الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
12/ 2 / 1502 م نشر بإشبيلية يأمر بتنصير جميع مسلمي قشتالة وليون وإخراج من يرفض التنصير. فتنصر ظاهرًا معظمهم.
ظلت قشتالة تخاف من تأثير الثبات الغرناطي على مورسكيي قشتالة. فصدر مرسوم ملكي في فبراير سنة 1515 م أعلن في طليطلة يحرم فيه بتاتًا على المنصرين حديثًا في أية جهة من مملكة قشتالة أن يخترقوا أراضي مملكة غرناطة أو يتصلوا بمورسكيي غرناطة، وعقوبة المخالف الموت والمصادرة.
وحاول كارلوس الخامس معاملة المورسكيين القشتاليين بشيء من الرأفة، فأبلغ سنة 1543 م "المفتشين العامين" في "ديوان التفتيش" بأنه تحقيقًا لرغبة مطران طليطلة أصدر عفوه على أهل "مدينة دل كامبو" وبلدة "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق (أي إخفاء الإسلام) ويكتفي بأن يطلب منهم الاعتراف بذنوبهم أمام الديوان ثم ترد إليهم أملاكهم المصادرة.
هذه هي أوضاع مسلمي قشتالة قبيل ثورة غرناطة العظمى. ولنر الآن أوضاع مسلمي مملكة أراغون الذين كانوا أكثر عددًا ونفوذًا من إخوانهم في قشتالة.
2/ 5 - وضع المدجنين في مملكة أراغون:
كانت مملكة أراغون تنقسم إلى أربع مناطق إدارية: أراغون القديمة وقطلونية ومملكة بلنسية والجزر الشرقية. وقد تكونت مجموعات كبيرة من المدجنين في كل هذه المناطق عند احتلالها من يد المسلمين. بقيت في القرن السادس عشر مجموعات إسلامية على مصب نهر أبرة في منطقة طرقونة وطرطوشة التابعتان لقطلونية، منذ سقوط الأولى من يد المسلمين سنة 960 م والثانية سنة 1200 م. وبقيت مجموعة كبيرة من المدجنين في منطقة أراغون القديمة منذ سقوط سرقسطة سنة 1118 م حتى أصبحوا يكونون في القرن السادس عشر خمس السكان، وكانت نسبهم أعلى خارج المدن وفي السهول. وسقطت مملكة بلنسية في يد النصارى سنة 1238 م، ورغم الهجرة والطرد فقد بقي ثلث سكانها مسلمين في القرن السادس عشر، بينما كونوا أكثرية السكان في كثير من مناطقها. واحتل النصارى أكبر الجزر الشرقية، ميورقة، سنة 1220 م، ويابسة سنة 1235 م، ومنورقة سنة 1286 م، وبقي بها عدد من المدجنين. وكان معظم مدجني مملكة أراغون مزارعين يعملون في أراض يملكها نبلاء
نصارى يعيشون عالة عليهم. ولذا عمل النبلاء على حمايتهم دفاعًا عن مصالحهم. ولنر وضع هؤلاء المدجنين قبل سقوط غرناطة وبعده.
احتل خايمي الأول ملك أراغون بلنسية سنة 1238 م بعد أن عقد مع أهلها معاهدة يتعهد فيها بصيانة المسلمين وأموالهم وعقيدتهم ولغتهم والشريعة الإسلامية وأن يهادن ما تبقى من منطقة بلنسية في يد المسلمين لمدة ثمان سنين. لكن خايمي غدر بعهوده فور تملكه المدينة، فلاحق المسلمين داخلها وخارجها، وحول أجمل المساجد وأكبرها إلى كنائس، وأتى بمهاجرين نصارى من الشمال، وأسكن المسلمين في أحياء خاصة بهم. وأخذ النصارى القادمون يزعجون المسلمين دون ردع من الدولة. ثم صادر خايمي الأول أموال المسلمين وأقطعها للنبلاء من النصارى الوافدين حتى أصبح جميع المسلمين شبه أرقاء يعملون لساداتهم من النصارى. وفي سنة 1248 م نشر خايمي الأول تشريعات خاصة بالمسلمين لا تختلف عن مثيلاتها المطبقة في قشتالة، وكانت معارضة تمامًا لمعاهدات الاستسلام.
وفي سنة 1251 م احتل خايمي الأول مدينة شاطبة فأصدر منشورًا بتاريخ 23 /
11/ 1251 م يتضمن شروطًا سخية لهم مماثلة لتلك التي وقعها مع بلنسية عند
استسلامها.
ثم أخذ بابا روما يضغط على خايمي الأول لإبادة العنصر الإسلامي الموجود في مملكته. فحاول ملك أراغون طاعته في ذلك، لكنه واجه معارضة من الإقطاعيين النبلاء الذين رأوا في المسلمين عنصرًا لإغنائهم، كما تعارضت أوامر البابا مع سياسة أراغون المتظاهرة بمعاملة أفضل للمسلمين من قشتالة لتنافسهما على غزو ما تبقى من الأراضي الإسلامية، كما أن العنصر الإسلامي كان يكون أكثرية السكان والطبقة العاملة منهم يصعب ملء الفراغ الذي يتركونه إذا طردوا.
وأمام هذه المعاملة السيئة والغدر الصريح للمعاهدات ثار المسلمون سنة 1254 م تحت زعامة رجل اسمه الأزرق واستولوا على عدد من الحصون بين شاطبة ودانية ولقنت، وسيطروا على الجبال الواقعة جنوب نهر شقر. فتوجه خايمي الأول على رأس جيش إلى بلنسية، وعقد فيها مجلس النواب (الكورتس) الذين قرروا طرد المسلمين من مملكة أراغون، وسمحوا لهم أن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم وأمتعتهم. فشجع ذلك المترددين من المسلمين على الانضمام إلى
الثورة. فاندلعت الثورة شمال نهر شقر، وانضم المطرودون إلى الثوار واستولوا على 12 حصنًا، لكن مسلمي مدينة بلنسية وضواحيها فضلوا النزوح إلى مرسية على الثورة. ودامت الثورة بمساعدة مملكة غرناطة بين مد وجزر إلى سنة 1257 م حيث اضطر الأزرق وباقي المسلمين إلى الاستسلام على أن ينزح من أراد من قواد الثورة إلى غرناطة ويبقى من يريد البقاء في أرضه دون أن يشمله الطرد.
واستغل البابا كليمانت الرابع مساعدته للملك خايمي الأول في إخماد ثورة بلنسية بالمال لفرض شروطه، وأعلن أن الكنيسة مستعدة أن تتنازل عن حصتها في الضرائب المسماة بالعشر شرط أن يقسم الملك أمام مذبح العذراء في كنيسة بلنسية بأن يبيد المسلمين الموجودين في مملكته جميعًا. فأقسم الملك على ذلك والتزم به علنًا، لكنه تردد في تطبيق ذلك خوفًا من أن تقلص مملكته، وتوصل إلى حل إجرامي وهو رفع حماية الدولة عن المسلمين نهائيًّا. فأصبح المسلمون عرضة للاعتداءات وهجوم الجنود النظاميين لأخذ أبنائهم وبناتهم وبيعهم كعبيد. ولم يرد الملك على شكاوى المسلمين بل زاد على ذلك بقوانين تعسفية سنة 1268 م حدد فيها حق اللجوء إلى الكنائس بثلاثة أيام، وكان كثير من ضعفاء المسلمين يهربون إلى الكنائس من ظلم المعتدين عليهم فيحصلون مقابل التنصير على حماية دائمة.
وعندما يئس المسلمون من إنصاف الملك خايمي الأول قرروا الثورة مرة ثانية في شهر مارس عام 1276 م جنوب نهر شقر، واحتل الثوار أربعين حصنًا واستغاثوا بسلطان غرناطة، أبو عبد الله. فعامل خايمي أولاً الثوار بالحيلة، إذ هادن الحصون التي لا ترفع علم غرناطة وحارب الحصون الأخرى، وبهذا شجع النزاعات الداخلية بين المسلمين. ثم حاصر الملك خايمي مدينة شاطبة عاصمة الثوار، فاختار الثوار رئيسًا لهم الأزرق مرة ثانية ولما استشهد أمام حصن الكيل تسلم ابنه القيادة فاستشهد بدوره. ورغم ذلك لم يستطع النصارى احتلال شاطبة ونجح الثوار في تحرير حصن الكيل.
ومرض خايمي الأول إبان الثورة، فنشر عند احتضاره منشورًا في 18/ 7 / 1276 م ضمن فيه وصيته لابنه وخليفته بدرو الثالث جاء فيها: "لقد تقدمنا بالوعد أمام مذبح العذراء في بلنسية بأن نخرج المسلمين من أرضنا، وذلك لقاء تنازل البابا عن العشر، فإننا نرجو من ولي العهد دون بدرو بأن يطرد جميع المسلمين من
مملكة بلنسية وأن لا يبقي منهم فيها أحدًا لأي سبب كان، حتى ولو دفعوا ما عليهم
…
"، وحينما قربت وفاته سلم ابنه سيفه وأوصاه أن يستعمله ضد المسلمين دون توقف ولا هوادة إلى أن يقضي عليهم جميعًا ويطردهم من المملكة. ومات خايمي الأول في 27/ 7 / 1276 م وثورة المسلمين في أوجها.
وعندما تسلم السلطة بدرو الثالث تفاوض مع الثوار، واتفق معهم على هدنة مدتها ثلاثة شهور، باستثناء ستة حصون نجح في احتلالها في شهر أبريل سنة 1277 م. ثم احتل مويلة في 29/ 9 / 1277 م وأخيرًا استسلمت له منتيسة، فتلاشت الثورة. فأمر الملك بنزع سلاح الثوار دون معاقبتهم، ووزعهم على أنحاء المملكة لإعمارها دون أن يأبه بوصية أبيه.
وفي سنة 1283 م أصدر الملك بدرو الثالث قانونًا يسمح فيه للمسلمين بالانتقال والإقامة حيثما شاؤوا في مملكته والتجارة بحرية، لكنه حرم عليهم وظائف القضاء والشرطة والمال، وألزمهم بأن يقسموا يمينًا أن لا يقرضوا أحدًا بأكثر من 20% سنويًّا، ويعاقب المخالف بغرامة قدرها خمس دوقات ذهبية، ومنع قبول شهادة المسلم إلا بشروط حددها، وقضى بسقوط الدين غير المعقود أمام القضاء بعد ست سنين إن كان المقرض مسلمًا.
وفي سنة 1301 م أصدر الملك خايمي الثاني قانونًا ينص فيه على أنه تكفي شهادة نصرانيين بحق المسلم دون حاجة لشهادة مسلم معهما كما كان يجري به العمل من قبل. وفي عام 1311 م، أيام هذا الملك، دعا البابا كليمنت الخامس إلى عقد مجمع كنسي في فيينا طالب فيه ملوك أراغون وقشتالة والبرتغال بإخلاء ممالكهم من الإسلام، وإن لم يفعلوا أوعدهم بنزول غضب الله عليهم.
وفي سنة 1328 م أصدر الملك الفونسو الرابع قانونًا في بلنسية يعطي فيه السلطة المطلقة للسيد الإقطاعي أن يقضي بين المسلمين الذين تحت حكمه، وأن يعاقب ويبتر الأعضاء ويجلد ويقتل ويصادر ويحتفظ بما يصادره لنفسه أو يقتسمه مع القاضي في أحيان محددة. أما ابنه بدرو الرابع فقد سن عام 1342 م قانونًا يؤكد فيه القانون السابق. وفي سنة 1370 م سن قانونًا يمنع فيه المسلمين من الهجرة إلى غرناطة أو إلى المغرب حتى لو دفعوا خمس ممتلكاتهم كما كانوا يفعلون من قبل.
وسن قانونًا ثالثًا سنة 1371 م يمنع فيه فرض مراقب نصراني على المسلمين كما كان من قبل. وفي سنة 1389 م أصدر الملك خوان الأول قانونًا يحرم فيه على الأسرى
المسلمين أن يفتدوا بأموال من مملكة بلنسية إن كانوا خارجها، وإن فعلوا تعرضوا لعقوبة الاسترقاق.
وفي سنة 1403 م أصدر الملك مارتين الأول قانونًا يؤكد فيه ما شرع من قبل حول فدية أسرى المسلمين، ويقضي بمصادرة أموال كل من هاجر من المسلمين، واسترقاق من يقبض عليه منهم، وتوزيع أموالهم ثلاثة أثلاث: للملك، وللإقطاعي الذي كان يسكن عنده المهاجر، وللإقطاعي الذي قبض على أرضه. ويمنع القانون المسلمين من الانتقال من أرض إقطاعي إلى أرض غيره إلا بشروط، ويوجب على الإقطاعي الذي يلجأ عنده مسلم بأن يسلمه خلال ثمانين يومًا من الإنذار النهائي لتسليمه وإلا غرم 1000 فلوران.
وفي سنة 1418 م أصدر الملك فراندو الأول قانونًا يحرم فيه على المسلمين الخروج من مملكة أراغون إلا لخدمة سيدهم النصراني ودون اصطحاب أبنائهم. وقرر القانون بان المسلمة المسترقة التي تحمل من سيدها لا تصبح حرة إلا إذا اعترف السيد النصراني بأنه منها، وإذا حملت من غير سيدها، إن كان نصرانيًّا تظل مسترقة ويجبر النصراني على أخذ ابنه، هان ماتت المرأة عند الولادة دفع ثمنها لسيدها. وأمر القانون أن توضع أحياء المسلمين تحت إشراف مراقب نصراني، وحرم على المسلمين الآذان تحت طائلة الإعدام، وفرض عقوبة الموت على المسلم الذي يجرح نصرانيًّا في غير الدفاع المشروع، وغرامة تعادل ضعفي الغرامة التي يدفعها النصراني في حالة الدفاع المشروع.
وأصدر الملك الفونسو الخامس قانونًا يمنع فيه هجرة المسلم حتى لو حصل على موافقة سيده الإقطاعي. وأصدر سنة 1428 م قانونًا أكد فيه حق السادة الإقطاعيين في القضاء بين جميع أتباعهم بما فيهم المسلمين، وأصدر أمرًا يقضي بأنه لا يحق للمسلم أن يدعي الفقر ليتخلص من قضاء سيده وليطالب بمحاكمته أمام محاكم الدولة كما هو الوضع بالنسبة للفقراء. وقرر أن المسلم إذا بدل مقر سكناه من إقطاع إلى إقطاع آخر دون تصفية حساباته صودرت كل أملاكه المنقولة وغير المنقولة، وإذا بدل مقره دون موافقة سيده الإقطاعي فرض عليه الرق وعلى زوجته وأولاده.
هذا هو الوضع الذي كان عليه المسلمون في مملكة أراغون قبل سقوط
غرناطة. وكانوا يعيشون كمسلمين تحت حكم النصارى لمدة تتراوح بين القرنين
والثلاثة قرون يعملون كمزارعين لساداتهم النصارى لهم عليهم سيطرة تشبه سيطرة السادة على العبيد. ونظموا أنفسهم دينيًا في جماعات تعيش حول مساجدها، لها فقهاؤها وعلماؤها. لكن هذا التوازن الذي تعود عليه المدجنون في مملكة أراغون سيختل إلى الأسوأ بعد سقوط غرناطة.
أصبحت مخاوف مسلمي أراغون تتزايد منذ صدور الأمر بتنصير مسلمي غرناطة ثم مسلمي قشتالة سنة 1502 م. فتدخل السادة الإقطاعيون الذين يعمل المسلمون في أراضيهم أمام مجلس الكورتس في برشلونة سنة 1503 م لحمايتهم من التنصير الإجباري أو الطرد. ولقد جاءت هذه الحماية ببعض النتائج في أول الأمر حتى أن الملك كارلوس الأول اضطر سنة 1517 م أن يكذب الشائعات التي تنسب إليه نية طرد المسلمين من مملكة أراغون. لكن عداوة الكنيسة وعامة النصارى للمسلمين كانت قوية، كما أن الدولة سلحت عامة النصارى سنة 1509 م لرد هجوم المجاهدين الأتراك على السواحل ومنعت المسلمين من سكنى السواحل.
وأصبح هذا العداء يظهر بشكل واضح ودموي بعد حادث قتل عبدين من طرف مسلمين في 20/ 5 / 1521 م. فهاجم النصارى قرى إسلامية في منطقة بلنسية في شهر يونيو سنة 1521 م، وفي 15/ 7 / 1521 م هاجمت قوة من النصارى قوامها 400 شخص بلدة مربيط الإسلامية، وفي شهر غشت من نفس السنة أجبر النصارى 15.000 مسلم على التنصير بالقوة خاصة في بلدة بولوب وضواحيها، وفي مارس سنة 1522 م قامت قوة من النصارى بالإغارة على قريتين مسلمتين هما البركة والكوثر.
ومنذ مارس سنة 1523 م أخذت "محاكم التفتيش "تناقش موضوع تشبث المورسكيين بالإسلام، فقام المفتش العام دون ألونسو منريكي بعقد اجتماع لمحاكم التفتيش في شهر يناير عام 1524 م لدراسة موضوع رجوع الذين تنصروا منذ عام 1521 م إلى الإسلام. وتأجل الاجتماع عدة مرات، ثم عقد أولى جلساته في 19/ 2 / 1525 م ودامت الاجتماعات إلى 22/ 6 / 1525 م. فقرر الجمع بأن المسلمين الذين أجبروا على التنصير هم نصارى وجب عليهم أن يعيشوا حياة النصارى، وعلى " محاكم التفتيش "أن تعاملهم معاملة المرتدين إذا رفضوا ذلك.
وفي نفس الوقت طلب كارلوس الخامس رأي البابا في الأمر. فأصدر البابا كليمنت السابع أمرًا بتاريخ 12/ 5 / 1524 م يتضمن إحلال الملك من قسمه في
المحافظة على حقوق المسلمين ومطالبة الملك بتحويل المسلمين إلى النصرانية بالقوة ومنحه حق فرض الرق على من رفض ونصحه باستعمال محاكم التفتيش لإرهاب المسلمين وإجبارهم على التنصير. وفي 16/ 11 / 1525 م أصدر الملك أمرًا بتنفيذ مضمون الأمر البابوي وقضى بتنصير المسلمين ونزعهم من السلاح وتحويل جميع المساجد إلى كنائس تحت طائلة إيقاع المعارضين في الرق بعد 8/ 12 / 1525 م. وفي 10/ 12 / 1525 م طلب مفوض ديوان التفتيش من المسلمين الرافضين للتنصير الاستعداد لترك بيوتهم والخروج من المملكة في موعد أقصاه 21 /
1/ 1526 م.
أوفد المسلمون شخصين إلى الملك يسترجعونه في هذا الأمر فرفض الرجوع عنه. لكن مقابل غرامة له منهم قدرها 40.000 دوقة خفف عليهم شروط التنصير، إذ منحهم حق الاستمرار في استعمال اللغة العربية لمدة أقصاها عشر سنين، ووعدهم بإبطال نزع السلاح، وبأن يساويهم بالنصارى القدامى في الضرائب. فدخل اليأس نفوس المسلمين ولم يعودوا يفكرون إلا في الثورة، فثار بعضهم في أحواز سرقسطة.
وانطلقت الثورة في منطقة بلنسية من بلدة بني الوزير وانتشرت إلى القرى المجاورة.
ثم ثار المسلمون على ضفاف نهر شقر وفي الأراضي الواقعة بين دانية وغاندية وتحصنوا في حصن بولبه. ثم تحرك الثوار إلى مدينة بيكوك.
وفي 15/ 2 / 1526 م أعلن المنادون في شوارع بلنسية باسم نائب الملك الحرب على المسلمين، فتقدم 5.000 متطوع نصراني، حاصروا حصن بولبه، فاضطر المدافعون عنه إلى الاستسلام في 18/ 3 / 1526 م. فاسترق النصارى من وجدوا فيه من مسلمي أراغون وأجبروا الباقين على التنصير ودفع غرامة قدرها 12.000 دوقة من الذهب. لكن معظم الثوار اتجهوا شمالاً إلى بلدة شقوربة وتحصنوا بجبال "أشالدان " الواقعة بقربها وبايعوا سلطانًا عليهم سليم المنصور. ونشطوا في تحصين تلك الجبال وتعاهدوا على الجهاد حتى الشهادة. فجاء الملك على جيش إلى بلنسية وبدأ هجماته على الثوار في شهر أبريل 1526 م ثم استنجد بالمتطوعة الألمان، فالتحق بجيشه 3.000 جندي ألماني في 7/ 9 / 1526 م، وتزايد عدد جنود الجيش المهاجم حتى زادوا على 8.000 جندي دون الفرسان. فانهزم المسلمون واستشهد سلطانهم سليم المنصور. ثم قضي على الثوار المسلمين في منطقة دانية، ففر منهم حوالي ألفي شخص على بواخر مجاهدي البحر للجزائر والمغرب.
وهكذا قضى كارلوس الخامس على مقاومة المسلمين في مملكة أراغون وسار في مخططه التنصيري بينما عمل المسلمون كإخوانهم في غرناطة على الحفاظ على إسلامهم سرًّا والتظاهر تحت واقع القهر بالنصرانية.
وأخذ كثير منهم يهاجر إلى بلاد الإسلام في بلدان المغرب. ففي سنة 1529 م وحدها أرسل خير الدين الحاكم العثماني على الجزائر عدة سفن بقيادة نائبين، ايدين ريس وصالح ريس، فرست بقرب مرفأ أوليفة شمال دانية ونزلت منها إلى البر قوة استطاعت أن تحرر 600 مسلم أندلسي ممّن يرغب في الهجرة وهاجمت السفن التركية سفنًا إسبانية أغارت عليها في طريق الرجوع. ويقدر عدد من هاجر في سفن الأتراك من مملكة أراغون وحدها في هذه الفترة ما يقارب 70.000 مورسكي. كما حمل في سنة 1559 أمير البحر طورغود من شاطىء بلنسية 2.500 مورسكي.
كما حاولت الدولة الإسبانية قطع الصلة بين المسلمين في المناطق المختلفة خاصة بين مسلمي مملكة بلنسية ومسلمي مملكة غرناطة. ففي سنة 1541 م حرم على مسلمي غرناطة النزوح إلى بلنسية وحرمت الهجرة من بلنسية إلا بترخيص ملكي مقابل غرامة باهظة.
هذه هي الأحوال التي كان عليها مسلمو مملكة أراغون قبيل ثورة غرناطة العظمى: مسلمين سرًّا ونصارى ظاهرًا، منهم من يأمل في قوة خارقة تحررهم من الظلم الذي هم عليه، ومنهم من لا يفكر إلا في الهجرة إلى ما تبقى من دار الإسلام في البحر الأبيض المتوسط خاصة شمال إفريقيا.