكانت مشروطة أم متعارف عليها فإن العرف ينزل منزلة الشرط. (1)
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ من وُجُوهِ الرِّبَا"(2)
وإن كان قد تُكلِّم في الحديث إلا أن أهل العلم قد أجمعوا على العمل به، قال ابن المنذر:
"أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أنَ أخذ الزيادة على ذلك ربا"(3).
(1) الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان (1/ 99)، ابن بجيم الحنفي، ط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الطبعة:(1400 هـ-1980 م)
(2)
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بلفظ "كل قرض جر منفعة فلا خير فيه"(8/ 145) برقم (14659). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف موقوفاً، ج 4/ صـ 327، برقم 20690، والبيهقي في السنن الكبرى عن فضالة بن عبيد (5/ 350)، برقم (10715) باب (99) باب كل قرض جر منفعة فهو ربا، وأخرجه وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائد الهيثمي) عن علي رضي الله عنه (1/ 500)؛ (5) باب في القرض يجر المنفعة.
ورجح ابن حجر وقفه انظر تلخيص الحبير (3/ 34)، تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني - المدينة المنورة - (1384 - 1964)، تحقيق: السيد عبدالله هاشم اليماني المدني.
وقال في خلاصة البدر المنير: حديث كل قرض جر منفعة فهو ربا رواه ابن أبي أسامة من رواية علي بإسناد ضعيف قال بعضهم لا يصح في هذا الباب شيء. (2/ 78)، برقم (1557). وضعفه الإمام الزيلعي في نصب الراية أيضاً أنظره (4/ 60).
(3)
الإجماع (1/ 95)، محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، ط، دار الدعوة، الطبعة الثالثة، (1402 هـ).
وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة؛ ولأنه عقد إرفاق وقربة فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه ولا فرق بين الزيادة في القدر أو في الصفة. (1) وكون العقد هنا ليس عقد إرفاق، فإنه لا يبرر أخذ الزيادة أو المنفعة؛ لأن القرض يكون للإرفاق ولغير الإرفاق كما بينا من قبل. وقد عملت بهذا البنوك الإسلامية مثل بيت التمويل الكويتي (2).
ثانياً: الهدايا غير المشروطة:
وهي التي تكون عفوية من البنك وليست ضمن سياساته المكتوبة المتعارف عليها، وغالباً ما تكون رمزية وليست محددة في زمن معين كل عام، حتى لا يتعارف الناس عليها فتكون كالعرف عند العملاء، فيكون من باب المشروط عرفاً، وهذه الهدايا أو الميزات تعم العملاء جميعاً، كونهم عملاء للبنك ومودعين فيه.
ولو كانت الهدايا تخص فئة معينة لأصحاب رصيد محدد ـ وغالباً ما تكون لأصحاب الأرصدة المرتفعةـ فإن الأمر يعود للبنك في تحديد من يهدي إليه من عملائه، وإذا جازت الهدية ابتداءً لجميع العملاء، فتكون لبعضهم كذلك، إلا أن تكون مشروطة أو متعارف عليها.
(1) المغني (4/ 211)
(2)
انظر الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، الصادر عن الهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي 4/ 146)، فتوى رقم (1225).
والحكم هنا هو الحِل كون النفع غير مشروط ولا متعارف عليه، بل يكون من باب حسن الأداء وأصل ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: كان لِرَجُلٍ على النبي صلى الله عليه وسلم، سِنٌّ من الْإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فقال: أَعْطُوهُ فَطَلَبُوا سِنَّهُ فلم يَجِدُوا له إلا سِنًّا فَوْقَهَا فقال: أَعْطُوهُ فقال أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى الله بِكَ قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً". (1)
وهذا ما تتعامل به البنوك الإسلامية اليوم وبه صدرت الفتوى ببيت التمويل الكويتي (2)، ومجموعة دلة البركة.
فالمنافع التي لا تقابِل القرض يجوز أن يقدِّمها البنك لعملاء الحسابات الجارية كما أوضحت الهيئة الشرعية، وذلك مثل ما كان من قبيل الأمور المعنوية، أو الخدمات المتعلقة بفتح الحساب، غير المشروطة مثل الشيكات وبطاقات الصراف، وغرف الاستقبال والاهتمام بالعميل، وكذلك يجوز تقديم ما لا يختص بأصحاب الحسابات الجارية، وإنما يكون لهم ولغيرهم كالمواد الدعائية والإعلانية، وبهذا يزول الإشكال.
أدلة القول القاضي بتكييف فتح الحساب بأنه عقد قرض:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة نذكر أهمها:
(1) أخرجه البخاري في بَاب وكالة الشاهد والغائب جائزة (2/ 809) برقم (2182). ومسلم في صحيحه بَاب من اسْتَسْلَفَ شيئا فَقَضَى خَيْرًا منه وَخَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً (3/ 1225) برقم (1601). وأبو داوود في سننه بَاب حسن القضاء (3/ 247) برقم (3343). والترمذي باب بَاب ما جاء في استقراض البعير أو الشيئ من الْحَيَوَانِ أو السِّنِّ (3/ 607) برقم (1316). وقال أبو عِيسَى حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حسن صحيح وقد رواه الحسن عن شعبة وُسُفْيَانُ عن سلمة والعمل على هذا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وقد رواه وغيرهم.
(2)
الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، بيت التمويل الكويتي، (1/ 150)، فتوى رقم (193).
أولاً: وضوح الفارق بين عقدي القرض والوديعة، ففي القرض يتملك المقترض القرض ويحق له التصرف فيه، ويكون ضامناً فرّط أم لم يفرّط.
أما في عقد الوديعة فالأمر بالعكس تماماً، فالمودع لديه لا يتملك الوديعة، وعليه لا يحق له التصرف بها، ويكون أميناً غير ضامنٍ إلا في حال التعدي أو التفريط كما بينا.
والحسابات الجارية أو الودائع المذكورة تتطابق في معناها مع القرض تمام التطابق، وليست من باب الوديعة في شيء وإن تسمت في العقد وديعة.
ثانياً: من المقرر عند الفقهاء أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا الألفاظ والمباني (1)؛ ومعنى العقد هنا هو معنى القرض لا الوديعة.
ثالثاً: إنّ هذا الأمر كان مشتهرا معروفا في عصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من العصور المختلفة، والمحققون من علماء الإسلام سموه قرضا وإن اختلفت مقاصد العاقدين، فالعبرة في كل عقد بمقصده الأعظم وإن وجدت مقاصد أخرى.
ففي عصر الصحابة سبق بيان ودائع الزبير، وأما فيما بعدهم فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذلك فقال ما نصه:
"من أخذ (السفتجة) من المقرض وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر والمقترض له دراهم في ذلك البلد وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض فيقترض منه
(1) انظر درر الحكام شرح غرر الأحكام (6/ 437). وانظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام (4/ 154).
في بلد دراهم المقرض ويكتب له سفتجة أي ورقة إلى بلد دراهم المقترض فهذا يجوز في أصح قولي العلماء؛ وقيل ينهى عنه لأنه قرض جر منفعة والقرض اذا جر منفعة كان ربا والصحيح الجواز لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم وقد أغناهم الله عنه والله أعلم" (1).
رابعاً: من المعلوم أن العرف بين التجار كالمشروط شرطاً، "والعرف في الشرع له اعتبار، لذا عليه الحكم قد يدار"، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا (2)، والبنك يأخذ هذه الأموال بقصد استغلالها واستعمالها في نشاطاته المختلفة، ونظامه الأساسي ينص على أن ما دخله يكون على سبيل التملك، والمودع يضع ماله وقد علم أن العمل المصرفي لا يحفظ هذه الأموال بعينها وإنما يخلطها مع غيرها من الأموال، ويعمل بها حسب نشاطاته ويلتزم برد مثلها فقط وهذا هو حقيقة القرض حيث إن تعريفه هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
الترجيح
والأقرب إلى الصواب ـ والله أعلم ـ هو القول الثاني القاضي بتكييف فتح الحساب الجاري بأنه عقد قرض؛ لقوة مستنده من الأدلة، ولقربه في التطبيق
(1) مجموع الفتاوى (29/ 455): أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي.
(2)
انظر حاشية ابن عابدين (4/ 450)، وانظر شرح القواعد الفقهية للزرقا (1/ 273)، دار القلم، دمشق سوريا، تاريخ الطبع (1409 هـ، 1989 م).
على واقع تلك العقود، فإن المصارف لا تعد تلك الأموال أصلاً أمانة عند أخذها؛ لذا فهي تُجوِّز لأنفسها التصرف مباشرة بتلك الأموال المودعة لديها، بل إنها تعد تلك الأموال مصدر تمويلٍ لا غنى لها عنه، وهذا ليس شأن عقد الوديعة؛ ولو نظرنا أيضاً للمودعين فإنهم يضعون أموالهم في تلك البنوك والمصارف بقصد أن تضمنها لهم بكل حال وإلا لما وضعوها فيها، وإن كانوا على علم بتصرف البنوك بأموالهم؛ وهذا كله ليس شأن الوديعة بل عين القرض.
وبعد تكييف الإيداع لدى المصارف يبقى الكلام عن تكييف سحب العميل من حسابه بهذه البطاقة - بطاقة الصراف الآلي - أو غيرها من طرق السحب وهذا ما سنتكلم عنه في المطلب الآتي.