الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
التشتيت وزيادة القهر (1570 - 1608 م)
4/ 1 - إخراج المورسكيين من مملكة غرناطة:
في 5/ 3 / 1570 م، وقبل انتهاء ثورة غرناطة الكبرى، قرر المجلس الملكي الإسباني إقصاء المورسكيين جميعًا من مملكة غرناطة وتوزيعهم على قشتالة، خارج حدود دولة بني الأحمر القديمة. وقد رأينا أن جماعة من أهل حاضرة غرناطة رحلوا منذ 29/ 3 / 1570 م في ظروف قاسية، ونقلهم الجيش الإسباني إلى بلدة مونتيلا (مقاطعة قرطبة) ومنطقة قلعة رباح جنوب طليطلة.
وفي 28/ 10 / 1570 م أرسل فليبي الثاني إلى أخيه خوان النمساوي أمرًا مجددًا بإخراج جميع المورسكيين، المحارب منهم والمسالم، من مملكة غرناطة. ومنذ 1/ 11 / 1570 م ابتدأ جيش خوان النمساوي يجمع بالقوة سكان القرى والمدن المورسكيين، كل جماعة في بلدة سكناها، ليقودهم إلى أماكن تهجيرهم في قشتالة، وفي مناطق الأندلس المحتلة قديمًا. وصدر القرار بمصادرة جميع أملاك المهجرين الثابتة، وسمح لهم بنقل أملاكهم المنقولة. وقد اعتقدت إسبانيا النصرانية، حكومة وكنيسة، أن إخراج الغرناطيين قاطبة من ديارهم وتشتيتهم على أنحاء مملكة قشتالة في مناطق لا يعرفونها هو الحل النهائي والوحيد للقضاء على روح المقاومة والجهاد فيهم.
وجزّأ القائمون على التهجير مملكة غرناطة إلى سبع مناطق، جعلوا كل منطقة تحت إدارة مسؤول (أو مسؤولين أو ثلاثة) يقوم بتهجير سكان تلك المنطقة، كبارًا وصغارًا، نساءً ورجالاً. واختاروا مركزًا للتجمع لكل منطقة من المناطق السبعة، وهي: رندة ومالقة في ولاية مالقة، وغرناطة ووادي آش وبسطة في ولاية غرناطة،
والمرية وبيرة في ولاية المرية. واختار القائمون على التهجير لكل نقطة تجمع من النقاط السبعة حوالي 12 نقطة تجمع ثانوية، عينوا عليها ضابطاً تحت إمرة المسؤول العام في نقطة التجمع المركزية مسؤولاً عن تجميع السكان.
ودامت هذه المرحلة من تجميع المورسكيين أسبوعًا واحدًا، حاول الاختفاء خلالها الكثيرون، بينما حاول آخرون البرهنة على حسن نصرانيتهم، وانضم آخرون إلى المقاومة. وعمل الجيش بكل قساوة وطغيان على جمع أكبر عدد من المورسكيين في المستشفيات والكنائس والأديرة حتى وصل عددهم إلى حوالي 5.000 موريسكي في ولاية مالقة (مالقة ورندة) و 26.400 في ولاية غرناطة (12.000 في غرناطة و 12.000 في وادي آش و 2.400 في بسطة) و 14.500 في ولاية المرية (8.500 في المرية و 6.000 في بيرة)، أي يكون المجموع حوالي 46.000 مورسكيا. وهذا هو العدد الذي أخبر به فرنسيسكو كوتيرس دي كويلار الكاردينال دي سيكونزة في رسالة قال فيها: "كنت قلت لك في رسالة سابقة بأن عدد المسلمين الذين طردوا هذه المرة من هذه المملكة (يعني غرناطة) يزيد على 35.000 نفس، لكني علمت بعد ذلك أن زيادة على الرقم الذي ذكرته لك فلقد أخرج من وادي المنصورة حوالي 11.000 شخص آخرين، وبهذا يكون مجموع من أخرج من المملكة ما يقارب 50.000 نفس".
وبعد مرحلة التجميع ابتدأت المرحلة الثانية وهي نقل المهجرين "في رحلة طويلة مشيًا على الأقدام بمعدل عشرين كيلومترًا في اليوم باتجاه الشمال أو الغرب. ورتب الجيش أول الأمر هذا الانتقال في تنظيم عسكري محكم، فقسم المهجرين إلى قوافل. تتكون كل قافلة من 1500 أندلسي مؤطرين من طرف 200 عسكري قشتالي، تتبعها عربات تحمل أمتعة المهجرين المسموح لهم بحملها. وأخذت الترتيبات لتوزيع الغذاء، وجبة خفيفة في الصباح وثانية كبيرة في المساء. وأمر الجيش بتهدئة المهجرين وحثهم على المشي بالكلام الطيب حتى لو أدى ذلك إلى الكذب عليهم باختلاق وعود بالعودة، كما يدل على ذلك الرسالة التالية إلى ألونسو كاربخال، المسؤول عن التهجير في بسطة:
"عم النقص في هذه الولاية (يعني بسطة) في كل شيء بسبب عدم زراعة الأرض نتيجة اضطرابات الحرب والقحط الذي حل هذه السنة، لدرجة لا يمكن معها أن يغطي حاجيات المعيشة الضرورية
…
وقد قرر صاحب الجلالة في الوقت الراهن
أن يخرج النصارى الجدد (يعني المورسكيين) من هذه المملكة (يعني غرناطة) وينقلوا إلى قشتالة والولايات الأخرى حيث جاءت السنة غنية بالخيرات، ولم تفسد الحروب المحاصيل، وحيث يمكن للمهجرين بكل سهولة التغذية وتغطية حاجاتهم في هذه السنة، والتفكير في الوقت المناسب والطريقة المثلى في الرجوع إلى ديارهم الأصلية .... وكذلك يمكنهم حمل أموالهم المنقولة دون أن يؤخذ منها شيء البتة مع إغداقهم بكل الكلمات الطيبة التي يعرفونها".
لم يتفق الواقع بتاتًا مع هذا التخطيط الإنساني للمرحلة الثانية من التهجير. كان يقضي التخطيط بنقل جماعة من الغرناطيين إلى إشبيلية غربًا وأخرى إلى البسيط شمالاً. لكن سوء الأحوال الجوية على طريق البسيط أرغمت منظمي التهجير على تغيير المخطط الأول، كما تعذر نقل المهجرين عبر البحر إلى إشبيلية. وهكذا أجبر الجيش المهجرين على المشي على الأقدام تحت المطر والثلج والبرد لأسابيع متواصلة، رغم أن جلهم كان من الشيوخ والأطفال والنساء. وقد أدى ذلك بالمهجرين إلى متاعب مهلكة مما أثار شفقة جلاديهم أنفسهم، كما جاء في كتاب فرومينو دي فونتس من البسيط إلى الكاردينال دي سيكونزة، حيث قال: "إنه لمن المؤثر جدًّا أن نرى أن العدد الكبير من الأطفال الصغار والنساء، يعمهم الفقر والحرمان اللذان لا ينتهيان، مع سوء الأحوال الجوية وكثرة العدد
…
حتى أصبح من الصعب إكمال كل ما يجب إكماله للاستجابة لكل الحاجات مهما كان المجهود
…
".
وانتهت المرحلة الثانية من التهجير بوصول 21.000 غرناطي إلى البسيط، و 12.000 إلى قرطبة، و 6.000 إلى طليطلة، و 5.500 إلى إشبيلية، أي ما مجموعه 44.500 غرناطي، وبهذا يكون قد مات حوالي عشر المهجرين من الإعياء والتعب.
وكان في نية الدولة الإسبانية تشتيت المهجرين من نقط تجمعهم الجديد، التشتيت الكامل في قرى ومدن قشتالة لتكسير عزيمتهم وإجبارهم على نسيان هويتهم وعقيدتهم ولاضمحلال عصبيتهم حتى يذوبوا في المجتمع النصراني المحيط بهم.
وابتدأت المرحلة الثالثة من التهجير وهي التشتيت، فأجبر الجيش 7.000 غرناطي ممن وصلوا إلى قرطبة على متابعة السير إلى منطقة بطليوس، و 7.500 ممن وصلوا إلى البسيط على السير إلى وادي الحجارة وطليطلة وطلبيرة، و 6.000 ممن وصلوا إلى طليطلة على السير إلى شقوبية وبلد الوليد وبالنسية وطلمنكة في الشمال.
وتبعت هذه المرحلة من التهجير مرحلة رابعة، وهي تشتيت المهجرين على المدن والقرى الثانوية حتى تصل نسبهم من بين السكان إلى أصغر قدر ممكن. وبهذا دام التهجير شهرين متواصلين ولم ينته إلا في 20/ 12 / 1570 م. ويقدر عدد الذين ماتوا بالطريق أو بعد الوصول بقليل، بين 1/ 11 / 1570 م وربيع سنة 1571 م، بثلث المهجرين، أي حوالي 17.000 غرناطي. فلم يبق ممن هجروا من ديارهم سوى 33.000 غرناطي، في حالة يرثى لها من الجوع والفقر والمرض والبؤس.
ولضعفهم انتشرت فيهم الأوبئة، خاصة التيفوس، فأخذت المدن والقرى التي وصلوها تعاملهم أسوأ معاملة، وتحاول التخلص منهم بإرسالهم إلى المناطق النائية. ومنع المهجرون من الاتجاه إلى مملكة مرسية حتى لا يتصل أندلسيو غرناطة بمسلمي أراغون.
وفي 22/ 11 / 1571 م قررت الحكومة الإسبانية مرة أخرى إخراج المورسكيين الغرناطيين المهجرين في منطقة الأندلس القديمة إلى مناطق قشتالة المختلفة. فأخرج مورسكيو ولاية جيان إلى وادي الحجارة وطليطلة وبالنسية. ولم تنته هذه المراحل المتتالية من التهجير إلا بعد أن كادت تقضي على المهجرين.
ولم يكن تهجير سنة 1570 م لأهل مملكة غرناطة من طرف القشتاليين أول تهجير، وإن كان أكبرها. فقد طردت السلطات الإسبانية إبان ثورة غرناطة الكبرى سنة 1569 م أعدادًا كبيرة من الأندلسيين من مدن مختلفة: في يونيو من حي البيازين في غرناطة: وفي نوفمبر من مدينة أشكر، وفي ديسمبر من باقي أحياء غرناطة. وتابعت السلطات طردها للأندلسيين سنة 1570 م: فطردت في فبراير أهل كهوف المنصورة، وفي مارس أهل البرج وقمارش، وفي مايو أهل بسطة وطلوش ومندة، وفي يوليو أهل غرناطة مرة أخرى. ويقدر عدد من هجر قبل تهجير سنة 1570 م الكبير بحوالي عشرين ألف أندلسي، منهم 7.000 من حاضرة غرناطة، و 6.000 من مرجها، و 7.000 من باقي مدن وقرى مملكة غرناطة.
وبعد تهجير سنة 1570 م الكبير، هجر عدد آخر من أهل مملكة غرناطة، ابتداء من 3.500 أندلسي هجر من حاضرة غرناطة ومرجها في ديسمبر عام 1570 م إلى 51 أندلسي نقلوا من بلش إلى طليطلة في أبريل عام 1574 م، بما مجموعه حوالي 10.000 أندلسي. فيكون مجموع من هجر من مملكة غرناطة إبان ثورتها
الكبرى وبعدها ما مجموعه 80.000 مسلم أندلسي شتتوا على جميع أنحاء مملكة قشتالة (عدا مملكة مرسية).
فهل هجر جميع مسلمي مملكة غرناطة بعد ثورتها العظمى سنة 1570 م كما تدعيه الكنيسة؟ سنجيب على هذا السؤال بتفصيل فيما بعد، ونكتفي هنا بتقديم شهادتين لمن قاموا بالتهجير أنفسهم: الأولى لبدرو لويز دي ميسا في رسالة كتبها للكاردينال دييغو دي اسبينوزا تكلم فيها عن الأندلسيين الذين رحلوا من البيازين في يونيو سنة 1569 م، إذ قال: "
…
يصل رقم المهجرين بين المحجوزين والذين في السجون إلى حوالي 4.000 شخص عدا المُسِنِّين والأطفال. ولقد تغيب عدد كبير منهم (يعني المسلمين أهل البيازين) واختبأ الآخرون. لكننا سعداء لهذا العدد من المطرودين الذي توصلنا إليه، لأن إخراج 4.000 عدو من غرناطة، من بينهم ذوي المال والقيادة سيكون له أكبر الأثر، إذ سيتركون نساءهم وأطفالهم وأموالهم لنا كرهائن بعد خروجهم".
والشهادة الثانية أيضا لبدرو لويز دي ميسا في رسالة كتبها للكاردينال المذكور يصف فيها تهجير أهل بعض أحياء غرناطة في ديسمبر سنة 1569 م، حيث قال: "أمرني دون خوان النمساوي أن أحتجز كل المورسكيين الذين بقوا في هذه المدينة في أربع كنائس لإخراجهم من المملكة (يعني غرناطة). وقد احتجزنا 2.800 شخص؛ ومن هؤلاء أخرجنا أكثر من النصف؛ أما الباقون فلقد تركناهم لكونهم من المرضى والعجزة. وبقي كذلك 150 حرفيًّا بين خبازين وفرانين وحدادين وأصحاب مهن أخرى، وتركنا غير هؤلاء من التجار وشخصيات ذات أهمية ليصفوا أماكن عملهم وأملاكهم غير المنقولة فأمهلناهم خمسة عشر يومًا. وكلهم قاموا بالتخلص من أموالهم، وفي كل يوم يخرج البعض منهم
…
".
يدل هذا على أن الدولة الإسبانية كانت تعمل على القضاء على القوى الحية في المجتمع الغرناطي بتهجيرها وتشتيتها وليس على تفريغ مملكة غرناطة من سكانها المورسكيين. وسنقدر فيما بعد أعداد الأندلسيين التي بقيت في مملكة غرناطة بعد هذا التهجير.