الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذهب إِلى بلاد الروم (الأَناضول) ولقى فيها حُظوة عند السلطان بايزيد بن مراد الذى ولى السلطنة سنة 791؛ ومات سنة 804، وكانت حاضرة ملكة بُرُسَّا، إِذ لم تكن القسطنطينيَّة قد فتحت بعد.
ووفد على تيمور لنك فى شيراز. ووصله تيمور بنحو مائة أَلف درهم. وقد تغلَّب تيمور على فارس والعراق وممكلة التتار، وقصد الشام وغلب عليها حيناً. وكان ظالماً غشوماً. ومع هذا كان يقرِّب العلماءَ والأَشراف وينزلهم منازلهم. وكان يجمع العلماء فى مجلسه ويأمرهم بالمناظرة ويسأَلهم ويعنِّتهم بالمسائل. وكانت وفاته سنة 807هـ.
ووفد على شاه شجاع بن محمد بن مظفَّر اليزدى صاحب عراق العجم الذى يعرف بالجبال. وفى الدرر الكامنة فى ترجمته: "وقد اشتغل بالعلم واشتهر بحسن الفهم ومحبَّة العلماءِ. وكان ينظم الشعر ويحبُّ الأُدباءَ، ويجيز على المدائح، وقُصد من البلاد. ويقال: إِنه كان يقرئ الكشاف وكتب منه نسخة بخطِّه الفائق، ورأَيت خطه وهو فى غاية الجودة
…
وله أَشعار كثيرة بالفارسية" وكانت وفاته سنة 787. وفى الضوءِ أَن وفادته كانت على شاه منصور بن شاه شجاع هذا. وشاه منصور ليس ابن شاه شجاع بل هو ابن أَخيه، كما يتبين من معجم الأَنساب والأُسرات الحاكمة ص 379، فالرواية الأُولى أَثبت وهى رواية ابن حجر العسقلانى.
مكانة المجد العلمية والثقافية
كان المجد واسع المعرفة، كثير الاستحضار للمستحسَن من الشعر والْحكايات، وقد أَعانه على ذلك قوَّة حفظه، وكان ذلك من أَسباب سعادته عند الملوك
والأُمراءِ. وكان يحسن اللسان الفارسىّ إِذ نشأَ فى بلاد فارس، وكان ينظم الشعر فى هذا اللسان، كما كان ينظم الشعر العربىّ. ومن شعره الذى مال فيه إِلى التجنيس قوله:
أَحبتنا الأَماجد إِن رحلتم
…
ولم ترعَوا لنا عهدا وإِلَاّ
نودِّعْكم ونودعْكم قلوباً
…
لعلَّ الله يجمعنا، وإِلَاّ
فقوله:: إِلا" فى آخر البيت الأَول يريد به الحرمة والذِّمام، وقوله: "إِلَاّ" فى آخر البيت الثانى مركَّبة من إِن الشرطية ولا النافية، وفعل الشرط محذوف، أَى: وإِلا ترحلوا تمتعنا ببقائكم. ويحتمل أَن يكون المراد: وإِلَاّ يجمعنا الله أَضرّ بنا الوجدُ، أَو نحو ذلك. ويقول الفاسىُّ فى العقد الثمين: "وسمعت من ينتقد عليه قوله فى آخر البيت الثانى: (وإِلا) بما حاصله: أَنه لم يتقدَّم له ما يوطِّئ له وأَن مثل هذا لا يحسن إِلا مع تقديم توطئة للمقصود".
وقد ساعده على سعة ثقافته كثرة كتبه "حتى نقل الجمال الخيَّاط أَنه سمع الناصر أَحمد بن إِسماعيل يقول: إِنه سمعه يقول: اشتريت بخمسين أَلف مثقال ذهباً كتباً. وكان لا يسافر إِلَاّ وصحبته منها عدَّة أَحمال، ويخرج أَكثرها فى كل منزلة فينظر فيها ثم يعيدها إِذا ارتحل". ويذكِّرنا هذا بالصاحب إِسماعيل بن عبَّاد، فقد ذكر عنه أَنه كان يحتاج فى نقل كتبه إِلى أَربعمائة جمل. على أَنه قد يمدّ يده
إِلى كتبه فيبيع منها، فقد ذكروا عنه أَنه كان مسرِفاً، وكان مع كثرة ثروته يمحقها بالإِسراف.
وقد علمت مما مرَّ بك ميل المجد إِلى علوم الرواية، وتَطوافه فى البلاد للأَخذ عن علمائها، فكانت له مشيخة كثيرة، وقد كتب جمال الدين محمد بن موسى المراكشى المكىُّ كتابا ذكر فيه مشيخته، على عادة العلماءِ فى ذلك العهد.
وقد قام برواية الحديث ونشره حين استوسق أَمره. وقد علمت عنايته باللغة منذ نعومة أَظفاره، وظل يجدُّ فيها، حتى كانت له اليد الطولى فى مباحثها. ويدلُّ ثبت كتبه الذى سيمر بك على تضلعه فى كل ما يتَّصل بالرواية.
وكان على سعة معارفه تعوزه الدقَّة فى بعض تآليفه. فقد أَخذ عليه التقى الفاسىّ فى العقد الثمين أَنه أَلَّف كتابا فى فضل الحَجُون - وهو جبل بأَعلى مكَّة فيه مقبرة - فذكر من دُفن فيه من الصحابة. ويقول الفاسى: "ولم أَر فى تراجمهم فى كتب الصحابة التصريح بأنهم دُفنوا جميعا بالحجون، بل ولا أَن كلهم مات بمكَّة. فإِن كان اعتمد فى دفنهم أَجمع بالحجون على من قال: إِنهم نزلوا مكَّة فلا يلزم من نزولهم بها أَن يكون جميعهم دُفن بالحجون، فإِن الناس كانوا يدفنون بمقبرة المهاجرين، بأَسفل مكة، وبالمقبرة العليا بأَعلاها، وربما دفنوا فى دورهم".
ومن ذلك أَنه كان يتساهل فى رواية الأَحاديث الضعيفة والموضوعة، على علمه بوضعها وضعفها. وقد أَلَّف هو مجموعا فى الأَحاديث الضعيفة. وتراه فى كتاب البصائر يذكر فى فضائل السور حديث أُبَىّ بن كعب الطويل، فيذكر فى كل سورة ما يخصّها من هذا الحديث، وهو حديث موضوع تحاشاه المفسّرون إِلا الزمخشرى والبيضاوى فقد يأْتيان ببعضه، وأُخذ عليهما هذا. وكذلك حديث على المتناول لكل سورة، وفيه: يا على إِذا قرأْت سورة كذا كان لك كذا، فهو يوردُه مع التنبيه عليه فى بعض الأَحيان بأَنه واهٍ أَو ساقط. والمتحرِّى للدقة ينأَى عن هذا السبيل، وقد شدَّد العلماء فى رواية الموضوعات ووجوب تجنُّبها.
ومن هذا أَنه جمع ما يروى فى التفسير عن ابن عباس، واعتمد على رواية محمد بن مروان عن الكلبى عن أَبى صالح عن ابن عباس. ويقول السيوطى فى الإِتقان فى النوع الثمانين الذى عقده لطبقات المفسرين: إِن أَوْهى الطرق عن ابن عباس طريق الكلبى عن أَبى صالح عنه، فإِن انضم إِلى ذلك رواية محمد بن مَرْوان السُدِّى الصغير فهى سِلسلة الكذب.
وقد عابه النقَّاد بإِيمانه برَتن الهندىّ. وهو رجل ظهر بعد الستمائة من الهجرة، أَو ادَّعى ظهوره، وادَّعى صحبته للرسول عليه الصلاة والسلام، بل زعم أَنه أَسنّ منه، وروى عنه أَحاديث وأَحوالا. وقد ردّ هذه الدعوى الجهابذة. ويذكر الذهبىّ أَن هذه فرية مختلقة، وأَنه لا وجود له. ولكن المجد يصدّق بوجوده وصحبته وبقائه هذه المدة الطويلة، وينكر على الذهبىّ إِنكاره له. ويقول ابن حجر فى الإِصابة: "ولمّا اجتمعت بشيخنا مجد الدين الشيرازىّ
شيخ اللغة بزَبيد فى اليمن - وهو إِذ ذاك قاضى القضاة ببلاد اليمن - رأَيته ينكر على الذهبىّ إِنكار وجود رَتَن. وذكر لى أَنه دخل ضَيْعته لمَّا دخل بلاد الهند، ووجد فيها من لا يُحصى كثرة ينقلون عن آبائهم وأَسلافهم قِصَّة رَتَن ويثبتون وجوده".
على أَنه فى الرواية البَحْت كان عَلَما مشهودا له. ويقول الخزرجىّ فيه حين كان يلقى دَرس البخارىّ فى زبيد: "وكان من الحفَّاظ المشهورين، والعلماء المذكورين. وهو أَحقّ الناس بقول أَبى الطيِّب المتنبى حيث يقول:
أَدِيب رسَتْ للعلم فى أَرض صدره
…
جبالٌ جبالُ الأَرض فى جنْبها قُفُّ
وأَعود إِلى الحديث عن تبريزه فى اللغة. فيذكر صاحب الشقائق النعمانيّة أَن المجد آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفنّ فاق فيه أَقرانه على رأْس القرن الثامن الهجرى. وهم سوى الفيروز ابادى:
1-
الشيخ سراج الدين البُلقينى، فى الفقه على مذهب الشافعى. وهو عمر بن رسلان مجتهد عصره. له تصانيف فى الفقه والحديث والتفسير، منها حواشى الروضة، وشرح البخارىّ، وشرح الترمذى. وولى تدريس التفسير بالجامع الطولونى. وكانت وفاته سنة 805.
2-
والشيخ زَين الدين العراقىّ فى الحديث. وهو عبد الرحيم بن الحسين، حافظ العصر، وله الأَلفيَّة فى مصطلح الحديث وشرحها، وتخريج أَحاديث الإِحياء، وغيرها. مات سنة 806.
3-
والشيخ سراج الدين بن الملقّن فى كثرة التصانيف فى فنّ الفقه والحديث. وهو عمر بن علىّ. اشتغل بالتصنيف وهو شابّ، حتى كان أَكثر أَهل العصر تصنيفا. ومن تصانيفه شرح البخارىّ، وشرح العمدة، وشرحان على المنهاج فى الفقه، وشرح الحاوى، وشرح التنبيه، وشرح منهاج البيضاوىّ فى الأُصول، والأَشباه والنظائر. وكانت وفاته سنة 804.
4-
والشيخ شمس الدين الفنارىّ فى الاطلاع على كلّ العلوم العقليَّة والنقليَّة والعربية. وهو محمد بن حمزة من علماء الروم فى أَيام السلطان بايزيد بن مراد. وكانت وفاته سنة 834، وبهذا لا يكون المجد آخر من مات، كما يذكر صاحب الشقائق. وقد أَبدى هذا النقد اللكنوى فى كتابه "الفوائد البهيَّة فى تراجم الحنفية".
5-
والشيخ ابن عرفة فى فقه المالكية بالمغرب. وهو محمد بن محمد ابن عرفة. توفى سنة 803.