الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
49 - باب الاستِسقاء
(باب الاستسقاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
1061 -
عن عبد الله بن زيد قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالناسِ إلى المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة.
قوله: "فصلى بهم ركعتين" السُّنَةُ أن يصلي الاستسقاء بالجماعة ركعتين كصلاة العيد من غير فرق، ويخطب بعدها خطبتين، إلا أن يبتدئ؛ أي: في الخطبة الأولى للعيد بتسع تكبيرات، وفي الثانية بسبع، وفي الاستسقاء يبدل التكبير بالاستغفار، ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة، ويدعو بدعاء الاستسقاء، ويحول الخطيب رداءه والقوم يوافقونه في تحويل الرداء.
والغرض من تحويل الرداء: التفاؤل بتحويل الحال، يعني: حَوِّلْ علينا أحوالَنا رجاءَ أن يُحَوِّل الله العُسْر باليسر، والجَدْبَ بالخصب.
وكيفية تحويل الرداء: أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانبه اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانبه اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والأعلى أسفلَ، والأسفل أعلى، وهذا عند الشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء، ولكن يدعو.
وقال مالك: يصلي ركعتين من غير تكبير كسائر الصلوات.
* * *
1062 -
وقال أنس رضي الله عنه: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه إلا في الاستسقاءِ، وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَى بياضُ إبطيْهِ.
قوله: "لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"؛ يعني: لا يرفع يديه رفعًا كاملًا حتى تُجاوِزَ يداه وجهه إلا في الاستسقاء؛ فإنه يرفعهما حتى تُجاوِزا رأسه.
* * *
1063 -
وعن أنس رضي الله عنه: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْقى، فأشارَ بظهرِ كفَّيهِ إلى السماءِ.
قوله: "فأشار بظهر كَفَّيه إلى السماء" هذا إشارةٌ إلى دفع البلاء والقحط، فمن أراد من الله نعمة؛ فليجعل بطن كفه إلى السماء، ومن طلب دفع بلاء فليجعل ظهر كفه إلى السماء.
ويحتمل أن يريد بقلب بطن كفه إلى الأرض: نزول المطر؛ أي: اُصْبُب مطرَ السَّحاب إلى الأرض كما ينصبُّ ماء في الكف إذا جعل بطنه إلى الأرض.
* * *
1064 -
وقالت عائشة رضي الله عنها: إن النبيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رَأَى المطرَ قال: "صَيبًا نافِعًا".
قوله: "صَيبًا نافعًا"، (الصيب): المطر؛ يعني: اجعل هذا المطر نافعًا،
ولا تجعله مغرقًا كطوفان نوح عليه السلام.
* * *
1065 -
وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مطرٌ، قال: فحسَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ هذا؟، قال:"لأنه حديثُ عهدٍ بربه".
قوله: "حَسَرَ ثوبَه"؛ أي: كَشَفَ ثوبه عن بدنه.
قوله: "لأنه حديثُ عهدٍ بربه"؛ أي: جديد النزول من حضرة ربه، وبأمر ربه، فالمطر مبارك، وَمَا لَم يصب الأرض يكون أكثر بركة وطهارة؛ فلهذا أحبَّ عليه السلام أن يصيب المطر المبارك الطهور بدنه المبارك الطاهر، وهذا إشارة وتعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا فيما فيه خير وبركة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
1066 -
عن عبد الله بن زَيدٍ رضي الله عنه قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المُصلَّى فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ الأيسرِ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله.
قوله: "فجعل عِطَافَه"، (العِطَاف) بكسر العين: الرِّداء.
"فجعل عِطافَه الأيمنَ"؛ أي: فجعل الجانب الأيمن من عِطافه.
* * *
1067 -
وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ
أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيْهِ.
قوله: "وعليه خَمِيصَةٌ"؛ (الخميصة): الكِسَاء الأسود.
"فلمَّا ثَقُلَتْ قَلَّبَها على عاتقيه"؛ يعني: فلما عسرت عليه جعل أسفلها أعلاها، وجعل ما على كتفه الأيمن منها على عاتقه الأيسر.
* * *
1068 -
عن عُمَير مولى آبي اللحمِ: أنه رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يستسقي عندَ أحجارِ الزَّيتِ، قائمًا يدعُو رافعًا يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوزُ بهما رأسَه.
قوله: "أحْجَارِ الزَّيتِ": موضع بالمدينة قريبًا من الزَّوراء.
قوله: "لا يجاوز بهما رأسه"؛ يعني: لا يرفع يديه إلا بمحاذاة وجهه ورأسه، ولا يرفع أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان في مرة أخرى.
و"آبي اللحم" بالمد: سمي به؛ لأنه أَبَى أن يأكل اللحم، واسمه: عبد الله ابن عبد الملك استشهد يوم حنين، قيل: لم يروِ عميرٌ هذا الحديث عن رسول الله عليه السلام، بل عن مولاه آبي اللحم، ولم يرو آبي اللحم غير هذا الحديث.
* * *
1069 -
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعني في الاستسقاءِ - مُبتذلاً مُتَواضعًا مُتخشِّعًا مُتضرِّعًا.
قوله: "مُتَبَذِّلاً"، (التَّبَذُّلُ): الخروج بلباس البذْلَةِ، وهو ما يبذلها ويلبسها الرجل في جميع أيامه غير لباس الزينة، والإبذَالُ مثله؛ يعني: خرج
رسول الله عليه السلام بلباس التواضع، لا بلباس الزينة، بخلاف العيد.
* * *
1070 -
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ إذا استسقى: "اللهم اسْقِ عبادَكَ وبَهيمَتَكَ، وانشُرْ رحمَتَكَ، وأَحْيِ بلدَكَ الميتَ".
قوله: "وانشُرْ"؛ أي: وابسط.
"وأحيي بلدك الميت"؛ أي: أنزل المطر حتى تصيرَ الأرضُ اليابسةُ البيضاءُ من عدم الماء والنبات رطبةً خضراءَ بالنبات والماء.
* * *
1071 -
وعن جابر بن عبد الله قال: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُواكِئ يرفع يديه فقال: "اللهم اسقِنا غَيْثًا مُغيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلاً غيرَ آجلٍ"، فأطبَقَتْ عليهم السماءُ.
قوله: "يُوَاكِئ"؛ أي: يرفع يديه للدعاء، واتَّكَأ على يديه حتى وجد ثقلاً بيده كمن اتكأ على عصا، وهو من:(واكَأ يواكئ): إذا اتكأ على عصا، هكذا قال الخطابي.
"غيثًا"؛ أي: مطرًا.
"مغيثًا"؛ أي: مُعِيْنًا (1)، وهو قريب من قوله:(نافعًا).
"مريئًا"، (المَريء): الطعام الذي يوافق الطَّبع، ولا يحصل منه ضرر؛ يعني: أعطنا مطرًا نافعًا لا يكون فيه ضرر من الإغراق والإهدام.
(1) في "ق": "مُغْنِيًا".