الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: "نهض"؛ أي: قامَ.
* * *
639 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ".
وحديثُ وائل بن حُجْر أثبتُ من هذا، وقيل: هذا منسوخٌ.
قوله: "فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ"؛ يعني: [لا] يضع ركبتَيه على الأرض قبلَ يدَيه، وَلْيَضَعْ يدَيه قبل ركبتَيه.
وبهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقال الشافعي رضي الله عنه: يضع المُصلِّي ركبتَيه قبلَ يدَيه، كما ذُكر قبل هذا في حديث وائل بن حجر.
فإن قيل: كيف شبَّه وضعَ الرُّكبة قبل وضع اليدَين ببُروك الجَمَل، مع أن الجَمَلَ يضع يدَيه قبل رِجلَيه؟
قلنا: لأن رُكبةَ الإنسانِ في الرِّجل، ورُكبةَ الدوابِّ في اليد، فإذا وضعَ الرَّجلُ ركبتَه أولاً فقد شابَهَ الجَمَل في البُروك.
* * *
14 - باب التَّشهُّدِ
(باب التشهد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
642 -
قال ابن عمر: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدَ في التشهدِ وضعَ يدَهُ
اليُسرى على ركبتِهِ اليُسرى، ووضعَ يدَهُ اليُمْنَى على ركبتِهِ اليُمْنَى، وعقدَ ثلاثةً وخمسينَ، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ.
وفي روايةٍ: وضعَ يديهِ على ركبتيْهِ، ورفعَ إصبَعَهُ التي تلي الإِبهامَ اليُمنَى يَدعُو بها، ويدَه اليُسرى على ركبتِهِ باسِطَها عليها.
قوله: "عَقَدَ ثلاثةً وخمسين"؛ أي: أخذَ أصبعَه كما يأخذ المُحاسب عقدَ ثلاثةٍ وخمسين.
"السبَّابة": المُسبحة.
"تلي الإبهام"؛ أي: تَقرُب من الإبهام، وهي المُسبحة أيضًا.
"يدعو بها"؛ أي: يشير بها، والإشارة لِتكنْ عند قول الرجل في الشهادة: إلا الله، يرفع أصبعَه ويشير بها إلى وحدانية الله تعالى بالإلهية.
* * *
643 -
عن عبد الله بن الزُّبير أنه قال: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدَ يدعو وضعَ يده اليُمنى على فخذِه اليمنى، ويدَه اليُسرى على فخذِه اليُسرى، وأشارَ بإصبعهِ السبَّابةِ، ووضعَ إبهامَه على إصبعِهِ الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليُسرى ركبتَه.
قوله: "يدعو"؛ أي: يقرأ التحيات.
"ويُلقِمُ كفَّه اليسرى"، (التلقيم): أن يُعطي أحدًا لقمةً؛ يعني: أَخذ رُكبتَه بكفِّه اليسرى حتى صارت ركبتُه كلقمةٍ في كفِّه.
* * *
644 -
قال عبد الله بن مَسْعود: كنا إذا صلَّينا معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قُلنا: السلامُ
على الله - قبلَ عبادِهِ - السلامُ على جبريلَ، السلامُ على ميكائيلَ، السلامُ على فلانٍ، فلما انصرفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال:"لا تقولوا: السلامُ على الله، فإنَّ الله هو السلامُ، فإذا جلسَ أحدُكم في الصلاةِ فليقلْ: التحياتُ للَّهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، فإنه إذا قالَ ذلك، أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرض، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، ثم ليتخَيَّرْ من الدعاءِ أعجبَهُ إليه فيدعو به".
قوله: "السلام على الله قبل عباده"؛ يعني: قبلَ أن يُعلَّمَنا رسولُ الله عليه السلام التحياتِ كنا نقول هذه الألفاظَ، فنهانا رسولُ الله عليه السلام عن هذه الألفاظ.
قوله: "لا تقولوا: السلامُ على الله"؛ يعني: قول الرجل للرجل: السلامُ عليك، معناه: أنتَ آمِنٌ من شرِّي، وهذا اللفظ لا يجوز أن يقال لله؛ لأنه منزَّه عن أن يلحقَه ضررٌ.
قوله: "فإن الله هو السلامُ"؛ يعني: هو الذي يخلص عبادَه ويحفظهم عن الآفات، ولا تصل إليه آفةٌ وضررٌ.
"التحيات" جمع: تحية، وهي المُلك، وإنما جُمع لأن أنواعَ مُلكه كثيرةٌ؛ يعني: جميعُ العظمةِ وأنواعِ المُلكِ لله، وقيل: التحية: السلام؛ يعني: إطلاق التحية بالأسماء الحسنى - كقوله: الرحمن الرحيم الملك القدوس
…
إلى آخر الأسماء التسعة والتسعين - لله.
قوله: "والصلوات"؛ أي: جميع أنواع الرحمة لله تعالى على خلقه.
قوله: "والطيِّبات"؛ أي: الثناءُ الطيِّبُ بأنواع التسبيحات لله، والأفعالُ والأقوالُ الطيِّبةُ التي تصدر من المؤمنين توفيقٌ من الله تعالى لعباده.
"التخيُّر" مثل: الاختيار.
"أعجبه"؛ أي: رَضيَه وأحبَّه، فيدعو بما يحبُّ من الدعوات من أمر الدِّين والدنيا؛ بشرط أن يكون بالعربية.
* * *
645 -
وقال عبد الله بن عباس: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا التشهدَ كما يعلِّمنا السُّورةَ من القرآنِ، فكانَ يقولُ:"التحياتُ المُباركاتُ الصَّلواتُ الطَّيِّباتُ للَّهِ، سلامٌ عليكَ أيُّها النبيُّ! ورحمةُ الله وبركاتُهُ، سلامٌ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله".
قوله: "يُعلِّمنا التشهُّدَ"؛ أي: قراءةَ "التحيات المباركات"؛ أي: الأشياء التي بُورِكَ فيها من الله تعالى، والبركة منه، ومعنى البركة: الزيادة، وبارَكَ: إذا زادَ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
646 -
عن وائل بن حُجْر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم جلسَ فافترشَ رجلَهُ اليُسرى، ووضعَ يدَه اليُسرى على فخذِهِ اليُسرى، وحدَّ مِرْفقَه اليُمنى على فخذِه اليُمنى، وقبضَ ثِنتينِ، وحلَّق حلقةً، ثم رفعَ إصبعَهُ، فرأيتُهُ يُحرِّكُها يَدعُو بها.
قوله: "وحدَّ مِرْفقَه اليمنى عن فخذه"؛ أي: رفعَ مِرفقَه عن فخذه، وجعلَ عظمَ مرفقه كأنه رأسُ وتدٍ.
"وقبضَ ثِنتينِ"؛ أي: الخِنْصِر والبنصِر.
"وحلَّق"؛ أي: أخذَ إبهامَه بأصبعه الوسطى "ورفع أصبعَه"؛ أي مسبحتَه
"يدعو بها"؛ أي: يشير بها إلى وحدانية الله تعالى.
* * *
647 -
وعن عبد الله بن الزُّبير: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُشيرُ بإصبعِهِ إذا دَعَا، ولا يُحَرِّكُها، ولا يُجاوزُ بصرُه إشارَتَهُ.
قوله: "ولا يُحرِّكها": اختُلف في تحريك الأصبع إذا رفعها للإشارة؛ الأصحُّ أنه إذا رفعَها يضعُها من غير تحريكٍ.
قوله: "ولا يجاوز بصرُه إشارتَه"؛ يعني: لا ينظر إلى السماء حين أشار بأصبعه إلى وحدانية الله تعالى، بل ينظر إلى أصبعه وحِجْرِه؛ يعني: لا ينظر إلى السماء عند الإشارة كما هو عادة بعض الناس؛ لأن النظرَ عند الإشارة إلى السماء يوهم أن الله في السماء، ولا يجوز هذا الاعتقادُ؛ فإن الله تعالى منزَّهٌ عن المكان.
* * *
648 -
عن أبي هريرة: أن رجلاً كانَ يدعو بإصبَعَيْهِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَحِّدْ أَحِّدْ".
قوله: "يدعو"؛ أي: يشير.
"أحِّد" بتشديد الحاء: هو أمر مُخاطَب من: التوحيد، وهو القول والشهادة بأن الله واحد، وأصل أَحِّد: وَحِّد، قُلبت الواو همزًا؛ يعني: ارفَعْ أصبعًا واحدةً؛ لأنك تشير إلى وحدانية مَن هو واحدٌ.
* * *
649 -
وعن ابن عمر أنه قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو مُعتمِدٌ على يدَيه.
ويُروى عنه: نهى أن يعتَمِدَ الرجلُ على يديهِ إذا نهضَ في الصلاةِ.
قوله: "وهو معتمد على يده"؛ أي: وهو متَّكِئ على يده؛ يعني: إذا جلس للتشهد لا يضع يده على الأرض، بل يضعها على ركبته.
قوله: "أن يعتمد الرجلُ على يدَيه إذا نهض في الصلاة"؛ يعني: لا يضع يديه على الأرض ولا يتكِئ عليهما إذا قام إلى القيام، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يضع يدَيه على الأرض ويتكِئ عليها إذا قام إلى القيام.
* * *
650 -
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأُوليينِ كأنه على الرَّضْفِ حتى يقومَ.
قوله: "كأنه على الرَّضْف"، (الرَّضف): الحَجَرُ الحارُّ.
يعني بـ "الركعتَين الأولَيَين": التشهد الأول من صلاةٍ هي ثلاثُ ركعاتٍ أو أربعٌ؛ يعني: لا يلبث في التشهد الأول كثيرًا، بل يقوم إذا فرغ من التحيات والصلاة، ولا يدعو ولا يقرأ:"كما صلَّيتَ"(1).
(1) جاء على هامش "ش": "فهذا التشبيهُ من حيث أصلُ الصلاة، لا من حيث المُصلَّى عليه؛ لأن نبيَّنا صلى الله عليه وسلم أفضلُ من إبراهيم عليه السلام، فمعناه: اللهم صلِّ على محمدٍ بمقدار فضله وشرفه - أي: محمد - عندك، كما صلَّيت على إبراهيم بمقدار فضله وشرفه عندك، وهو كما قال تعالى {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} [البقرة: 200]؛ يعني: اذكروا الله بقَدْر نعمته وأياديه عليكم، كما تذكرون آباءكم بمقدار نعمتهم عليكم، أو أشد ذكرًا، بل أشد ذكرًا، وتشبيه الشيء بالشيء يصبح من وجهٍ واحدٍ، وإن كان لا يشبهه من كل وجه، كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]؛ يعني: من وجهٍ واحدٍ، وهو خلقُه بغير تراب" من تفسير أبي سليمان.