المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌7/ 3 - معاملة محاكم التفتيش: - انبعاث الإسلام في الأندلس

[علي المنتصر الكتاني]

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌تقديم

- ‌مقدمة الشيخ المجاهد الإسلامي إبراهيم بن أحمد الكتاني

- ‌مقدمة المؤلِّف

- ‌الفصل الأولنشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس

- ‌1/ 1 - الأمة الأندلسية وتكوينها:

- ‌1/ 2 - قيام مملكة غرناطة:

- ‌1/ 3 - جهاد مملكة غرناطة المتواصل:

- ‌1/ 4 - اتحاد الممالك النصرانية:

- ‌1/ 5 - الحرب الأهلية وسقوط غرناطة:

- ‌مراجع الفصل الأول

- ‌الفصل الثانيالاضطهاد والتنصير 1492 - 1568 م

- ‌2/ 1 - بداية الغدر وتنصير مسلمي غرناطة (1492 - 1502 م):

- ‌2/ 2 - محاكم التفتيش الكاثوليكية في إسبانيا:

- ‌2/ 3 - ذروة اضطهاد المسلمين 1502 - 1567 م:

- ‌2/ 4 - وضع المسلمين في مملكتي البرتغال وقشتالة:

- ‌2/ 5 - وضع المدجنين في مملكة أراغون:

- ‌مراجعالفصل الثاني

- ‌الفصل الثالثثورة غرناطة الكبرى (1568 - 1570 م)

- ‌3/ 1 - تهيىء الثورة:

- ‌3/ 2 - إعلان الثورة وبيعة ابن أمية:

- ‌3/ 3 - انتشار الثورة واستشهاد ابن أمية:

- ‌3/ 4 - مراحل الثورة تحت قيادة ابن عبو:

- ‌3/ 5 - الانهزام والاستسلام:

- ‌مراجعالفصل الثالث

- ‌الفصل الرابعالتشتيت وزيادة القهر (1570 - 1608 م)

- ‌4/ 1 - إخراج المورسكيين من مملكة غرناطة:

- ‌4/ 2 - أوضاع المسلمين في مملكة قشتالة من سنة 1570 م إلى سنة 1608 م:

- ‌4/ 3 - أوضاع المسلمين في مملكة أراغون من سنة 1570 م إلي سنة 1608 م:

- ‌4/ 4 - علاقات مسلمي إسبانيا الخارجية من 1570 م إلى 1608 م:

- ‌4/ 5 - التفكير في الطرد:

- ‌مراجع الفصل الرابع

- ‌الفصل الخامسطرد المسلمين الجماعي عن إسبانيا (1608 - 1614 م)

- ‌5/ 1 - قرار الطرد سنة 1608 م:

- ‌5/ 2 - طرد مسلمي مملكة بلنسية:

- ‌5/ 3 - طرد مسلمي أراغون القديمة وباقي مملكة أراغون:

- ‌5/ 4 - مسلمي مملكة قشتالة:

- ‌5/ 5 - المورسكيون المطرودون في مناطق هجرتهم:

- ‌مراجعالفصل الخامس

- ‌الفصل السادسديموغرافية المورسكيين وحياتهم الاجتماعية

- ‌6/ 1 - ديموغرافية المورسكيين:

- ‌6/ 2 - حياة المورسكيين الدينية:

- ‌6/ 3 - حياة المورسكيين الاجتماعية:

- ‌6/ 4 - حياة المورسكيين الاقتصادية:

- ‌6/ 5 - الثقافة المورسكية:

- ‌مراجعالفصل السادس

- ‌الفصل السابعاستمرار الوجود الإسلامي في الأندلس في القرنين السابع عشر والثامن عشر

- ‌7/ 1 - إسبانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر:

- ‌7/ 2 - معاملة الدولة للمورسكيين:

- ‌7/ 3 - معاملة محاكم التفتيش:

- ‌7/ 4 - مؤامرات وثورات:

- ‌7/ 5 - شواهد الرحالة:

- ‌مراجعالفصل السابع

- ‌الفصل الثامنتكوين القومية الأندلسية (في القرنين التاسع عشر والعشرين)

- ‌8/ 1 - إسبانيا في القرنين التاسع عشر والعشرين:

- ‌8/ 2 - الجذور الإسلامية للقومية الأندلسية:

- ‌8/ 3 - انبعاث الهوية الأندلسية (1808 - 1873 م):

- ‌8/ 4 - بروز الحركة الأندلسية ودور بلاس إنفانتي:

- ‌8/ 5 - تطور الحركة الأندلسية: إسلام بلاس إنفانتي واستشهاده:

- ‌مراجعالفصل الثامن

- ‌الفصل التاسعانبعاث القومية الأندلسية 1975 - 1990 م

- ‌9/ 1 - دكتاتورية فرانكو (1939 - 1975 م):

- ‌9/ 2 - رجوع الديموقراطية وانبعاث القومية الأندلسية:

- ‌9/ 3 - إنشاء منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي:

- ‌9/ 4 - رموز منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي:

- ‌9/ 5 - إحصائيات الأندلس المعاصرة:

- ‌مراجعالفصل التاسع

- ‌الفصل العاشرالانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة 1970 م)

- ‌10/ 1 - الجمعيات الإسلامية للوافدين:

- ‌10/ 2 - الطريقة الدرقاوية في غرناطة:

- ‌10/ 3 - جمعية قرطبة الإسلامية:

- ‌10/ 4 - محاولات تنظيمية أخرى في الأندلس:

- ‌10/ 5 - محاولات تنظيمية خارج منطقة الأندلس:

- ‌مراجعالفصل العاشر

- ‌الفصل الحادي عشرالجماعة الإسلامية في الأندلس

- ‌11/ 1 - الأيام الأولى في إشبيلية:

- ‌11/ 2 - الإنطلاقة من إشبيلية:

- ‌11/ 3 - النكسة والانطلاقة الجديدة:

- ‌11/ 4 - العودة إلى قرطبة:

- ‌11/ 5 - العلاقة مع الشتات الأندلسي:

- ‌مراجعالفصل الحادي عشر

- ‌الفصل الثاني عشرالشتات الأندلسي اليوم

- ‌12/ 1 - الأندلسيون في المغرب:

- ‌12/ 2 - الأندلسيون في تونس:

- ‌12/ 3 - الأندلسيون في باقي القارة الإفريقية:

- ‌12/ 5 - الأندلسيون في باقي أوروبا وأمريكا:

- ‌مراجعالفصل الثاني عشر

- ‌خاتمة

- ‌ملحق معاهدة تسليم غرناطة المعقودة بين أبي عبد الله الصغير والملكين الكاثوليكيين

- ‌المادة الأولى:

- ‌المادة الثانية:

- ‌المادة الثالثة:

- ‌المادة الرابعة:

- ‌المادة الخامسة:

- ‌المادة السادسة:

- ‌المادة السابعة:

- ‌المادة الثامنة:

- ‌المادة التاسعة:

- ‌المادة العاشرة:

- ‌المادة الحادية عشر:

- ‌المادة الثانية عشر:

- ‌المادة الثالثة عشر:

- ‌المادة الرابعة عشر:

- ‌المادة الخامسة عشر:

- ‌المادة السادسة عشر:

- ‌المادة السابعة عشر:

- ‌المادة الثامنة عشر:

- ‌المادة التاسعة عشر:

- ‌المادة العشرون:

- ‌المادة الحادية والعشرون:

- ‌المادة الثانية والعشرون:

- ‌المادة الثالثة والعشرون:

- ‌المادة الرابعة والعشرون:

- ‌المادة الخامسة والعشرون:

- ‌المادة السادسة والعشرون:

- ‌المادة السابعة والعشرون:

- ‌المادة الثامنة والعشرون:

- ‌المادة التاسعة والعشرون:

- ‌المادة الثلاثون:

- ‌المادة الحادية والثلاثون:

- ‌المادة الثانية والثلاثون:

- ‌المادة الثالثة والثلاثون:

- ‌المادة الرابعة والثلاثون:

- ‌المادة الخامسة والثلاثون:

- ‌المادة السادسة والثلاثون:

- ‌المادة السابعة والثلاثون:

- ‌المادة الثامنة والثلاثون:

- ‌المادة التاسعة والثلاثون:

- ‌المادة الأربعون:

- ‌المادة الحادية والأربعون:

- ‌المادة الثانية والأربعون:

- ‌المادة الثالثة والأربعون:

- ‌المادة الرابعة والأربعون:

- ‌المادة الخامسة والأربعون:

- ‌المادة السادسة والأربعون:

- ‌المادة السابعة والأربعون:

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌7/ 3 - معاملة محاكم التفتيش:

ولم تنس الدولة الإسبانية موضوع المورسكيين نهائيًّا رغم القرار المذكور أعلاه. ففي سنة 1634 م، كتب المسمى "خيرومينو مدينة" تقريرًا عن زيارته لمنطقة مرسية، قال فيه بأن مدن وقرى مرج مرسية مليئة بالمورسكيين، وأن لهم اتصالاً بمورسكيي مملكة بلنسية، خاصة في بلدة جزيرة شقر. وكتب ماركيز دي بلش، نائب الملك في مرسية، تقريرًا آخر يفرق فيه بين مورسكيي مرسية الذين "لم يعد منهم أحد" ومورسكيي وادي رقوط الذين ذهبوا إلى فرنسا وإيطاليا حين الطرد دون أراضي المسلمين وعادوا، لأنهم في الحقيقة نصارى وإن كان "آباؤهم تزوجوا بمسلمات"، وبعد قرار سنة 1626 م بعدم متابعة المورسكيين، أعيدت لهم أموالهم التي أخذت منهم. ويطلب التقرير من الملك عدم الانتباه إلى تقرير خيرومينو مدينة وترك مورسكيي وادي رقوط على حالهم. فوافق مجلس الدولة على الطلب، وقال إنه يكفي أن يطلب مطران قرطاجنة (ميناء مملكة مرسية) بمراقبة هؤلاء المورسكيين والتأكد من أنهم يعيشون كنصارى. فوافق الملك ولم يعد أحد يزعج مورسكيي منطقة مرسية.

وفي 20/ 9 / 1712 م، كان آخر قرار اتخذه مجلس الدولة الإسباني ضد المورسكيين يأمر فيه "بطرد المسلمين الكورتادو الفوري" إلى شمال إفريقيا. لكن لم يطبق القرار إلا في بعض المناطق المحدودة، حيث حدد لهم القضاة المحليون مواعيد ترحيلهم وسمحوا لهم باصطحاب أسرهم وأموالهم.

‌7/ 3 - معاملة محاكم التفتيش:

لم تعد محاكم التفتيش تهتم بملاحقة المسلمين بعد سنة 1609 م بنفس الدرجة التي كانت عليها قبلها، بعد أن استخلصت جميع أموالهم وأنزلتهم إلى أدنى مستوى من الفقر. فلم تعد للكنيسة، ولا لقضاة محاكم التفتيش، مصلحة مالية من ملاحقة المسلمين، لذا تحولت إلى المتأصلين من اليهود الذين لا زالت بأيديهم أموال طائلة. ورغم ذلك، قدمت لمحاكم التفتيش أعداد كبيرة من المسلمين، في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

ففي سنة 1616 م، طلب ممثل محاكم تفتيش بلنسية في دانية تعليمات حول معاقبة المورسكيين المستعبدين الذين يخططون الفرار إلى بلاد المسلمين بشمال إفريقيا.

ص: 236

وفي سنة 1620 م، حكمت محكمة التفتيش في طليطلة على المورسكية أنا مارية دي ريكاس بتهمة تعاطي السحر. وفي سنة 1625 م، اتهمت المحكمة بالسحر كذلك المورسكية إيناس نارناخو في طليطلة.

وفي 3/ 10 / 1625 م، أخرجت محكمة التفتيش من سجن إشبيلية الملكي مورسكيًّا محكومًا عليه بالإعدام، فألبسه راهبان يسوعيان ألبسة فاخرة واصطحباه إلى الساحة العامة حيث عمدوه بمحضر جمع غفير من المتفرجين، ثم أعدماه شنقًا. وفي 17/ 11 / 1625 م، حكمت المحكمة على مورسكي مستعبد، اسمه دومنغو بيسنتي، بمائتي جلدة ثم الخدمة أربع سنوات في السفن ثم السجن المؤبد. وذلك لأنه ألصق ملصقًا على باب كنيسة في إشبيلية كتب عليه "عاش موسى وعاشت شريعته، كل ما سواهما جنون".

وتعطي محاكمة محاكم التفتيش في كونكة للمورسكي دييكو دياس سنة 1633 م، فكرة عن معاملتها للمورسكيين الذين بقوا في إسبانيا بعد سنة 1609 م.

كان دييكو دياس جزارًا في بلدة بلمونتي (مقاطعة كونكة) وكان متزوجًا بمورسكية اسمها ماريا دل قشتيليو. قدم دياس لمحكمة التفتيش نتيجة شكوى خادمته التي اتهمته بما يلي: يطبخ غداءه بالزيت عوضًا عن شحم الخنزير؛ ويأكل اللحم أيام الجمعة بدون سبب وجيه؛ لا يذهب للكنيسة، لا هو ولا زوجه؛ ولا يعلمان الديانة النصرانية لأولادهما؛ ويغسلان أيام الجمعة ويلبسان ملابس فاخرة؛ ويأوي إلى بيتهما مورسكيو مرسية، من بغالين وغيرهم، فيتكلمان معهم باللغة العربية ويقفلان عليهم الغرفة الساعات الطوال.

ودافع دييكو دياس عن نفسه مبتدئًا بعرض قصة حياته. ولد دييكو دياس سنة 1592 م في بلدة دايميال (مقاطعة قلعة رباح) من أبوين مدجنين. وكان عمره 17 سنة عند قرار الطرد، فانتقل مع والديه إلى فرنسا، ثم عاد إلى دايميال. فقبضت عليه السلطات ونقلته إلى قرطاجنة (مقاطعة مرسية) حيث سجنته لمدة شهرين، ثم نفته إلى الجزائر. وفي الجزائر أجروا له الختان، وألبسوه اللباس اللائق، وجعلوه يعمل في الميناء مع موركسيين آخرين من طليطلة وغرناطة. وبعد شهور في الجزائر ركب دييكو في سفينة صيد لمسلمين أراغونيين نقلته إلى شاطىء قطلونية، قرب طرطوشة. ومنها سافر إلى سرقسطة ثم إلى مدينة أبنيون بفرنسا للبحث عن أبيه وأخوته. وحينما لم يعثر على أثرهم، رجع إلى إسبانيا، واستقر في بلنسية حيث تعلم مهنة الجزارة. ثم

ص: 237

سكن عدة مدن، منها أريولة (مقاطعة لقنت) ومنزنارس (مقاطعة قلعة رباح) وموتة دل كوربو (مقاطعة كونكة)، وأخيرًا استقر في بلمونتي (مقاطعة كونكة) حيث فتح فندقًا، وبها قبض عليه.

وعندما سألت المحكمة دييكو دياس: "هل لك أعداء؟ "، أجاب:"ربما مارية هرناندس التي كانت تعمل خادمة في بيتي، فطردتها لأنها دخلت البيت سكرانة، وكذلك رجل اسمه أنطونيو مالو وزوجه ماريا دي لاغونا، لهما فندق ينافسونني في مهنتي به". وادعى دياس أنه لا يتكلم اللغة العربية، بل كان يتكلم اللغة البلنسية التي تعلمها إبان إقامته في مملكة بلنسية. ثم ركز قضاة محكمة التفتيش على موضوع ختانه في الجزائر، وهل كان ذلك بمحض إرادته أم كان مجبرًا عليه.

واحتج محامي دياس بأن الدعوى غير كاملة لغياب الشهود الرئيسيين. فلم يعثر على أثر لأنطونيو مالو ولا لزوجه ولا يعرف أين ذهبا، ويستغرب المحامي كيف يصعب العثور عليهما. كما لم تعثر المحكمة على الخادمة رغم علاقتها بالشاهدين الآخرين اللذين كانت تعمل عندهما. لكن القاضي احتج بشكه في أن المتهم من "طبقة المسلمين الذين يحتفظون في قلوبهم سرًّا بدين محمد لذا طردوا من إسبانيا"، وقدم خمسة شهود يشهدون ضد المتهم بأنهم رأوه، خاصة سنة 1632 م، يأكل اللحم في الأيام الممنوعة خاصة وكذلك "السمك والجبن وأشياء أخرى مضرة بالصحة". فأتى المتهم بعدة شهود آخرين شهدوا له بأنه لم يأكل

اللحم إلا بنصيحة الطبيب لضعف كان به، وشهد له الطبيب باسكس بذلك. وشهد أربعة شهود آخرون بأن المتهمين الثلاثة، أنطونيو مالو وزوجه والخادمة، هم أعداء لدياس، يغار منه الأولان لنجاحه في مهنته، وتحقد عليه الثالثة لأنه طردها من بيته.

أما تهمة دياس بعدم حضور الكنيسة أيام الأعياد، فقد شهد له البعض بأنه يحضر على عكس ما اتهم به. أما عدم أكله للخنزير، فلم يتهمه بذلك سوى الخادمة التي عاشت في بيته سبعة شهور. أما عدم تعليمه الدين النصراني لأبنائه، فقد تقدمت ابنة له عمرها ست سنوات للمحكمة، وتلت على القضاة الدعوات النصرانية. وأما ارتياده اللباس النظيف أيام الجمعة وغسله، فقال دياس إنه يعمل قصابًا، ويوم الجمعة هو يوم عطلة القصابين (لأن البابا كان قد حرم على النصارى أكل اللحم أيام الجمعة وقد أزيل هذا التحريم مؤخرًا)، لذا فمن الطبيعي أن يغتسل ويلبس لباسًا حسنًا يوم

ص: 238

عطلته. لكن المحكمة قالت إن الخادمة اتهمت كل أهل بيت دياس بالنظافة وارتداء فاخر الثياب أيام الجمعة وليس دياس بمفرده.

فركزت المحكمة على موضوع ختانه في الجزائر. فادعى المتهم أنه أجبر على ذلك. فأجابه القاضي بأن المسلمين لا يرغمون أحدًا على اتباع دينهم ولا يرغمون أحدًا على الختان، ولذلك فالختان برهان على ترك دين النصارى والانضمام إلى دين المسلمين. ولكن تقدم عدد من الشهود لصالح دياس، يشهدون أنه رجل صالح يوزع الصدقات من ماله الخاص على الفقراء، وبعامل جميع الناس معاملة طيبة. وفي أواخر سنة 1634 م، انتهت المحاكمة ببراءة دييكو دياس شرط أن يستغفر علنًا عن ذنب الختان في الجزائر.

ويبين هذا المثال أن محاكم التفتيش في القرن السابع عشر تعبت من ملاحقة المورسكيين، خاصة عندما لا يكون للمتهم مال يمكن مصادرته. كما يبين المثال أساليب التقية التي اتبعها المورسكيون للحفاظ على هويتهم، ومدى المساندة التي يحصلون عليها من طرف جم غفير من الشهود مما يدل على أن الكثير منهم من أصول مورسكية. وتجدر الإشارة في هذا المثال إلى أن منطقتي بلمونتي ودايميال هما من المناطق التي مكث فيها المسلمون بعد الطرد، والتي لا زال يشعر أهلها إلى اليوم بالانتماء الأندلسي.

ورغم ذلك، لم تقتنع محاكم التفتيش بالكف نهائيًّا عن متابعة المسلمين. ففي سنة 1667 م، حكمت محكمة بلدة المعدن على مورسكي بالجلد لأنه سخر من القداس. وفي سنة 1680 م، أحرق رجل من قادس حيًّا في "أوتودافي" رهيب بمجريط لاتهامه بالارتداد عن النصرانية واعتناق الإسلام ومساعدة مجاهدي البحر.

وفي سنة 1689 م، تابعت محكمة قرطبة عدة مسلمين مستعبدين هم: اسكرمان وحميد وعثمان ومنساوس وبلقاش ومحمد وحميد آخر. وكلهم من سكان قرطبة، تزوجوا بها ولهم أبناء وأحفاد. وشهد لهم الدفاع أنهم يعيشون عيشة طيبة، لم يزعجوا أحدًا قط. ورغم ذلك حكمت المحكمة بإخراجهم من المدينة مع عدد آخر من الذين اتهموا بالإسلام، دون أن يُعطَوا الوقت الكافي لجمع أغراضهم ولا للدفاع عن أنفسهم. وقصت المحكمة حياة كل واحد منهم: فاسكرمان وحميد الأول هم من سلالة قبيلة الخفة التابعة لمستعمرة وهران (بالجزائر اليوم) الإسبانية، وقد ولد اسكرمان في الأندلس في بلدة بلاي (مقاطعة قرطبة) وتزوج بها وله ولدان وعدة

ص: 239

حفدة. أما بلقاش وحميد الثاني فهما من سلالة قبيلة ريان السفلية التابعة كذلك لوهران. وفي 11/ 1 / 1689 م، تدخلت محكمة غرناطة إلى سلطات قرطبة القضائية تطلب منها إلغاء حكم نفيهم.

وقبضت محاكم التفتيش طوال القرن السابع عشر على ما لا يقل عن 177 نصراني قديم، اعتنق الإسلام وهاجر إلى بلاد المسلمين، ثم رجع لمحاربة إسبانيا.

وهذا يعني أن حوالي 35.000 إسباني من أصول غير إسلامية هاجروا إلى بلاد المسلمين طيلة هذا القرن واعتنقوا الإسلام. وقد أجبرت محاكم التفتيش في أوروبا كلها كل من قبضت عليه منهم على الرجوع إلى النصرانية بعد أن طبقت عليه أنواع التعذيب والأحكام الجائرة المعتادة من سجن وخدمة في التجذيف بالمراكب ومصادرة الأملاك. وحرقت بالنار كل من رفض منهم الرجوع إلى النصرانية.

ورغم اتهام محاكم التفتيش للمورسكيين بتزوير صفائح الرصاص التي وجدت بغرناطة، ظل دون بدرو دي كاستور، مطران غرناطة يخرج "الأرواح الشريرة" من أجسام المصروعين وبيمينه صفيحة من الصفائح الرصاصية وهو يقول باللغة العربية:"لا إله إلا الله عيسى روح الله"، وأصبح المكان الذي اكتشفت فيه الصفائح مزارًا يتبرك به أهل غرناطة حتى بعد وفاة المطران سنة 1623 م. ورأت الكنيسة الكاثوليكية في شعبية هذه الصفائح مؤامرة إسلامية فحاربتها. وفي سنة 1682 م، أمر البابا إينوسانتي الحادي عشر بإحضار الصفائح إلى روما.

فقبل البابا الصفائح المكتوبة باللغة اللاتينية، لكنه أعلن أن الصفائح المكتوبة باللغة العربية "مكذوبة ومزورة للقضاء على العقيدة الكاثوليكية

لأن بها كثير من الأشياء المستوحاة من المعتقدات المحمدية المأخوذة من القرآن والكتب المحمدية الأخرى الزائفة (كذا) ".

ورغم كل ذلك فقد نشر رهبان كلية ساكرو مونتي بغرناطة سنة 1741 م ترجمة حياة المطران دون بدرو دي كاسترو، وعظموا نشاطه، ولم يزيفوا الصفائح المكتوبة باللغة العربية بل ذكروا فقط أنها محرمة.

وظلت محاكم التفتيش تتابع المسلمين في القرن الثامن عشر. فقد ذكر سونيبورن، الرحالة الإنكليزي، أن في سنة 1724 م تابعت محاكم التفتيش "بقايا الأمة الأندلسية" وطردت منهم جماعة.

ص: 240

ونقل تاوسند، رحالة إنكليزي آخر، أن في سنة 1726 م حاكمت محاكم التفتيش 360 عائلة غرناطية، أي ما لا يقل عن 1800 شخص، بتهمة اتباع الإسلام سرًّا. وتدل هذه الأعداد الضخمة على وجود كثيف للمسلمين في العواصم الأندلسية في القرن الثامن عشر.

ونقل كاتب إسباني أخبار محاكمة أخرى وقعت في غرناطة سنة 1727 م، حيث إنه اشترى منزلاً كبيرًا في حي "مدخل هدره" كانت محكمة التفتيش قد صادرته من عائلة "أرندا" المورسكية الغنية، وهي من "بقايا النصارى الجدد الذين تابعوا تشبثهم بدينهم الخاطىء". وأعطى الكاتب وصفًا دقيقًا للبيت، منه وجود صورة للعذراء على رأس الدرج، وكان هذا شعارًا سريًّا بين المسلمين للتعرف على بعضهم البعض.

وفي 9/ 5 / 1728 م، احتفلت غرناطة بـ "أوتودافي" ضخم في كنيسة "مرسداريوس"، حيث حكمت محكمة التفتيش على 46 مورسكيًّا، 35 امرأة و 11 رجلاً، بالتوفيق بتهمة "الانتماء إلى الإسلام".

منهم نقولا دياس (67 سنة) صباغ، وفرانسسكو فرناندس دي قبارة (20 سنة) موظف، ووالده ايزيدور (53 سنة) كاتب، وأخوه خوان (21 سنة) طالب في كلية الحقوق، ووالدته سرافينة انريكز لارا التي حوكمت مع ستة من أخواتها بتهمة الإسلام، كان لاثنتين منهما أجيلا (30 سنة) وإيسابيلا (35 سنة) دكانًا في ساحة باب الرملة من غرناطة. أما المتهمون الآخرون فهم لورنسو فلبي دي مندوسة (46 سنة) مدير شؤون الأملاك الملكية، وقد عوقب بأشد عقوبة، وكارلوس دي مندوسة (51 سنة) صائغ ويصنع صورًا من الفخار، وبدرو اسطبان (27 سنة) تاجر حرير، وجبرائيل تشابيس (31 سنة) تاجر حرير، وكريكوريو مارشينة (53 سنة) صباغ، وجوزف قومس دل قشتيليو (40 سنة) تاجر، وكريستوبال خمينس (50 سنة) صباغ.

وتبرهن لائحة المتهمين هاته على انتشار الإسلام سرًّا في القرن الثامن عشر بين أوساط الطبقة الوسطى من المجتمع الغرناطي، من صناع وتجار وموظفين وأصحاب مهن حرة، رغم القتل والسبي والطرد والتهجير والتشريد والمصادرات المتواصلة التي كانوا ضحيتها لما يقرب من القرنين والنصف. وأصبحت بعض الأسماء الإسبانية كاسم "مندوسة" شعارًا للعائلات المسلمة.

ص: 241