الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باسمك من غوايته فلا تجعل له سبيلا عليها. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من بني آدم من مولود إلا نفسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من نخسه إياه إلا مريم وابنها. ثم يقول ابو هريرة اقرأوا إن شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُها) الآية. قال تعالى مجيبا لهذه النادرة الكريمة «فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً» بأن غرس فيها الصلاح والعفّة والثقة بالله تقديرا لثقة أمها به وإخلاصها إليه وسلك بها طريق السعادة وسوى خلقها فنشأت كأحسن نساء زمانها «وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا» بأن جعله فيما عليها وضامنا لمصالحها وهو زوج خالتها إذ توفي والدها وهي في بطن أمها فتربت في حجرة تربية عالية، وناهيك بتربية معلمي الناس التربية حتى إذا كبرت بني لها محرابا في الكنيسة مرتفعا، وصار يتعاهدها وحده ويأتيها بطعامها وشرابها، وأول ما رأى من كرامتها على ربها أنه «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً» فاكهة بغير أولها ولما تكررت رؤيته لتلك «قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا» الرزق ومن أين أتاك ومن الذي جاءك به وهو لا يوجد لفوات موسمه وعدم حلول أوانه «قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» لأني أراه بحضر إلى دون أن يأتي به أحد ولا تعجب أيها العم «إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» (37) ومن حيث لا يحتسب الإنسان بمحض الفضل مما لا يدخل تحت عد أو حصر من شيء لا ينقص ولا يحد أي أنه من ثمر الجنة إذ لا يوصف غيره بما ذكر وهذا من الإحسان الذي يأتي بلا كسب ولا عناء.
مطلب ولادة مريم من حنة وتزويج زكريا من إيشاع وقصتهما وما يتعلق فيهما:
وخلاصة هذه القصة على ما ذكروا أن زكريا عليه السلام بن آذن بن مسلمة ابن حبرون من أولاد سليمان عليه السلام تزوج إيشاع اخت حنه أم مريم عليها السلام وكانت حنة زوجة عمران أيست من الولادة فبينما هي في ظل شجرة، رأت طائرا يطعم فرخا فتحركت نفسها ودعت الله أن يهب لها ولدا على أن تتصدق به إلى بيت المقدس سادنا، فحملت بمريم فأخبرت زوجها فقال ويحك كيف إذا جئت بأنثى؟
فاهتمّا لذلك ثم مات عمران ووضعت بعده مريم فاعتذرت إلى ربها وهو عالم بذلك
فسمتها العابدة أو الخادمة وتضرعت إلى الله أن يعصمها ويجعلها صالحة لأنها من بيت الصالحين فلفتها وألقتها في المسجد لدى سدنته من آل هرون، وحيث كان أبوها امامهم أراد كل منهم ضمها إليه ليربيها، فاقترعوا عليها وألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها في نهر الأردن، على أن الذي يظهر قلمه تكون له، فرست كلها وهي تسع وعشرون قلما وطاف قلم زكريا فقط، فأخذها وتكفل بها وتقبلها الله منه ورضيها وأنشأها نشأه حسنة طاهرة مرضية كما ذكر الله، ولما رأى زكريا ما عندها من الفاكهة كما مر في الآية وأن أمها ولدتها بعد الكبر واليأس وكان هو أيضا لم يأته ولد، طمع في ربه عز وجل وقال الذي يقدر على هذا قادر على أن يعطيني ولدا على شيخوختي وانقراض أهل بيتي، قال تعالى «هُنالِكَ» في ذلك الوقت الذي رأى فيه معجزة الولادة مع الكبر ومعجزة وجود الفاكهة بغير أوانها وكل ذلك على خلاف العادة فقد حدا به الحال إلى أن «دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ» وهو جالس في محراب مريم «قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ» (38) فأجابه عز وجل بقوله «فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ» جبريل عليه السلام ومرافقوه «وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ» نفسه حالا وقالوا له «أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى» سماه بهذا الاسم لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه وكبر أبيه «مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» أي بعيسى عليه السلام ابن خالته، لأنه كان بكلمة كن من غير أب فوقع عليه اسم الكلمة ولأن الله تعالى بشر به أمه على لسان جبريل فسمي كلمة، ولأن الله أوحى إلى الأنبياء قبله في الكتب المنزلة أنه يخلق نبيا من غير أب، فلما ولد قالت الأحبار المطلعون على ذلك هذا هو ملك الكلمة أي الوعد الذي وعد الله به، قالوا وولد قبل عيسى بستة أشهر، وهو أول من آمن به، وان عيسى تعمد عنده، وقتل يحيى قبل رفع عيسى إلى السماء كما مر بيانه، وسبب قتله في الآية 7 من سورة الإسراء ج 1 «وَسَيِّداً» رئيسا ليسود الناس لأنه من بيت الأسياد، وعظيما جليلا مهابا «وَحَصُوراً» لا يأتي النساء هضما لنفسه مع القدرة على الجماع، لأن العنّة نقص والأنبياء مبرءون من النقص المادي والمعنوي «وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» (29) لإرشاد عبادك وإعلاء كلمتك، أي
مرسلا لا نبيا فقط «قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ» وهاتان الحالتان لا يتأتى معهما حصول الولد إلا علي طريق خرق العادة وهو من عادتك «قالَ كَذلِكَ» مثل هذا الفعل الخطير الذي يعجز عنه البشر يحدثه ربك «اللَّهُ» العظيم الذي «يَفْعَلُ ما يَشاءُ» بأن يهب لكما ولدا وأنتما على حالتكما هذه. قالوا وكان عمره مئة وعشرين سنة، وعمر زوجته ثمانيا وتسعين سنة، وقوله هذا ليس على طريق الاستبعاد بل استعظاما للقدرة واعتذارا منه عز وجل، لأنه يعلم أن ربه قادر على أكثر من ذلك، ولكن الذي ساقه على ذلك عظم سروره وشدة فرحه بإجابة دعوته حدث به إلى ذلك، والتذاذه بسماع كلام ربه، عدا ما قاله سفيان بن عيينة رحمه الله بأنه كان بين الدعاء والبشارة ستون سنة، وانه نسي السؤال وقت البشارة ولذلك استبعد شيئا على خلاف جريان العادة، ينفيه وجود الفاء الدالة على التعقيب بلا فاصلة تأمل.
وما قيل إن الخطاب الأخير كان مع الملائكة يرده صراحة القول باسم
(رَبِّ) وإياك أيها العاقل أن يخطر ببالك معنى الشك، فإن ساحة الأنبياء مبرأة منه البتة، فاحذر أن يحوك في صدرك شيء من هذا، قالوا أزال الله عقمهما وكبرهما وجعلهما صالحين لذلك، راجع الآية 90 من سورة الأنبياء المارة في ج 2، إذ قال فيها (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) قال بعضهم بقيا على حاهما وهو أبلغ في القدرة وأعجب، ولكن الأول أولى لصراحة القرآن بالإصلاح، وكلتا الحالتين عند الله سواء، إذ لا يعجزه شيء «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» على حمل زوجتي «قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً» أي لا تقدر على تكليم أحد خلاها شفاها راجع الآية 10 من سورة مريم في ج 1 وأفضل العبادة الصمت وانتظار الفرج.
قالوا ولما حملت عقد لسانه إلا عن ذكر الله كما جاء في قوله عزّ قوله «وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» (41) وهذه من المعجزات الباهرة لأن قدرته على الذكر دون الكلام مع الناس أمر خارق للعادة وإنما منع من الكلام ليخلص العبادة لله على هذه النعمة، وكان يشير لمن يكلمه بالمسبحة لأن الرمز هو الإشارة باليد أو بإحدى الأصابع أو العين أو الحاجب أو الرأس.