الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتنتمي النساء المتهمات بالإسلام في هذه المحاكمة إلى مجموعات عائلية مترابطة: المجموعة الأولى مكونة من أخوات أنريكز لارا السبعة؛ والمجموعة الثانية مكونة من الأخوات دياس الأربعة، إحداهن كابريلة كانت زوجة للورنسو فليبي دي مندوسة؛ والمجموعة الثالثة مكونة من الأخوات بويرتا وهن أنطونيا وإيسابيلا وبترونيلا وآنا مارية. وكانت معظم النسوة سيدات بيت لا تعملن خارج بيوتهن. غير أن لبعضهن الآخر نشاط مهني: فمارية بوهوركز (70 سنة) كانت صيدلية، ومنويلا أنطونيا الفارس (58 سنة) كانت حرارة، وكذلك أنطونيا دي لا بويرتا (57 سنة)، ومارية دي كويباس (60 سنة)، وأنا مارية دي لا بويرتا (55 سنة) كانت خياطة، وروزا دي سييرا (48 سنة) كانت صباغة، وليونور الفارس (60 سنة) كانت صاحبة دكان توابل، وكانت خاسنتا فرنندس صاحبة دكان ألبسة.
وتدل مهن النساء والرجال هذه، كصناعة الحرير ومشتقاتها من صباغة وخياطة وكالصياغة، على استمرارية الوجود الإسلامي في الأندلس رغم طرد سنة 1609 م، لأنها كانت المهن التي اختص بها المسلمون. وقد ألبست محكمة التفتيش المتهمين "السانبنيتو"، وطافت بهم في شوارع غرناطة. وكان المورسكيون يعدون، على عكس النصارى، الحكم بلبس السانبنيتو شرفًا يدل على ثباتهم على الإسلام وتمسكهم به، وكان لابسوه منهم موضع اعتزاز وافتخار بين قومهم وأهلهم.
وفي 10/ 10 / 1728 م، حكمت محكمة غرناطة مرة أخرى على ثمانية وعشرين شخصًا بتهمة الانتماء إلى الإسلام، وصادرت أموالهم بكميات كبيرة لدرجة جوزي معها المخبر براتب سنوي قدره مائة دوقة. وتابعت محاكم التفتيش في غرناطة القبض على المتهمين بالإسلام إلى أن طلبت بلدة غرناطة سنة 1729 م من الملك طرد كل المورسكيين المحكوم عليهم خارج إسبانيا حتى تبقى المملكة نقية من هذا "الدم الفاسد".
وفي سنة 1769 م، تلقى ديوان التفتيش معلومات عن وجود مسجد سري في مدينة قرطاجنة (مقاطعة مرسية) مما يدل على وجود تنظيمات سرية للمسلمين إلى هذا التاريخ.
7/ 4 - مؤامرات وثورات:
من دلالات استمرارية الوجود الإسلامي بكثافة في إسبانيا بعد طرد سنة 1609 م، استمرار الأمل عند كثير من أهل الأندلس في الثورة والاستقلال ومحاولتهم الحصول
على السند من الخارج من أجل ذلك. وكانت تقوم معظم هذه المحاولات في الجنوب الذي حافظ على اسم الأندلس إلى اليوم، والذي ظل المسلمون به أكثرية مضطهدة أجبرت على التنصير، وبقيت ذكراها الجماعية قائمة. وسنعرض فيما يلي ثلاثة أحداث وقعت في إسبانيا في القرن السابع عشر الميلادي.
ففي 9/ 2 / 1624 م، تقدم مجلس الدولة بتقرير عن مدينة غرناطة يخبر فيه أن بها أسرتين، كويار ومدريد، لهما وضع اقتصادي جيد لاحتكار أفرادهما صناعة الحرير، والجميع يعرف أن العائلتين مورسكيتين. وقد اتهم أفرادهما، بسبب الحسد والمنافسة، أمام محاكم الجرائم بأن لديهم علاقات مع مسلمي شمال إفريقيا ويتآمرون معهم ضد الدولة الإسبانية. فأمر القاضي بتفتيش منازلهم، فلم يجد شيئًا يشتبه فيه سوى خريطة لمملكة غرناطة. وأخبر قاضي غرناطة بكل ذلك قاضي مجريط الذي اعتبر الاتهامات مجردة من أي دليل وأمر وزارة المالية بتفضيل المؤجرين.
انتشرت المجاعات في عصر فليبي الرابع، وعمت الدولة الفوضى، وثارت
الولايات. ففي سنة 1640 م، انفصلت البرتغال عن إسبانيا بعد أن توحدت معها أثر معركة وادي المخازن، وأعلن دوق دي براغانسا نفسه ملكًا عليها. وفي سنة 1648 م، نشبت ثورات ضد الدولة في أراغون. وفي نفس الوقت، قلت كميات الفضة المرسلة إلى إسبانيا من أمريكا الجنوبية، فجفت صناديق الدولة من المال، وضعفت إمكاناتها.
وأدت هذه الأحداث إلى أوضاع لا تطاق، خاصة في الأندلس، حيث سيطرت الكنيسة وبعض العائلات الغنية الوافدة من الشمال على خيراتها، بينما أصبحت جماهير المنحدرين من أصول إسلامية تعيش حياة الجوع والمرض. وقد شجع انفصال البرتغال الأندلسيين على محاولة تحرير أنفسهم من سلطة قشتالة وعلى الثورة.
فقامت مظاهرات في إشبيلية تنادي: "عاش الملك دون خوان (ملك البرتغال المنفصل)، وليسقط الملك فليبي الرابع (ملك إسبانيا) وحكومته السيئة".
كان لملك البرتغال المنفصل علاقة وثيقة بالأندلسيين، إذ تزوج بدونيا لويزا بيريز دي عثمان، وهي امرأة أندلسية عريقة، أخت الدون ألونسو بيريز دي عثمان، دوق مدينة شذونة، القائد العام للأسطول الإسباني في المحيط الأطلسي والشواطىء الأندلسية. ففكر الدوق في تحرير الأندلس وإعلان نفسه ملكًا عليها، وذلك بتشجيع من أخته وبمساندة صديقه ماركيز أيامونتي، وهو أندلسي عريق كذلك.
كانت لدوق مدينة شذونة، الذي عينه ملك إسبانيا حاكمًا عسكريًّا للأندلس، علاقات وثيقة بحكومة البرتغال الجديدة وملكها زوج أخته وبفرنسا وبريطانيا وهولاندا الذين وعدوه جميعًا بالمساندة. كما كان يملك أراض شاسعة بمنطقة شلوقة غرب قادس، وكان له ثروة هائلة وأتباع مسلحون كثيرون. واتصل دوق مدينة شذونة وماركيز أيامونتي بملك البرتغال عن طريق الراهب نقولا دي بلاسكو، الذي كان موضع ثقة لدى ملك البرتغال. وكان سانشه، خادمه، الواسطة بينه وبين نبلاء الأندلس.
اتصل المتآمرون بأمير مورسكي من ذرية سلطان غرناطة أبي عبد الله الأيسر الذي حكم البلاد بين سنتي 820 و 845 هـ عدا حقبتين قصيرتين بين سنتي 831 هـ و 833 هـ وبين سنتي 835 هـ و 836 هـ. وكان هذا الأمير يسكن جبال قادور، شمال مدينة المرية، فانضم إلى الثورة تحت اسم طاهر الحر، وأعلن نفسه ملكًا على شرق الأندلس. فسانده دوق مدينة شذونة، ووعده أندلسيو المغرب بإرسال جيش منهم لمساندة الثورة الأندلسية.
ويظهر من علاقة دوق مدينة شذونة وأندلسيي الرباط في تلك الفترة، أنه كان يأمل في مساندتهم لمشروعه. وفعلاً اتبع دوق مدينة شذونة سياسة والده في الدفاع عن أندلسيي الرباط كلما ضاق بهم الأمر، وكان يبرر مساندته، تقية، أمام ملك إسبانيا بأنهم نصارى في الخفاء. وفي 21/ 4 / 1641 م سيطر الدلائيون على قصبة الرباط، فضاعت المبادرة من يد الأندلسيين، لكن زعماءهم ظلوا على اتصال بزعماء الثورة بالأندلس.
لم يكتب لهذا المشروع النجاح بسبب خيانة سانجه، خادم الراهب نقولا بلاسكو. فمرة طلب سانجه من الملك خوان، ملك البرتغال، الإذن بالذهاب إلى إشبيلية للانضمام إلى الثورة، والاتصال بدوق مدينة شذونة ليسلم له أخبارًا هامة.
لكن، عوضًا عن إشبيلية، اتجه سانجه إلى مجريط، وسلم المراسلات التي لديه إلى كوندي ودوق أليبارس، وزير الملك فليبي الرابع المتصرف في الدولة آنذاك. وعند اكتشاف المؤامرة، أخبر الوزير الملك، وأمر دوق مدينة شذونة بالقدوم إلى القصر الملكي. لكن دوق مدينة شذونة اعتذر عن القدوم بحجة توعك صحته. فأمر الوزير حينذاك ماركيز أيامونتي بالقدوم إلى مجريط. فاستجاب الماركيز، لكن الوزير أمر بقبضه في الطريق إليها، فقبض عليه في ضواحي قرطبة وسجن في قلعة منتية.
وعندما أيقن الوزير أن ماركيز أيامونتي أصبح بيده، أرسل أمرًا بتاريخ 4/ 9 / 1641 م بالقبض على دوق مدينة شذونة. فلما علم الدوق بالأمر، اختار الذهاب بنفسه إلى مجريط لتحاشي ما هو أعظم. فاستقبله الوزير أليبارس مع ماركيز أيامونتي، واستنطقهما، ثم استجوبهما مجلس الشورى الملكي. فأمر الملك بإعطاء مكافآت لمن فضحوا المؤامرة، وحكم على ماركيز أيامونتي بالإعدام، فأعدم في قصر سقوبية. أما دوق مدينة شذونة، بسبب علاقاته الدولية ولكونه سلم نفسه، أنقذت حياته وحكم عليه بمصادرة أملاكه في شلوقة وإعلان توبته والكتابة ضد مسانده، ملك البرتغال.
فبقي طاهر الحر وحده في الثورة. فاتجه إلى منطقة أشتبونة لاستقبال القوات الأندلسية من المغرب. لكن الوزير أليبارس أرسل من يقتله غيلة في منطقة أشتبونة.
وهكذا أنهت آخر محاولة أندلسية في التحرير، والجدير بالذكر أن علم طاهر الحر ودوق مدينة شذونة هو الآن علم منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي.
لم تستقر الأوضاع بالأندلس بعد القضاء على حركة طاهر الحر. فانتشرت بعد ذلك عبر مدن الأندلس وقراها المناشير التي تشتم الملك فليبي الرابع وتحث الأندلسيين على الثورة. ومنذ سنة 1644 م، أخذت العامة تتعرض لقوافل الفضة القادمة من ميناء إشبيلية إلى مجريط، وتوزع حمولاتها على الفقراء، كما حدث في أستجة سنة 1645 م، وفي غيرها. وفي سنة 1647 م، وقعت حوادث خطيرة في الحامة واليسانة وأردالس في منطقة الأندلس، كما وقعت مظاهرات احتجاج في غرناطة سنة 1648 م.
وفي يونيو سنة 1650 م، اكتشفت الحكومة مؤامرة لثورة شعبية، واتهمت المورسكيين بتنظيمها والتخطيط لها، وبتجهيز جيش من ثمانية آلاف رجل داخل غرناطة وخارجها للاستيلاء عليها، وحكمت بأحكام مختلفة على مدبريها، منهم أربعة بالإعدام بعد التعذيب، وواحد بالإعدام بالسيف، وتقول رواية معاصرة للأحداث إن "محركي (المؤامرة) كانوا مورسكيين، وأغلبهم من سكان البيازين، وهو الآن يكاد يكون خاليًا من السكان، بسبب العدد الكبير من أهله الذين سجنوا أو هربوا منه، ولم يبق فيه سوى الدخلاء والأجانب عن البلد". ومن زعماء المؤامرة ألونسو فرناندس دي ماهاندون، وكان مورسكيًّا غنيًّا يعمل صباغًا في البيازين.
وبعد غرناطة اشتعلت قرطبة، وكان الطاعون يسفك بأهلها منذ سنة 1649 م.
وازداد وضع قرطبة تأزمًا سنتي 1651 م و 1652 م بضياع المحاصيل الزراعية بسبب
الجفاف، مما سبب مجاعة فظيعة بين أهلها وهجرة أعداد هائلة من أهل البادية إليها، دون أن يحرك والي المدينة من طرف الحكومة ساكنًا للتخفيف من معاناة المواطنين.
وفي 6/ 5 / 1652 م، في هذا الجو المحموم، خرجت امرأة جليقية في حي سان لورانزو بقرطبة، تصيح وبيدها جسد ابنها الذي مات جوعًا. فتجمهرت حولها نساء الحي، وأخذن يصحن بالرجال ويشتمنهم لجبنهم في الوقوف ضد الظلم. فتسلح الرجال بالسكاكين والفؤوس والمطارق، وتوجهوا إلى بيت الوالي فحطموه. بينما التجأ الوالي إلى إحدى الكنائس. ثم هجم المتظاهرون، نساء ورجالاً، على بيوت النبلاء، وعلى بيت دون بدرو دي طابية، مطران قرطبة، وأخذوا منها القمح ووزعوه على الأهالي.
وبعد يومين، انضم للثورة كل سكان قرطبة، وتحولوا من المطالبة بالغذاء إلى المطالبة بإجراء إصلاحات في حكم قرطبة وبطرد النبلاء منها. ثم كون الثوار مجلسًا ثوريًّا وانتخبوا رجلاً منهم محترمًا جدًّا بينهم اسمه دييكو فرنادس دي قرطبة. حاكمًا على قرطبة، وعزلوا بدرو ألونسو فلورس دي مونتنقرو، المعين من طرف الحكومة.
فوافقت الكنيسة والملك على هذا الانتخاب لتهدئة الثورة. ثم أمر الملك بإرسال مائة ألف دوقة لشراء القمح لأهل قرطبة. وعندما رأى الملك أن هذين الإجراءين لم يفيدا في تهدئة الثورة، قرر في 16/ 5 / 1652 م العفو عن زعمائها، وفي 20/ 7 / 1652 م العفو عن جميع المشاركين فيها.
وبعد قرطبة، دخلت إشبيلية ومنطقتها، خاصة قلعة جابر وقرمونة، في تمرد شامل ضد الدولة، احتجاجًا على تسلط النبلاء على ماء الري وحرمان الفقراء منه.
وكان الغلاء قد فاق ما يحتمل، إذ وصل ثمن الخبزة الواحدة خمس إلى ست ريالات، بينما كان راتب العامل في البناء مثلاً في اليوم الواحد أربع إلى خمس ريالات. ففي 22/ 5 / 1652 م، ثار أهل إشبيلية بقيادة خياطين هما ايزديرو طريس وفرانسسكو هورتادو، وهجموا على بيوت النبلاء. ثم هجموا على مطران إشبيلية وحاكمها، وطلبوا منهما التدخل لتحرير المساجين وإلغاء الضرائب على المواد الغذائية وحرق ملفات الشرطة. ثم تحول المتظاهرون إلى المطالبة بحقوقهم السياسية والاجتماعية.
وفي 30/ 5 / 1652 م، سيطرت الحكومة بكتيبتين عسكريتين على حي الفيريا حيث قام التمرد. ثم قبضت على زعماء الثورة، وقدمتهم للمحاكمة، فحكمت على