الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى وقف دون إِدراك كُنْه عظمته العلماء الرّاسخون، وأَصبح العلماء الشُّهَماء عند حقيقة كمال كبريائه وهم متحيّرون. أَبدى شوارق مصنوعاته فى عَنان الظُلْمة، فبها إِلى وحدانيّته يهتدون. العظيم الَّذى لا يحوم حول أَذيال جلاله الأَفكار والظنون، الحىّ القيّوم المنزَّه ساحةُ حياته عن تَطَرُّق رَيْب المَنون.
وأَشهد أَن لا إِله إِلَاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تَسُرّ منَّا القلوبَ وتُقِرّ منَّا العيون، وأَشهد أَنَّ محمَّداً عبده (ورسوله) وصفيّه المبشَّر فى (نون) بأَجرٍ غير ممنون. المرفوع إِلى المصعد الأَعلى والملائكة المقرّبون حول ركابه يسيرون. النور الباهر الذى تلاشت عند ظهور براهينه وآياته المبطلون، وامَّحقَت
عند ظهور معجزاته المشبِّهة والمعطِّلون. صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأَصحابه الذين أَئمّةُ الهُدَى بهم يهتدون، وأَزِمَّة القُدَى بهم يَقتدون.
وبعد: فهذا كتاب جليل، ومصنَّف حفيل، ايتمَرتْ بتأْليفه الأَوامر الشريفة، العالية المولية الإِماميَّة السُّلطانيَّة العلَاّميَّة الهُمَاميَّة الصَّمصاميَّة الأَعدليَّة الأَفضليَّة السَّعيديَّة الأَجلِّيَّة المَلَكيَّة الأَشرفية، ممهِّد الدُّنيا والدِّين، خليفة الله فى العالَمين، أَبو العبَّاس إِسماعيل بن العبَّاس بن على بن داود ابن يوسف بن عمر بن على بن رسول. خلَّد سلطانه، أَنار فى الخافقين برهانه. قصد بذلك - نصره الله - جَمْع أَشْتَاتِ العلوم، وضمّ أَنواعِها، على تباين أَصنافها، فى كتاب مفرد؛ تسهيلا لمن رام سَرْح النَّظر فى أَزاهير أَفنان الفنون، وتيسيراً لمن أَراد الاستمتاع برائع أَزهارها، ويانع ثمارها الغَضِّ المَصُون، وإِعانةً لمن قصد افتراع خرائدِها اللاتى كأَنهنَّ بَيض مكنون. فيستغنى الحائز (له الفائز) به عن حمل الأَسفار، فى الأَسفار حيث يجتمع له خزائن العلوم فى سِفْر مخزون، ومجموعةٍ
يتحلَّى من أَغاريد مُسمِعاتها القلبُ المحزون، ويمتلئُ من أَطراق أَطْيَابها الطَّبْع المودون.
فاستعنت بتوفيق الله وتأْييده ورتَّبته على مقدِّمة وستين مقصداً:
المقدمة فى تشويق العالِم إِلى استزادة العلم الَّذى طلبُه فرض، وتمييز العلوم بعضِها من بعض.
المقصد الأَول: فى لطائف تفسير القرآن العظيم.
المقصد الثانى: فى علم الحديث النبوىّ وتوابعه.
المقصد الثالث: فى علوم المعارف والحقائِق.
المقصد الرابع: فى علم الفقه.
المقصد الخامس: فى علم أُصول الفقه.
المقصد السادس: فى علم الجَدَل.
المقصد السابع: فى علم اللغة.
المقصد الثامن: فى علم النحو.
المقصد التَّاسع: فى علم الصّرف.
المقصد العاشر: فى علم المعانى.
المقصد الحادى عشر: فى علم البيان.
المقصد الثانى عشر: فى علم البديع.
المقصد الثالث عشر: (فى علم) العروض.
المقصد الرابع عشر: فى علم القوافى.
المقصد الخامس عشر: فى علم الطبيعيّات.
المقصد السادس عشر: فى علم الطبّ.
المقصد السابع عشر: (فى علم) الفِراسة.
المقصد الثامن عشر: (فى علم) البَيْزرة والبَيْطرة.
المقصد التَّاسع عشر: فى علم تعبير الرؤيا.
المقصد العشرون: فى المحاضرات والمحاورات وما يجرى مَجراها.
المقصد الحادى والعشرون: فى أَحكام النُّجوم.
المقصد الثانى والعشرون: فى علم السِّحْر.
المقصد الثالث والعشرون: فى الطِّلَّسْمات.
المقصد الرابع والعشرون: في السِّيميا.
المقصد الخامس والعشرون: فى الكيمياءِ.
المقصد السادس والعشرون: فى الفلاحة.
المقصد السّابع والعشرون: فى علم التاريخ.
المقصد الثَّامن والعشرون: فى المِلَل والنِّحل والمذاهب المختلفة.
المقصد التاسع والعشرون: فى الهندسة.
المقصد الثلاثون: فى علم عُقود الأَبنية.
المقصد الحادى والثلاثون: فى علم المناظرة.
المقصد الثانى والثلاثون: فى علم المَرَايا المُحْرِقة.
المقصد الثالث والثلاثون: فى علم مراكز الأَثقال.
المقصد الرابع والثلاثون: فى علم البِنكانات.
المقصد الخامس والثلاثون: فى علم الآلات الحربيَّة.
المقصد السادس والثلاثون: فى علم الآلات الروحانيَّة.
المقصد السابع والثلاثون: فى علم الزيجات والتقاويم.
المقصد الثامن والثلاثون: فى علم المواقيت.
المقصد التاسع والثلاثون: فى علم كيفيَّة الأَرصاد.
المقصد الأَربعون: فى علم سطح الكُرَة.
المقصد الحادي والأَربعون: فى علم العَدَد.
المقصد الثاني والأَربعون: فى علم الجبر والمقابلة.
المقصد الثالث والأَربعون: فى علم حساب الخَطأَين.
المقصد الرابع والأَربعون: فى علم الموسيقَى.
المقصد الخامس والأَربعون: فى علم حساب التَخْت والميل.
المقصد السادس والأَربعون: فى علم حساب الدَّور والوَصايا.
المقصد السابع والأَربعون: فى علم الدرهم والدينار.
المقصد الثامن والأَربعون: فى علم السِّياسة.
المقصد التاسع والأَربعون: فى علم تدبير المنزل.
المقصد الخمسون: فى علم الحساب المفتوح.
المقصد الحادى والخمسون: فى علم الأَزمنة والأَمكنة.
المقصد الثانى والخمسون: فى علم المنطق.
وكان مقتضى الترتيب ذكره مع العلوم الآلية، وإِنما أَخَّرناه لاختلاف العلماء.
فمن قائل (بحرمة الاشتغال به، ومن قائل) بإِباحته، ومن قائل بوجوبه، لكونه آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ.
المقصد الثالث والخمسون: فى علم الحشائش والنباتات ومنافعها.
المقصد الرابع والخمسون: فى علم الحروف وخواصها.
المقصد الخامس والخمسون: فى علم قوانين الكتابة.
المقصد السادس والخمسون: فى علم.
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أَنه لا شىء أَشنع ولا أَقبح بالإنسان، مع ما كرّمه الله وفضّله به: من الاستعدادات (و) القابليّة لقبول الآداب، وتعلّم العلوم والصّنائع، من أَن يغفُل عن نفسه ويُهملها، حتّى تبقى عارية من الفضائل. كيف وهو يشاهد أَنّ الدّوابّ والكلاب والجوارح المعلَّمة ترتفع أَقدارها، ويُتغالى فى أَثمانها.
و (كفى فى العلم) شرفاً وفخراً أَنَّ الله عزّ شأْنه وَصَف به نفسه، ومنح به أَنبياءَه، وخصّ به أَولياءَه، وجعله وسيلة إِلى الحياة الأَبديّة، والفوز بالسّعادة السّرمديّة، وجعل العلماءَ قُرَناءَ الملائكة المقرَّبين فى الإِقرار بربوبيّته، والاختصاص بمعرفته، وجعلهم وَرَثة أَنبيائه.
فالعلم أَشرف ما وُرِث عن أَشرف موروث. وكفاه فضلا، وحَسْبه نُبْلا قولُه تعالى: {الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ
لتعلموا} فجعل العلم غاية الجميع. وبيّن تعالى بقوله {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} ، وقوله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} أَنَّه ليس للجِنَان، ومنازل الرّضوان، أَهلٌ إِلا العالِمون، وأَمر أعلم الخَلْق وأَكملَهم، وأَعرف الأنبياء وأَفضلهم، بطلب الزيادة من العلم فى قوله {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} وعن النبىّ صلى الله عليه وسلم:"طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة". والأَحاديث والآثار فى فضل العلم وأَهله كثير جدّاً. وقد أَفردنا فى مصنّف، وأَوردنا أَيضا فى شرح صحيح البخارى ما فيه كفاية إِن شاء الله تعالى.
وفى الجملة فالعلم كلّ أحد يؤثره ويحبّه، والجهل كلّ أحد يكرهه ويَنْفِر منه. وكأن الإِنسان (إِنسان) بالقوّة ما لم يعلم ويجهل جهلاً مركّباً، فإِذا حصل له العلم صار إِنساناً بالفعل عارفاً بربّه، أَهلاً لجِواره وقُرْبه. وإِذا جهل جهلاً مركّبا صار حيواناً، بل الحيوان خير منه. قال تعالى {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} خُزَّان المال ماتوا وهم أَحياء، والعلماء باقون مابقى
الدّهر. وإِن ماتوا فأعيانهم مفقودة، وأَمثالهم فى القلوب موجودة. وإِذا مات العالِم انثلم بموته ثُلْمة فى الإِسلام.
واعلم أَنّه تَبَيَّن فى علم الأَخلاق أَنّ الفضائل الإِنسانية التى هى الأُمّهات أَربع. وهى العلم، والشجاعة، والعفَّة، والعدل. وما عدا هذه فهى فروع عليها أَو تضاف إِليها. فالعلم فضيلة النَّفس (الناطقة. والشجاعة فضيلة النَّفس الغضبيَّة. والعفَّة فضيلة النَّفس) الشَّهْوانيَّة. والعدل فضيلة عامَّة فى الجميع.
ولا شكَّ أَن النفس الناطقة أَشرف هذه النفوس، ففضيلتها أَشرف هذه الفضائل أَيضا، لأَن تلك لا توجد كاملة إِلاّ بالعلم، والعلم يتمُّ ويوجد كاملاً بدونها. فهو مستغنٍ عنها، وهى مفتقِرة إِليه، فيكون أَشرف. وأَيضا أَنَّ هذه الفضائل الثلاث قد توجد لبعض الحيوانات العَجماوات، والعلم يختصّ بالإِنسان، ويشاركه فيه الملائكة. ومنفعة العلم باقية خالدة أَبدا.
وقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إِلاّ من ثلاث: صدقةٍ جارية، أَو ولد صالح يدعو له، أَو علم يُنتفع به".
والعلم مع اشتراكها فى الشرف يتفاوت فيه. فمنه ما هو بحسب الموضوع؛ كعلم الطب؛ فإِن موضوعه بدن الإِنسان؛ ولا خفاء بشرفه.
ومنه ما هو بحسب الغاية؛ كعلم الأَخلاق؛ فإِنَّ غايته معرفة الفضائل الإِنسانية، ونعمت الفضيلة.
ومنها ما هو بحسب الحاجة (إِليه) كعلم الفقه؛ فإِنَّ الحاجة ماسَّة إِليه.
ومنه ما هو بحسب وَثَاقة الحُجَج. فالعلوم الرياضية؛ فإِنها برهانيَّة يقينية.
ومن العلوم ما يَقْوَى شرفُه باجتماع هذه الاعتبارات فيه أَو أَكثرها. فالعلم الإِلَهىّ المستفاد من كلام الله تعالى بالوحى الجلىِّ والخفىّ؛ فإِن موضوعه شريف، وغايته فاضلة، والحاجة إِليه عظيمة.
واعلم أَنه لا شىء من العلوم - من حيث هو علم - بضارٍّ، بل نافع. ولا شىء من الجهل - من حيث هو جهل - بنافع، بل ضارّ؛ لأَنَّا سنبيِّن عند ذكر كلَّ علم منفعة: إِمَّا فى أَمر المعاد أَو المعاش.
إِنَّما تُوهِّم فى بعض العلوم أَنه ضار أَو غير نافع؛ لعدم اعتبار الشروط
التى تجب مراعاتها فى العلم والعلماء. فإِن لكل علم حَدّاً لا يتجاوزه، ولكل عالِم ناموساً لا يُخِلّ به.
فمن الوجوه المغلِّطَة أَن يُظَنَّ فى العلم فوق غايته؛ كما يُظَنّ بالطبّ أَنه يُبرئ جميع الأمراض؛ وليس كذلك، فإِن كثيرا من الأَمراض لا يبرأ بالمعالجة.
ومنها أَن يُظنَّ بالعلم فوق مرتبته فى الشرف؛ كما يُظَنّ بالفقه أَنه أَشرف العلوم على الإِطلاق؛ وليس كذلك؛ فإِنَّ التوحيد والعلم الإِلهى أَشرف منه قطعاً.
ومنها أَن يُقصد بالعلم غيرُ غايته؛ كمن يتعلَّم علماً للمال والجاه؛ فإِن العلوم ليس الغرض منها الاكتساب، بل الغرض منها الاطِّلاع على الحقائق، وتهذيب الخلائق. على أَنَّه مَن تعلَّم علماً للاحتراف لا يكون عالما، بل يكون شبيها بالعلماء.
ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا العلم وفظِعوا به، لمّا بلغهم بناءُ المدارس ببغداد، وأَصفهان، وشيراز، أَقاموا مأْتم (العلم وقالوا: كان) العلم يشتغل به أَرباب الهمم العليّة، والأَنفس الزكيّة، الذين كانوا يقصدون العلم لشرفه، ولتحصيل الكمال به، فيصيرون علماء ينتفع
بهم، وبعلمِهم وإِذا صار عليه أُجرة تدانى إِليه الأَخِسّاءُ والكسالى، فيكون ذلك سبباً لارتفاعه.
ومن هاهنا هُجِرت علوم الحكمة، وإِن كانت شريفة لذاتها؛ قال الله تعالى {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} وفى الحديث "كلمة الحكمة ضالّة كلّ حكيم" وَفى لفظٍ "ضالّة المؤمنين، فاطلب ضالّتك ولو فى أَهل الشرك" أَى المؤمن يلتقطها حيث وجدها، لاستحقاقه إِياها. وفى بعض الآثار (من عرِف بالحِكْمة لاحظته العيون بالوقار) .
ومن الأُمور الموجِبة للغلط أَن يُمتَهَن العلم بابتذاله إِلى غير أَهله؛ كما اتّفق فى علم الطبّ؛ فإِنه كان فى الزّمن القديم حكمة موروثة عن النبوّة، فهُزِل حتّى تعاطاه بعضُ سَفلة اليهود، فلم يتشرفوا (به) بل رَذُل بهم.
وقد قال أَفلاطون: إِن الفضيلة تستحيل رذيلة فى النّفس الرَّذْلة؛ كما يستحيل الغِذاء الصَّالح فى البدن السَّقيم إِلى الفساد. والأَصل فى هذا كلمة النبوَّة القديمةُ (لا تُؤْتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أَهلها فتظلموهم) .
ومن هذا القبيل الحال فى علم أَحكام النجوم؛ فإِنه ما كان يتعاطاه إِلاّ العلماء، تُشير به للملوك ونحوهم، فرذُل حتّى صار لا يتعاطاه
إِلَاّ جاهل ممخرق يروِّج أكاذيبه بسحت لا يسمن ولا يغنى من جوع.
ومن الوجوه المتعيّنة أَن يكون العلم عزيز المنال رفيع المَرْقَى، قلَّما يتحصّل غايته، فيتعاطاه من ليس من أَكْفائه؛ لينال بتمويهه عَرضاً دنيئا؛ كما اتَّفق فى علم الكيمياء، والسيمياء، والسحر، والطِلَّسمات. وإِنى لأعجب ممَّن يقبل دعوى مَنْ يدَّعى علماً من هذه العلوم لدينه؛ فإِنَّ الفطرة السَّليمة قاضية بأَن مَن يطلع على ذَرَّة من أَسرار هذه العلوم يكتمها عن والده وولده؛ فما الدَّاعى لإِظهارها، وكشفها! أَو الباعثُ (عن)(إِيداعها) ونشرها! فلتعتبر هذه الأُمور وأَمثالها.