المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب في معنى الحساب وعلامة رضاء الله على خلقه وموالاة الكفرة وتهديد من يواليهم أو يحبتهم: - بيان المعاني - جـ ٥

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الخامس]

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌تفسير سورة البقرة عدد 1- 87 و 2

- ‌مطلب الإيمان يزيد وينقص وحال المنافقين وفضيحتهم وأفعالهم:

- ‌مطلب في المثل لماذا يضرب وما هو الرعد والبرق وضمير مثله:

- ‌مطلب في ثمار الجنة ونسائها وأهلها وضرب المثل والعهود التي أخذها الله على خلقه:

- ‌مطلب في المخترعات الحديثة والتحليل والتحريم وبحث في الخلق وقصة الجنّ ومغزى اعتراضهم:

- ‌مطلب تفضيل الرسل على الملائكة وامتناع إبليس عن السجود وكونه ليس من الملائكة:

- ‌مطلب إغواء إبليس لآدم وحواء وخروجهما من الجنة وإسكانهما الأرض:

- ‌مطلب في العقل ومعناه وأحاديث ومواعظ في الصبر والتقوى وغيرهما والصلاة وما خوطب به بنو إسرائيل:

- ‌مطلب خروج بني إسرائيل من مصر وأخذهم ضريح يوسف وإنجائهم وإغراق فرعون والميقات الأول:

- ‌مطلب في الشكر وتوبة بني إسرائيل والميقات الثاني:

- ‌مطلب في التيه والمنّ والسلوى ومخالفتهم أمر الله ثانيا:

- ‌مطلب رفع الطور على بني إسرائيل وكيفية مسخهم قودة وخنازير:

- ‌مطلب ما قاله الإمام المراغي وقصة البقرة وإحياء الميت:

- ‌مطلب مثالب بني إسرائيل وتحويفهم كلام الله ونقضهم عهوده:

- ‌مطلب حرص اليهود على الدنيا وعداوتهم لجبريل عليه السلام وابن حوريا وعمر بن الخطاب وقوة إيمانه:

- ‌مطلب في السحرة وهاروت وماروت والحكم الشرعي في السحر والساحر وتعلمه وتعليمه والعمل به:

- ‌مطلب في النسخ وأسبابه وأنه لا يكون إلا بمثله أو خير منه:

- ‌مطلب الاختلاف في سبب نزول الآية 108 وتفنيد الأقوال فيها ومجهولية الفاعل:

- ‌مطلب مناظرة اليهود والنصارى، ولغز في ذلك:

- ‌مطلب فيما ابتلى به إبراهيم ربه والكلمات التي علمها له وبناء الكعبة وغيرها:

- ‌مطلب وصية يعقوب وبقية قصة إسماعيل عليهما السلام:

- ‌مطلب بناء البيت وحدوده من جهاته وتحريمه واحترام ما فيه وبدء بنائه:

- ‌مطلب كيفية الإيمان والإسلام والمعمودية ومن سنها وتحويل القبلة وأن الشهادة قد تكون بلا مشاهدة ومنها شهادة خزيمة:

- ‌مطلب آيات الصفات والشكر على النعم والذكر مفرد أو جماعة وثواب الشهيد:

- ‌مطلب في الصبر وثوابه وما يقوله المصاب عند المصيبة:

- ‌مطلب في السعي وأدلة السمعية والحكم الشرعي فيه وكتم العلم:

- ‌مطلب الدلائل العشر المحتوية عليها الآية 164 من هذه السورة:

- ‌مطلب في الأكل وأحكامه وأكل الميتة والدم وغيرهما من المحرمات:

- ‌مطلب أنواع البرّ والقصاص وما يتعلق بهما:

- ‌مطلب في الوصايا ومن يوصى له ومن لا وما على الوصي والموصى له والموصي:

- ‌مطلب في الصوم وفرضيته والأعذار الموجبة للفطو والكفارة وإثبات الهلال وإنزال الكتب السماوية:

- ‌مطلب الدعاء وشروطه والجمع بين الآيات الثلاث فيه وشروط الإجابة:

- ‌مطلب أخذ أموال الناس باطلا والقضاء لا يحلل ولا يحرم ومعنى الأهلة وما كان في الجاهلية وأنه القتال الأولى:

- ‌مطلب المقابلة بالمثل وفضل العفو والإنفاق في سبيل الله والإحسان:

- ‌مطلب في المحافظة على الأدب في الحج ولزوم التقوى فيه وجواز البيع والشراء في الموسم ودوام ذكر الله تعالى:

- ‌مطلب مقتل زيد بن الدثنة وخبيب الأنصاري وإظهار حبهم لحضرة الرسول والصلاة عند القتل وقصة صهيب:

- ‌مطلب لا يصح نزول الآية في عبد الله بن سلام وبحث قيم في آيات الصفات وأن المزين في الحقيقة هو الله تعالى:

- ‌مطلب الأنبياء والرسل المتفق عليهم والمختلف فيهم ورسالتهم وعددهم وعدد الكتب المنزلة عليهم:

- ‌مطلب في الإنفاق والجهاد وفوائدهما وما يترتب على القعود عنهما من البلاء:

- ‌مطلب في الخمر والميسر ومخالطة اليتامى والنظر إليهم وبحث في النفقة أيضا وحفظ بيت المال

- ‌مطلب في الحيض والنفاس وما يجوز معهما وما يمتنع وكفارة من يقرب الحائض وفي الإتيان في الدبر:

- ‌مطلب في الأيمان وكفّارتها والإيلاء والطلاق والعدة وكلمات من الأضداد وما يتعلق بحقوق الزوجين:

- ‌كراهة الطلاق وجواز الخلع على مال وحرمة أخذه إن كان لا يريدها ووقوع الطلاق الثلاث:

- ‌مطلب في الرضاع وعدة الوفاة والطلاق وما يجب فيهما ونفقة الأولاد والمعتدات:

- ‌مطلب قصة ذي الكفل ونادرة السلطان سليم وقصة أشمويل عليه السلام:

- ‌مطلب في التابوت ومسيرهم للجهاد ومخالفتهم توصية نبيهم بالشرب من النهر وقتل جالوت وتولية داود عليه السلام:

- ‌مطلب التفاضل بين الأنبياء واختصاص كل منهم بشيء وتفضيل محمد على الجميع وإعطائه ما أعطاهم كلهم من المعجزات:

- ‌مطلب عظمة العرش والكرسي وأفضل آية في القرآن والأحاديث الواردة في ذلك والإكراه في الدين:

- ‌مطلب محاججة النمروذ مع إبراهيم عليه السلام وقصة عزير عليه السلام وسؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الموتى وجوابه عليها:

- ‌مطلب في الصدقة الخالصة والتوبة وما يتعلق بهما وبيان أجرها وعكسه:

- ‌مطلب أدل آية على فرض الزكاة ومعنى الحكمة والحكم الشرعي في الزكاة والنذر:

- ‌مطلب الهداية من الله، وفضل إخفاء وإعلان الصدقة، والربا وما يتعلق به والحكم الشرعي فيه:

- ‌مطلب فائدة انظار المعسر وتحذير الموسر عن المماطلة بالأداء وأجر العافي عن الدين والتوبة عن الربا وآخر آية نزلت فيه:

- ‌مطلب في الكتابة والشهادة على الدين وتحذير الكاتب والشاهد من الإضرار بأحد المتعاقدين وحجر القاصر ومن هو بحكمه:

- ‌مطلب المحاسبة غير المعاقبة ومعنى الخطأ والنسيان والهمّ والطاقة والإصر وغيرهما:

- ‌تفسير سورة الأنفال عدد 2 و 98 و 8

- ‌تفسير سورة آل عمران عدد 3 و 89 و 3

- ‌مطلب في وفد نجران ومناظرته مع حضرة الرسول، وبيان المحكم والمتشابه في القرآن العظيم:

- ‌مطلب آيات الله في واقعة بدر. ومأخذ القياس في الأحكام الشرعية. وأن الله خلق الملاذ إلى عباده ليشكروه عليها ويعبدوه:

- ‌مطلب في معنى الحساب وعلامة رضاء الله على خلقه وموالاة الكفرة وتهديد من يواليهم أو يحبتهم:

- ‌مطلب من معجزات القرآن تماثيل الأعمال كالسينما وفي طاعة الله ورسوله التي لا تقبل الأولى إلا مع الثانية وهناك من الأمثال ما يقاربها:

- ‌مطلب ولادة مريم من حنة وتزويج زكريا من إيشاع وقصتهما وما يتعلق فيهما:

- ‌مطلب في الاصطفاء، ومن كمل من النساء، وما احتوت عليه هذه الآيات وما يتعلق بها:

- ‌مطلب معجزات عيسى عليه السلام وقصة رفعه إلى السماء وعمل حوارييه من بعده:

- ‌مطلب في المباهلة ما هي وعلى أي شيء صالح رسول الله وقد نجوان وحكاية أسير الروم

- ‌مطلب في الحلف الكاذب والمانّ بما أعطى والمسبل إزاره وخلف الوعد ونقض العهد:

- ‌مطلب وقت قبول التوبة وعدم قبولها. ومعنى البر والإثم. والتصديق بالطيب. والوقف الذري. وتبدل الأحكام بتبدل الأزمان:

- ‌مطلب في البيت الحوام والبيت المقدس وفرض الحج وسقوطه وتاريخ فرضه والزكاة والصوم والصلاة أيضا:

- ‌مطلب فتن اليهود وإلقائها بين المسلمين وسبب اتصال الأنصار بحضرة الرسول وألفتهم:

- ‌مطلب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاجتماع والفرقة وكون هذه الأمة خير الأهم ومعنى كان والتذكير والتأنيث:

- ‌مطلب حقد اليهود والمنافقين ورؤية حضرة الرسول وقصة أحد وما وقع فيها:

- ‌مطلب من أمي قديم، إلى حزن حادث وفي الربا ومفاسده. ووجود الجنة والنار والأوراق النقدية:

- ‌مطلب في التقوى وكظم الغيظ والعفو والإحسان، ومكارم الأخلاق والتنزه عن مذامتها:

- ‌مطلب الأيام دول بين الناس، وكون الجهاد لا يقرب الأجل، وكذب المنافقين، واللغات التي تجوز في كأين:

- ‌مطلب المقتول ميت بأجله، وأنواع العبادة ثلاثة، وبحث في الشورى ومن يشاور، وخطبة أبي طالب:

- ‌مطلب في حياة الشهداء، وخلق الجنة والنار، وقصة أهل بنو معونة، وما قاله معبد الخزاعي:

- ‌مطلب غزوة حمراء الأسد، وبدر الصغرى، وأحاديث في فضل الجهاد والرباط:

- ‌مطلب في الزكاة وعقاب تاركها، وتحذير العلماء من عدم قيامهم بعلمهم، وحقيقة النفس:

- ‌مطلب إخبار الله تعالى عما يقع على المؤمنين وقتل كعب بن الأشرف والاعتبار والتفكر والذكر وفضلهما وصلاة المريض:

- ‌مطلب فيما وقع للنجاشي مع أصحاب رسول الله ووفد قريش. ومأخذ قانون عدم تسليم المجرمين السياسيين. والصلاة على الغائب:

- ‌تفسير سورة الأحزاب عدد 4- 90 و 33

- ‌مطلب في غزوة الخندق وما سلط فيها على الأحزاب وهزيمتهم

- ‌مطلب لا يسمى ما وقع من حضرة الرسول وما في بعض آيات القرآن شعرا لفقد شروطه وقصة بني قريظة:

- ‌مطلب في تخيير المرأة ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم وتبرج النساء وتسترهن

- ‌مطلب زواج حضرة الرسول بمطلقة زيد، وكونه خاتم الأنبياء، والطلاق قبل الدخول:

- ‌مطلب منع النبي من الزواج والطلاق ورؤية المخطوبة وجواز الرؤية للمرأة في تسع مواضع وما أحدث في زماننا:

- ‌مطلب كيفية الصلاة على النبي، وهل يجوز إطلاقها على غيره، والذين لعنهم الله ومن يؤذي أولياءه:

- ‌مطلب تفطية وجه المرأة، والنهي عن نقل القول، وما اتهم به موسى من قومه والأمانة:

- ‌تفسير سورة الممتحنة عدد 5- 91 و 60

- ‌مطلب الاخبار بالغيب في كتاب حاطب لأهل هكة ونصيحة الله للمؤمنين في ذلك:

- ‌مطلب من جحد عهد الحديبية وما يتعلق بالنسخ ونص المعاهدة وما وقع فيها من المعجزات:

- ‌تفسير سورة النساء عدد 6 و 92 و 4

- ‌مطلب في أخلاق الجاهلية وفوائد السلطان للبلاد والعباد. وأكل مال اليتيم:

- ‌مطلب في الوصايا وأموال الأيتام وحفظها وتنميتها ورخصة الأكل منها للمحتاج:

- ‌مطلب حد الزنى واللواطة. وأصول التشريع. والمراد بالنسخ. وإيمان اليأس والتوبة:

- ‌مطلب في المحرمات من النساء وفي نكاح الحرة والأمة ونكاح التبعة والتفاضل بين الناس:

- ‌مطلب أكل المال بالباطل وجواز البيع بالتراضي ومن يقتل نفسه وكبائر الذنوب وصغائرها وما يتعلق بهذا:

- ‌مطلب تفضيل الرجل على المرأة. وعدم مقاصصتهن لرجالهن. وأمر تأديبهن منوط برجالهن أيضا:

- ‌مطلب أجمع آية في القرآن لمصارف الصدقة. وحق القرابة والجوار وشبههما وذم البخل:

- ‌مطلب أن الخمر الثالثة ونزول آية التحويم والأصول المتممة في النطق، وعدم اعتبار ردة السكران وطلاقه:

- ‌مطلب طبايع اليهود أخزاهم الله واسلام عبد الله بن سلام وأصحابه وغفران ما دون الشرك وعلقة اليهود:

- ‌مطلب توصية الله الحكام بالعدل ومحافظة الأمانة والأحاديث الواردة فيها وتواصي الاصحاب في ذلك:

- ‌في مطلب معنى زعم قصة بشر واليهودي والزبير والأنصاري وامتثال أوامر الرسول:

- ‌مطلب ما فعله ابو نصير وفتح خيبر وتبوك وما وقع فيهما من المعجزات وظهور خير صلح الحديبية الذي لم يرض به الأصحاب

- ‌مطلب في قوله تعالى كل من عند الله، وكيفية حال المنافقين مع حضرة الرسول، وان كلام الله لا يضاهيه كلام خلقه محمد فمن سواه صلى الله عليه وسلم:

- ‌مطلب أمر حضرة الرسول بالقتال والآية المبشرة إلى واقعة أحد وبدر الصغرى والشفاعة والرجاء ومشروعية السلام ورده:

- ‌مطلب من يقتل ومن لا يقتل ومن يلزمة الكفارة للقتل ومن لا وما هو يلزم القاتل وأنواع القتل:

- ‌مطلب في قصر الصلاة وكيفيتها وهل مقيدة بالخوف أم لا ومدتها، وقصة سرقة طعيمة بن أبيرق وجواز الكذب أحيانا:

- ‌مطلب غفران مادون الشرك وتوبة الشيخ على يد رسول الله:

- ‌مطلب ارث النساء والقسم من الزوجات وجواز الفداء والعداء والظلم والعدل:

- ‌مطلب في التهكم والكتاب والنهي عن مجالسة الغواة وأفعال المنافقين وأقوال اليهود الباطلة:

- ‌مطلب عدم تيقن اليهود بان عيسى هو المصلوب، وآية الربا الرابعة، وعدد الأنبياء والرسل وفرق النصارى ونص الأقانيم الثلاث:

الفصل: ‌مطلب في معنى الحساب وعلامة رضاء الله على خلقه وموالاة الكفرة وتهديد من يواليهم أو يحبتهم:

‌مطلب في معنى الحساب وعلامة رضاء الله على خلقه وموالاة الكفرة وتهديد من يواليهم أو يحبتهم:

واعلم أن كلمة الحساب تأتي على ثلاثة أوجه بمعنى التعب والسبب والتغير والبسط كما هي الحال هنا، وبمعنى العدد، كما في قوله تعالى (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) الآية 14 من سورة الزمر في ج 2، وبمعنى المطالبة كما في قوله تعالى (فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) الآية 39 من سورة ص في ج 1، فكل ما جاء في القرآن العظيم من هذه اللفظة لا يعدو احدى هذه المعاني الثلاثة.

وما جاء في بعض الكتب المنزلة: أنا الله ملك الملوك ومالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا لي أعطفهم عليكم. وجاء في الخير أن موسى عليه السلام قال فما علامة سخطك من رضاك يا رب؟ فأوحى إليه إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضاي، وإذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطي. وهذا على حد قوله كما تكونوا يولى عليكم. وقوله أعمالكم عما لكم.

قالوا للحجاج الثقفي لم لا تعدل وقد شاهدت زمن عمر؟ قال تبذروا لي أنعمر لكم.

أي كونوا كأبي ذرّ من أصحاب عمر في الزهد والتقوى أكن لكم كعمر في العدل والإنصاف. وهذا لا يخلصه من الله فيما جار في حكمه إذ كان عليه أن يعدل في كل حال، لأن الحاكم مكلف بالعدل أحسن الناس أم أساؤوا. وتفيد هذه الآيات أن العزة والكرامة من منح الله تعالى ينشرها على من يشاء من عباده وأن الخير كله منه، وان تقسيمه على الخلق تابع لسنن مطردة عنده تعالى يجعلها في صالح خلقه، كما أن تفاوت ساعات الليل والنهار وتداخلها بحسب تطور الفصول هو في مصلحتهم أيضا. والحكم الشرعي وجوب الاعتقاد بما ذكر من المشيئة لا على الأسباب، لأن القول بترتب الأسباب على المسببات يستلزم الدور والتسلسل ويتعارض مع كمال القدرة، وان ما قضت به حكمة الله من السنن والأسباب الظاهرة عبارة عن وسائل ومظاهر خارجية لا تأثير لها في خلق الحوادث وإيجاد المسببات، لأن الله تعالى له أن يغير تلك السنن ويعطل هاتيك الأسباب التي نراها

ص: 330

ويفعل ما هو من مقتضى مشيئته. وبعد أن أمر الله تعالى رسوله في ذلك الدعاء المشار إليه في الآيتين المارتين وأفهمه بأنه هو الذي يملك الملوك ويمنح العزة لمن يشاء من عباده ليتحققوا ويتيقنوا أن لا يكون شيء إلا بإرادته، طفق يحذره من الاتصاف بأحوال لا تتفق وكرامة المؤمن الصادق الواثق بربه، فقال «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ» أنصارا لهم وأعوانا على غيرهم «مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» إذ قد تؤدي موالاتهم للتفريط في حقوق الله والإفراط في حقوق المؤمنين «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» فيواليهم ويحبهم وينقل أخبار المسلمين إليهم «فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ» ولا قيمة لهم عند الله، ولا وزن، وقد يفضي لغضب الله انظر لقوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً) الآية 144 من سورة النساء الآتية، وان الله تعالى نهى حتى عن اتخاذ الآباء والأبناء أولياء إذا كانوا كفارا كما سيأتي في الآية 25 من سورة التوبة الآتية. وسيأتي في الآية 118 مما هو من هذا القبيل وأشد، لأن موالاتهم توجب معاداة الله، وقيل في هذا:

تودّ عدوي ثم تزعم أنني

صديقك ليس النوك عنك بعازب

أي ليس الحمق عنك بمفارق بل هو ملازم لك ما دمت على هذه الحالة وقول الآخر:

إذا والى صديقك من تعادي

فقد عاداك وانقطع الكلام

وهذا تكرر النهي عن ذلك في القرآن العظيم كما سيأتي في الآيتين المذكورتين والآية 54 من سورة المائدة وأول سورة الممتحنة وآخر سورة المجادلة الآتيات، فضلا عما جاء في الأحاديث الصحيحة من تحذير موالاتهم بصداقة أو مصاعرة أو قرابة أو نسبة أو لأمر ما من أسباب المعاشرة والتقرب إليهم، لأن المحبة يجب أن تكون لله وفي الله ومن أجله، والبغض كذلك في سبيل الله ولا نتهاك حرماته، ولأجل أوليائه، وهذا أصل من أصول الدين التي يجب التقيد فيها، وهذا لا يعني عدم مراعاة حقوقهم ومحافظتهم وكف الأذى عنهم وعيادتهم في الأفراح والأتراح وزيارتهم ومجالستهم وغيرها، لأنه حق على المسلمين كلهم لقوله صلى الله عليه وسلم لهم ما لنا وعليهم ما علينا إذا قاموا بالشروط المأخوذة عليهم وأدّوا الجزية المفروضة عليهم،

ص: 331

أما إذا خالقوا وتجاوزوا ونقضوا فلا، والحب المذموم هو الذي يوجب ضررا دينيا أو دنيويا لعامة المسلمين وخاصتهم، وسيأتي تفصيل هذا البحث في الآيات المشار إليها آنفا إن شاء الله تعالى القائل «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» فتخافوا فتنة محققة أو بغلبة الظن تضر بالمسلمين وليس بوسعكم دفعها ولا تجدون من يعصمكم منها، فإنه يجوز لكم موالاتهم ظاهرا مع الكراهة الباطنة كالمسلم المنفرد في دار الحرب، وفيما إذا ظهروا على المسلمين والعياذ بالله، ففي هاتين الحالتين وشبههما فلا بأس من مداهنتهم ومداراتهم كمن أكره على الكفر، فإنه يجب عليه أن يكون قلبه مطمئنا بالله والإيمان به كما بيناه في الآية 106 من سورة النحل المارة في ج 2 ويشترط أن يكون الخوف صحيحا، وأن يكون القتل أو تلف العضو محققا أو بغلبة الظن، لأن دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان واجب، وإلا فلا يجوز حتى انه لو صبر على القتل ولم باطنهم في أمر المسلمين فهو خير له، وله عند الله الأجر العظيم لأخذه بالعزيمة وترك الرخصة، لأن الرخصة إنما تباح إذا لم ينشأ عنها مضرة عامة للمسلمين فإذا تحقق حصولها ولو بغالب الظن فليس له الأخذ بها، تدبر «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» من أن تخالفوا أمره أو تولوا أعداءه إذ يشتد غضب الله لهذين لأمرين أكثر من غيرهما «وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ» (28) والمرجع فلا مهرب لكم أيها الناس منه. واعلموا أن من تيقّن أن مرجعه إلى الله عمل لما به رضاء ولم يقدم على ما نهاه. هذا، وما قيل إن هذه الآية نزلت حينما ذهب رسول الله إلى بدر، وكان تبعه رجل من المشركين ذر جرأة ونجدة، وان المسلمين فرحوا به، فلما رآه الرسول قال له ارجع فلن أستعين بمشرك ويروون هذا عن عائشة رضي الله عنها فلا نصيب له من الصحة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم أي أعطاهم من الغنيمة شيئا رآه، لأن الرضخ عطاء غير كثير أقل من سهم المجاهد، واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، فالاستعانة بهم جائزة بشرط الحاجة والوثوق، وبدونهما لا، وعلى هذين الشرطين يحتمل خبر عائشة إن صح، وما رواه الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا نقيبا وله خلفاء من اليهود، فلما خرج صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب

ص: 332

قال له إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معك، فستظهر بهم على العدو، بعيد أيضا، لأن حادثة الأحزاب لم تقع قبل، أو عند نزول هذه هذه الآية وانطباقها عليها لا يعني أنها نزلت فيها، وكثير من الآيات مما نزل في مكة ينطبق على حوادث وقعت في المدينة وبالعكس، فلا يقال إنها سبب للنزول.

وعلى هذين الشرطين جاز التزوج بالكتابيات واتخاذهن والرجال منهم خدما، أما من قال بعدم جوازهم عمالا واستخدامهم بالدواوين الحكومية فهو مقيد بنفي هذين الشرطين أيضا، أما إذا كانوا متلبسين بالشرطين المذكورين وهما الحاجة والوثوق فلا بأس، تدبر. وكونهم من أهل الذمة الذين تنبغي مجاملتهم واحترامهم ومخالطتهم بالحسنى يؤيد ما نحن فيه، لأن هذا من البر الذي أمرنا الله تعالى به في الآية 8 من سورة الممتحنة الآتية فراجعها. وقالوا أنزلت هذه الآية في حاطب ابن بلتعة، أو في عبد الله بن أبي بن سلول، وأضرابه من المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وهي عامة في كل من هذا شأنه وفي من يظهر هو عورات المسلمين لأعدائهم خاصة، وما ذكرناه أعلاه الحكم الشرعي في هذه الآية، ومنه يؤخذ عدم جواز ولاية الكافر على المسلم، بأن يكون فيما أو ووصيا عليه، ولا يعقل المسلم جناية الكافر ولا الذمي لما فيه من الولاية له والنصر وان الاتقاء المرخص به في هذه الآية بشترط فيه تحقق تلف النفس أو بعض الأعضاء، أو ضرر كبير يحل فيه، والأحسن أن يأخذ بالعزيمة إذا كان فيه دفع ضرر عام عن المسلمين، أو فيه إعزاز دين المسلمين فيما يتعلق بالحروب وغيرها. وتومىء هذه الآية إلى جواز عقد المعاهدات والاتفاقات معهم إذا ضمن فيها مصلحة المسلمين، لأن النهي لا يمنع من هذا. قال تعالى يا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء الذين يوالون الكفرة خلسة «إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ» من مودتهم ومحبتهم «أَوْ تُبْدُوهُ» غير مبالين به ولا بإخوانكم المؤمنين «يَعْلَمْهُ اللَّهُ» ويعاقبكم عليه وكيف يخفى عليه حالكم هذا وهو يطلع «وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (29) لا يعجزه من وما فيهما، واحذروا أيها الناس «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً» مثل ما عملت لم

ص: 333