الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3/ 4 - مراحل الثورة تحت قيادة ابن عبو:
أعاد ابن عبو فور مبايعته، تنظيم جيش المجاهدين. فعين ابن المليح قائدًا على وادي المنصورة ومنطقة بسطة، والشعيبي على البشرات وجبال شلير، وبولود على منطقة المرية. واستقدم السلاح والذخيرة من موانىء المغرب والجزائر.
ثم نظم ابن عبو جيشًا، قوامه عشرة آلاف مجاهد، اتجه بهم لحصار مدينة أرجبة وقلعتها أواخر شهر أكتوبر سنة 1569 م، بعد محاولات فاشلة لاقتحام أسوارها. فطلب قائد حاميتها النجدة من خوان النمساوي في غرناطة، فأنجده بقوة تحت قيادة دوق دي سياسة. فلم تفلح هذه القوة في فك حصار المجاهدين الذين قطعوا الطريق إليها في لانجرون. فنجح المسلمون في تحرير أرجبة، ثم حرروا غليرة، وهي قلعة ذات موقع استراتيجي رفيع. فأتت من أشكر قوات مساندة لجيش دوق دي سياسة فهزمهم المجاهدون في معركة عنيفة.
واستتبت وحدة المجاهدين حول ابن عبو الذي انتشر سلطانه إلى مناطق مالقة
ورندة وكثرت هجماته على مرج غرناطة. وفي أوائل نوفمبر عام 1569 م، حررت قوة من المجاهدين بقيادة خريمينو بن المليح حصن أرية بعد معركة عنيفة، إذ كانت حامية أرية النصرانية تغير على قرى المسلمين المجاورة لها، خاصة منتربة.
وفي هذه الأثناء كانت المعارك مشتعلة بين الدولة العثمانية وإسبانيا على
الشواطىء التونسية والجزائرية. وفي 19/ 1 / 1570 م أفلح أمير أمراء الجزائر، علي باشا، في تحرير مدينة تونس من يد الإسبان والقضاء على ما تبقى من الدولة الحفصية التي أصبحت تحت حماية الإسبان. لذا جمع ملك إسبانيا أقصى ما يمكن من قواته للقضاء على الثورة الأندلسية. فجهز ثلاثة جيوش: أكبرها تحت قيادة أخيه خوان النمساوي، وثانيها تحت قيادة دوق دي سياسة، وثالثها تحت قيادة أنطونيو دي لونا.
ونجحت هذه الجيوش الثلاثة في أخذ المبادرة من يد المجاهدين، وقد تزعزعت وحدتهم بعد مقتل ابن أمية، وقلت الإمدادات التي كانت تصلهم. وقرر الملك حسم الموقف مهما كان الثمن خوفًا من أن ينضم مسلمو بلنسية ومرسية إلى المجاهدين.
فأمر الملك في أواخر ديسمبر عام 1569 م، جيش خوان النمساوي بالتحرك.
فانطلق الجيش من غرناطة إلى حصن أبشر، ومنه إلى وادي آش، ووصل إلى بسطة في 29/ 12 / 1569 م حيث أقام بضعة أيام لتنظيم خطته. ثم اتجه خوان النمساوي بقوة تعدادها 12.000 جندي إلى حصن غليرة، واحتل في طريقه من يد المسلمين
حصن غولجر. وكان يدافع على غليرة حوالي 3.000 من المجاهدين، من بينهم فرقة من المتطوعين العثمانيين، وساهم في الدفاع عنها النساء الأندلسيات بأسلحتهن. وكان ماركيز دي بلش قد حاصر غليرة مدة طويلة، وعجز عن احتلالها، فأقاله خوان النمساوي في ديسمبر عام 1569 م.
قاوم المدافعون عن غليرة جيش خوان النمساوي مقاومة عنيفة، ومنعوه من اقتحام الحصن والبلدة. فحفر الجيش خندقًا حول البلدة، واستعمل المدفعية ضد حصنها، ثم حاصرها حصارًا طويلاً تكبد فيه مئات القتلى والجرحى. وفي 10/ 2 / 1570 م انهارت مقاومة المجاهدين ودخل الجيش البلدة في حمى جنونية من القتل والسلب. وأمر خوان النمساوي بقتل جميع الأسرى من رجال ونساء وأطفال، قتل منهم 1400 بحضوره، وخربت البلدة، وشتت الملح على أرضها.
وفي نفس الشهر توجه جيش خوان النمساوي شرقًا، وزحف على بلدة صيرون، فتوجهت إليه قوة تعدادها حوالي ستة آلاف مجاهد بقيادة الحبقي وابن المليح. ووقعت معركة طاحنة حول البلدة، قتل فيها المجاهدون عددًا كبيرًا من الجنود والضباط الإسبان على رأسهم دون لويس كيخادا، مربي خوان النمساوي قائد الجيش، وكان يعده في رتبة والده، كما كان كيخادا صديقًا مقربًا للملك شارل الخامس. فهزم المجاهدون جيش خوان النمساوي وشتتوه وكادوا أن يقتلوا قائده. ثم وصلت تعزيزات جديدة للجيش الإسباني فعاد إلى حصار صيرون، ونجح في 5/ 3 / 1570 م في اقتحام البلدة. فنجا الحبقي مع قلة من المجاهدين، بينما فشا القتل والسلب والنهب والاسترقاق فيمن وقع في يد الجيش.
ثم توجه جيش خوان النمساوي غربًا، فاحتل حصن نجولة واسترق فيه 400 طفل وامرأة، ودمره. ثم احتل على التوالي حصون برشانة وكنتورية وتهالي. وفي أواخر أبريل وصل الجيش إلى سهل البدول بالبشرات، وانتظر قدوم جيش دوق دي سياسة.
خرج جيش دوق دي سياسة من غرناطة في شهر فبراير وعبر جبال البشرات من الغرب إلى الشرق ينشر القتل والرعب والدمار في طريقه إلى أن وصل في أواخر شهر أبريل إلى سهل البدول بالبشرات حيث التقى بالجيش الأول.
وخرج جيش أنطونيو دي لونا من أنتقيرة، فوصل في أوائل شهر مارس إلى جبال بني طوميز شرق مالقة لإخضاعها.
وفي 14/ 3 / 1570 م، أمر خوان النمساوي باقي المسلمين في حاضرة غرناطة ومرجها بالخروج منها إلى قشتالة. وفي 19 مارس جمعهم الجيش في قوافل ووزعهم على قرى قشتالة النائية، وقد مات أكثرهم في الطريق مرضًا أو قتلاً، وبيع عدد كبير منهم في أسواق النخاسة.
وأمام هذا الوضع الحرج أخذ السلطان ابن عبو يستغيث بالدولة العثمانية من جديد. فأرسل كتابًا إلى أمير أمراء الجزائر، علي باشا، وآخر إلى مفتي القسطنطينية مؤرخًا بـ 11 شعبان عام 977 هـ (11/ 2 / 1570 م) هذا نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم، العزة لله، من عبد الله المتوكل على الله، الحي بفضله وقدرته، المجاهد في سبيله، أمير المؤمنين، المستمسك بشريعة الله، مبيد الكفار وقاهر جيوش العاصين لله، مولاي عبد الله محمد بن عبو، بارك الله مسعاه، وسدد خطاه ليسترد عزة الأندلس، ويجدد نهضتها، نصرها الله القدير، وهو القادر على كل شيء، إلى صديقنا وحبيبنا الخاص، السيد العظيم، والشريف الكريم، السامي المتقدم، العامل المحسن، الخائف من الله، أنعم الله عليه بنعمة الغفران".
"أما بعد فسلام الله عامة على دولتنا العلية، ونعمته وبركاته الوفيرة. أيها الأخ العزيز، لقد بلغتنا أنباء دولتكم العلية، وشخص السلطان الكريم، وما صدر عنه العطف على التعساء البائسين، وأنه سأل عنا، مهتمًا لمعرفة ما يجري لدينا، وأنه اهتم وتألم لما أصابنا من ضنك ونصب على أيدي أولائك النصارى، وأن صاحب الجلالة والعظمة السلطان قد أرسل إلينا كتابًا مختومًا بخاتمه يعدنا فيه بالنصرة بعدد وافر من الرجال المسلمين، وبما نحتاج إليه من العون والعدد التي تسمح لنا بالحفاظ على هذه الأرض".
"وبما أننا نقاسي المتاعب الشديدة في هذه الأزمة المريرة، فإننا نلجأ من جديد إلى الباب العالي، نطلب النجدة والمعونة والنصر عن يدكم. فالنجدة النجدة، بالله القاهر فوق الناس جميعًا. ونرجو من سيادتكم إعلام السلطان القادر بأحوالنا وإخباره بأخبارنا، بالحرب الكبرى التي نخوضها، وقولوا لعظمته إنه إذا أراد أن يشملنا برعايته وعطفه فليبادر إلى إنجادنا بسرعة قبل أن نهلك، فهناك جيشان قويان يتجهان إلينا لمهاجمتنا من جهتين. وإننا إذا ما اندحرنا في المعركة، فإن الله سبحانه سيحاسبه على ذلك حسابًا عسيرًا يوم القيامة، يوم لا تنفع القوة في الحجة. والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته. حرر يوم الثلاثاء في الحادي عشر من شهر شعبان 977 هـ. مولاي عبد الله محمد بن عبو".
وخذل العالم الإسلامي مرة أخرى الأمة الأندلسية. ففي هذه الثورة الأخيرة التي ضحى فيها الأندلسيون تضحية لم يضحها شعب في التاريخ قبلهم، للحفاظ على دينهم الإسلام ولغتهم العربية وحضارتهم، لم تبعث الدولتان الإسلاميتان في البحر الأبيض المتوسط حينذاك، العثمانية والسعدية، إلا بمساعدات ضئيلة ومتأخرة.
ومعظم من انضم إلى المجاهدين الأندلسيين من أتراك وجزائريين ومغاربة إنما تطوعوا للجهاد في سبيل الله وطلب الاستشهاد وقد استبسلوا في القتال واستشهدوا بالآلاف.
كانت الدولة العثمانية أكثر قوة من الدولة السعدية ومقدرة على مناصرة الأندلسيين. فلماذا لم تفعل؟ يظهر أن أمير أمراء الجزائر اهتم أكثر باستعمال ثورة الأندلسيين لتحرير تونس والشواطىء الجزائرية والتونسية من الإسبان من أن يساعد الأندلسيين على النصر. فهل نوى العثمانيون فعلاً مساعدة الأندلسيين على تحرير أرضهم، أم أنهم أرادوا فقط الضغط على إسبانيا لتحسن وضعهم، أو استعمالهم لكسب مكاسب ضد إسبانيا خارج الأندلس؟
كانت الحكومة العثمانية عارفة بأوضاع الثورة الأندلسية معرفة جيدة، وعلى صلة وثيقة ومتواصلة مع زعمائها. لكنها كانت مجزأة بين فكرتين: مساعدة الثورة الأندلسية حتى تنتصر، أم فتح قاعدة البندقيين، جزيرة قبرص، التي كانت تسبب متاعب جمة للدولة. كان الصدر الأعظم، محمد الصقلي، من أنصار الهجوم على إسبانيا وتحرير الأندلس، واقترح على السلطان سليم الثاني تأجيل فتح قبرص. بينما كانت بطانة السلطان تؤيد استخلاص قبرص أولاً من البندقية، إذ بدا لها فتح قبرص أسهل من تحرير الأندلس. وكان سليم الثاني يأمل في التحالف ضد الإسبان مع ملك فرنسا، شارل التاسع. وحيث ظهر تردد ملك فرنسا في قبول هذا التحالف تحت ضغط
الكنيسة، فقد رجح السلطان رأي الذين فضلوا البداية بفتح قبرص. وفعلاً فتحت الدولة العثمانية قبرص في غشت عام 1571 م بعد أن انهزمت الثورة الأندلسية وانقضى أمرها.
كان سلطان المغرب أبو محمد عبد الله الغالب السعدي متهمًا من طرف الأندلسيين بالتواطؤ مع الإسبان مخافة توسع الدولة العثمانية. فربما لم يكن يرى
بعين الرضى قيام دولة أندلسية شمال المغرب تحت النفوذ العثماني. وقد سبق له سنة 970 هـ (1563 م) أن أدخل بالقوة 14.000 مهاجر أندلسي في الجيش وأسكنهم حي رياض الزيتون بمراكش. فأصبح بذلك الغالب بالله مكروهًا لدى جميع الأندلسيين، إذ اعتبروا تجنيدهم بالقوة استرقاقًا لهم. ولما قامت الثورة الأندلسية، أرسل قائدها، ابن أمية، سفارة برئاسة فراندو الحبقي إلى السلطان السعدي.
وأشار إلى هذه السفارة المؤرخ الجنابي قائلاً: "وأرسل هؤلاء (يعني المجاهدين الأندلسيين) إلى الشريف مولاي عبد الله يستمدونه فلم يمدهم بسبب قلة الأغربة والمراكب عنده ولعلة أخرى".
وكان صاحب "تاريخ الدولة السعدية"، الكاتب الأندلسي المجهول، أكثر وضوحًا إذ قال عن المجاهدين الأندلسيين: "فصاروا يكتبون إلى ملوك المسلمين شرقًا وغربًا وهم يناشدونهم الله في الإغاثة، وأكثر كتبهم إلى مولاي عبد الله لأنه هو القريب إلى أرضهم، وكان قد قوي سلطانه وصحت أركانه وجندت أجناده وكثرت أعداده. فأمرهم غشًّا منه بأن يقوموا على النصارى ليثق بهم في قولهم بظهور فعلهم.
فلما قاموا على النصارى تراخى عمّا وعدهم به من الإغاثة، كذب عليهم غشًّا منه لهم ولدين الله عز وجل، من أجل مصلحة ملكه الزائل
…
وكانت بينه وبين النصارى مكاتبات في ذلك ومراسلات وأنه استشار معهم، وأشار عليهم أن يخرجوا أهل الأندلس إلى ناحية المغرب. وقصده بذلك تعمير سواحله، ويكون له منهم بمدينتي فاس ومراكش جيش عظيم ينتفع به في مصالح ملكه. فلما قاموا على النصارى عن إذنه وانشغلوا معهم بالقتال، أرسلوا رؤساءهم وكبراءهم وذوي شأنهم إلى العدوة ليستغيثوا بالسلطان وبجماعة المسلمين في الإعانة، وتركوا أهل الأندلس كلهم متمنِّعين في جبال غرناطة وهم يقاتلون النصارى. فلما وصلوا إليه تراخى عنهم وطوّل عليهم مقامهم. فأتتهم المكاتبة من أهلهم بأنهم اطلعوا على مكاتبات بين السلطان وبين النصارى ومصادقة وتدبير على المسلمين. فصح عندهم ذلك، وظهر بالإمارات الدالة عليه من كثرة قعودهم ومرور الأيام عليهم بلا فائدة، فأمرهم أن يصطلحوا مع النصارى على أن يتركوهم يجوزوا لهذه العدوة".
هذا هو وضع المساندة التي كان يتوقعها الأندلسيون من إخوانهم، وبسببه غامروا بحياتهم ووجودهم. وفي أبريل سنة 1570 م، أصبح هذا الوضع واضحًا