الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: التكييف الشرعي للبطاقة الذكية
المطلب الأول: طبيعة البطاقة الذكية
أثارت الطبيعة القانونية للنقود الالكترونية جدلاً كبيراً بين فقهاء القانون، على الرغم من اتفاقهم على أهمية هذه النقود بالنسبة للتجارة الالكترونية، وانحصر وجه الخلاف في أنه هل من الممكن أن تؤدي النقود الالكترونية وظائف النقود الحقيقية؟ وهل هي نوع جديد أم إنها واحدة من النقود الورقية أو النقود الافتراضية؟ ونحن إذ نتكلم عن التكييف الشرعي للبطاقة الذكية كوسيلة دفع ونظام وفاء، ننوه إلى ضرورة التفريق بين نظام الدفع، وبين النقود الإلكترونية كنقود بديلة عن النقود التقليدية أو نائبة عنها.
وهذا أيضاً ما يمكن أن يثير الخلاف بين فقهاء الشريعة حول حكم وتكييف هذه البطاقة، هل تحمل هذه البطاقة نقداً فعلياً، فتكون وسيلة دفع للنقود التي تحملها، أم إنها تمثل وسيلة دفع لنقود هي الأخرى تعتبر وسيلة للوفاء؟
ولذا فإن الحكم الشرعي يتوقف على ماهية النقود التي تحمله هذه البطاقة، والآثار القانونية المترتبة على استخدامها. وقد اتفق جانب من فقهاء القانون في الرأي على أن الوحدات الالكترونية التي تُستخدم في الوفاء عبر الانترنت تتوافر فيها خصائص النقود وتقوم بوظائفها ولكن اختلفوا في مكانة هذه النقود بالمقارنة بنوعي النقود الأخرى، وهذا الجانب يرى في هذا المقام أن النقود الالكترونية ليست سوى نقود افتراضية أو مكتوبة في صورة أرقام
تقيد في الجانب المدين للحساب بالنسبة للمستهلك الذي يسدد بها وتقيد في جانب الدائن بالنسبة للتاجر الذي قبل السداد بها وبذلك يكون المستهلك مالكاً وسيلة وفاء حقيقية تبرئ ذمته ويسدد بها ديونه؛ ليستوفيها من المصدر من خلال هذه البطاقة.
أما الجانب الآخر من فقهاء القانون فقد ذهب إلى أن النقود الالكترونية نوع جديد من النقود يتمتع بخصوصية تجاه النقود الورقية، وأُرجع هذا إلى أن التاجر بعد أن يتحصل على النقود الالكترونية من المستهلك عند سداده، يطلب من المصدر ـ البنك ـ أن يحولها له إما نقوداً ورقية أو نقوداً مكتوبة ومن ثم فهي تختلف عنها، وأن جل ما يفعله المصرف المصدر هو تحويل ـ صرف ـ النقود فحسب. وكذلك فإنه بوصول هذه الوحدات إلى التاجر لا يعتبر دائناً للمصدر بقيمتها وليس من حقه مطالبة المصدر بالسداد ولكن له فقط أن يطلب تحويلها إلى أموال عادية.
ونحن إذ نسوق هذين الرأيين لابد من التفصيل فيهما حتى يتسنى معرفة ماهية عمل البطاقة التي تحمل هذا النوع من النقود.
الرأي الأول: النقودُ الإلكترونيّة في البطاقة نقودٌ مستقلّة
لَمّا كانت هذه الوحدات الإلكترونيّة تستوفي وظائفَ النقد وتحمل خصائصه، فإنها تعد نقودًا. وهي تمثل بدايةَ مرحلة جديدة في حياة النقود عبْر التاريخ؛ لِما لها من طبيعة خاصّة في التداول - بدءًا من الدفع السابق للحصول عليها،
مروراً باستخدامها أثمانًا بين مختلف الأطراف، وانتهاءً بقدرتها على التحوّل لأنواع النقود العادية أو المكتوبة بالتزام الجهة المصدرة بذلك. فهي، والحالُ كذلك من قيامِها بوظائف النقد وتمتُّعِها بخصائصه في ذاتها وطريقة عملها، تعد نقودًا مستقلّةً لها طبيعتُها الخاصة (1).
أدلة هذا الرأي:
استدل أصحاب هذا الرأي بعدة أدلة أهمها ما يلي:
1 -
تعارف الناس على استخدامها وسيطًا للتبادل، ووحدةً للحساب، ومقياسًا للقيمة.
2 -
إن النقود الالكترونية تمثل انعطافاً في تاريخ التعامل الإنساني الذي بدأ بالمقايضة لينتهي إلى ترميز القيمة المالية في بيانات مخزنة الكترونياً وهذا النمط يحتاج إلى النظر إلى المفهوم الوظيفي للنقود لا إلى المفهوم الماهوي فالنقود رمز لقيمة مالية تقاس على أساسها قيمة السلع والخدمات وليس ضروريا أن تكون بماهية معينة فيمكن أن تكون ورقاً أو معدناً أو بيانات إلكترونية.
3 -
قدرة هذه النقود على الانتقال من طرفٍ لآخَرَ بحيثُ تتمُّ عمليات إعادة التشفير ذاتيًّا من خلال برنامج النقود الإلكترونيّة، فلا تحتاجُ إلى عملية
(1) النّقود الإلكترونيّة: حُكْمُها الشرعيّ وآثارها الاقتصاديّة، (ص: 573) وما بعدها، سارة متلع القحطاني، رسالة دكتوراة، جامعة الكويت (2008 م).
بنكية لإتمام التعاقد بين العميل والطرف الآخر (التاجر- حامل النقود الإلكترونيّة).
الرأي الثاني: النقود في البطاقة هي وسيلة للوفاء
يرى أنصارُ هذا الرأي أن النقود الإلكترونيّة في البطاقة لا تعد نقداً فعلياً، وإنما نظام دفع ووسيلة استيفاء، كأي نظام في البطاقات المصرفية الأخرى.
أدلة هذا الرأي:
لأصحاب هذا الرأي أدلتهم أيضاً أهمها ما يلي:
1 ـ يعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ النقودَ الإلكترونيّةَ لا تشكّل نقودًا إلكترونيّةً حقيقيةً؛ بحجّة أنّ هذه القيمَ الإلكترونيّةَ ينحصرُ استخدامُها بدفع مقابل السلع والخدمات، ولا يمكن إعادةُ استخدامها من التاجر مباشرةً كما في النقود العادية. فهي برأيه مجرّدُ وسيلةٍ وآلية للدفع، ليسَ غيْرُ.
2 ـ من الملاحظ أن هذه النقود ليس لها القبول العام، فهي بذلك تفتقد إلى أهم شروط النقدية.
3 ـ رجوع التاجر على المصدر لهذه النقود لتحويلها لنقود تقليدية دليل كاف على أنها مجرد وسيلة دفع وليست نقوداً بذاتها، ولولا التزام المصدر بتحويلها لما قبلها أصلاً التاجر ابتداءً.
مشكلات هذا الرأي (1):
1 -
أنّه يحكم على النقود الإلكترونيّة باختلاف نظمها وِفْقًا لبعض نظمها، بل أقلها مرونة فإذا كانَت بعْضُ النظم لا تسمح للتاجر بإعادة استخدام النقود الإلكترونيّة، فإنّ ذلك لا ينطبقُ على كلِّ النظم من جهة، كما أنه أمر خاضعٌ لتطويرِ المنتج من قبل الشركة المصدرة أو قدرتها على ذلك.
1 -
أنه يربط منذ البداية بين الوحدات الإلكترونيّة المصدرة في مجموعها بالتزام المصدِّر بتحويلها بمجموعها في نهاية دورتها، دونَ أن يعير أيَّ اعتبار لقدرة الوحدة الإلكترونيّة على الانتقال من شخص لآخر، وإنهاءها التزام العميل الأول تجاه الطرف الآخر نهائيًّا قبل تنفيذ التزام التحويل في نهاية الدورة. وهذا التفسيرُ لَها لا يتوافق وباقي الالتزامات الأُخْرى الّتي تكونُ للعميل تجاه الجهةِ المصدرة ابتداءً، أو للجهة المصدرة تجاه العميل ابتداءً.
4 -
كما أنه لا يتوافقُ مع الاتفاق العامِّ بأداء النقود الإلكترونيّة لوظائف النقود كلّها، ويحصرها فقط بكونها أداةَ دفْع.
الترجيح
أرى والله أعلم أن الرأي الأول القاضي بأن النقود الإلكترونية تعد نقوداً مستقلة هو الرأي الراجح إذ ليس من الصواب النظر لهذه النقود نظراً جزئياً
(1) المصدر السابق. (ص: 481).
والحكم عليها بناء على ذلك النظر، لكنّ هذا النقد يواجه مشكلة في التنظيم والتقنين على مستوى العالم اليوم ولعل الأيام المقبلة ستشهد مزيداً من الاهتمام بالتقنين والتنظيم لهذا النوع من النقود، لا سيما وهو سريع الانتشار، ويزداد مستخدموه يوما فيوم، بل لعل هذا النقد سيشكل البديل المفضل لدى بعض التجار في تعاملاتهم التجارية لا سيما عبر الشبكة العنكبوتية العالمية (الانترنت).