الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهناك «فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا» من طاعة وعصيان وكفر وإيمان ونفاق واخلاص «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (64) لا تخفى عليه خافية، يوجد أربع سور مختومة بهذه اللّفظة هذه والنّساء والأنفال والطّلاق. روي أن ابن عباس قرأ سورة النّور في الموسم على المنبر وفسرها على وجه لو سمعت به الرّوم لأسلمت. وأخرج أبو عبد الله بن السّبع في صحيحه عن عائشة رضي الله قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلوا النّساء الغرف. أي لأنهن يعرضن أنفسهن لنظر الأجانب. فيا أيها النّاس تقيدوا بتعاليم الله القائل في كتابه (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) راجع الآية 26/ 27 و 60 من سورة النّساء واختر ما تشاء لتفوز من الله بالرضاء. هذا والله أعلم. وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.
تفسير سورة الحج عدد 17- 103- 52
نزلت بمكة بعد سورة النّور. وهي ثمان وسبعون آية والف ومئتان وإحدى وسبعون كلمة وخمسة آلاف وخمس وسبعون حرفا. ومنها الآيات من 52 إلى 55 نزلن بين مكة والمدينة ومثلها في عدد الآي سورة الرّحمن. وتقدمت السّور المبدوءة بما بدئت فيه سورة النّساء ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ» واحذروا مخالفته «إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ» التي أمرها بيده «شَيْءٌ عَظِيمٌ» (1) جدا ولا أعظم بمن وصفه الله بالعظمة. ثم ذكر من أهوالها ما أوجب وصفها بالعظمة بقوله جل قوله «يَوْمَ تَرَوْنَها»
أي الزلزلة وهي حركة الأرض بشدة هائلة واضطرابها بقوة فظيعة، عند اذن الله تعالى بخراب الأرض وانقراض هذا الكون، وحينذاك «تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ»
فتنساه كأنه ما كان لما يلحقها من الدّهشة المزعجة «وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها»
من كبير الفزع وجليل الخوف على فرض وقوع هذه الزلزلة في الدّنيا فإن المرضعة
المعلّق قلبها عند رضيعها تغفل عنه وتتركه بل تنساه ولا يخطر ببالها وإن الحاصل لعظيم ما ترى تسقط ما في بطنها وهي لا تشعر به قبل تمام مدته، وهو لا يسقط بذلك إلّا بأسباب باهظة وعمليات متعبة منهكة. «وَتَرَى النَّاسَ»
أيها النّاظر إليهم إذ ذاك إذا تأتي منك النّظر «سُكارى»
بلا شراب حياري لهول ما يشاهدون من الخوف القاطع للقلوب «وَما هُمْ بِسُكارى»
حقيقة، ولكنهم على هيئة وصورة الثمل الغافل الحائر مما يشاهد ما يحل به وبغيره في ذلك الموقف العظيم، إذ تتفتت فيه الأكباد، وترتعد فيه الفرائض، وتتلجلج فيه القلوب، فتبلغ الحناجر لأن ما هم قادمون عليه ليس بملك ظالم ولا سلطان غاشم يؤمل الخلاص منهما «وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»
(2)
لا مخلص منه، لذلك قد أرهقهم خوف لحوقة بهم وأذهب عقولهم رؤياه، فأفقدهم رشدهم، وأضاع تمييزهم، وأزال معرفتهم حالهم، وأشغل كلا بنفسه.
مطلب في أهوال القيامية وكيفية الخلق وترتيبه وما قاله صاحب الجمل:
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم، فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج بعث النّار، قال يا رب وما بعث النّار؟ قال في كلّ الف تسعمائة وتسع وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى النّاس سكارى الآية، فشق ذلك على النّاس حتى تغيرت وجوههم، قالوا يا رسول الله أينا ذلك الرّجل؟ فقال صلى الله عليه وسلم من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسع وتسعون، ومنكم واحد، ثم أنتم في النّاس كالشعرة السّوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وفي رواية كالرقمة في ذراع الحمار (الرقمة معروفة وهي كالفلس في ذراع الحمار والبغل أيضا)(وإني لأرجو أن تكونوا رباع أهل الجنّة، فكبرنا، ثم قال ثلاث أهل الجنّة، فكبرنا، ثم قال شطر أهل الجنّة، فكبرنا. قال تعالى «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ» لشدة جهله «وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ» (3) متشيطن مضلّ عات في جداله. واعلم أنه لا يوقف على مريد لأن ما بعده صفة له، ولذلك
ينبغي للقارىء وصلها بما بعدها ولا يغتر بعلامة الوقف في المصاحف ويظن الوقف عليها لازم، لأن الوقف يكون على تمام المعنى، لأن كثيرا من الآيات يجب وصلها بما بعدها، أما علامات الوقف التي وضعها القراء على كلمات القرآن مثل م وط ج وغيرها فهي المعتبر مراعاتها، وعلى القارئ أن يتقيد بها فيعرف الواجب واللازم والجائز والممتنع، واتقن هذه الإشارات الموضوعة على الكلمات في المصاحف المصرية التي طبعها فؤاد الأوّل ملك مصر رحمه الله «كُتِبَ عَلَيْهِ» أي ذلك الشيطان «أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ» أي تبعه من النّاس فأطاعه انقيادا لوساوسه «فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ» عن الحق ويرمه في الباطل ويوقعه في دسائسه «وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ» (4) إذ ما بعد الحق إلّا الضّلال، ولا مرجع للضال إلّا جهنم المتسعرة بأهلها، كما لا مصير إلى المحق إلّا الجنّة النّاعمة بأهلها «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ» بعد الموت، ولكم شكّ في الحياة الآخرة، وإنكم تستعظمون وجودها، «فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ» راجع الآيتين 64 و 67 من سورة المؤمن في ج 2 تجد تفصيل مراتب الخلق وعددها هناك. واعلم أن العطف بثم في هذه الآية يفيد أن بين كلّ حالة وأخرى من البعد ما لا يخفى أما عطف ثم الأخير فهو لتباعد ما بين الخلقين كما يشير إليه قوله (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) راجع الآية 14 من سورة المؤمنين والآية 54 من سورة الرّوم في ج 2 تقف على ما تريده من هذا البحث. «مُخَلَّقَةٍ» صفة للمضغة أي تامة لا نقصان فيها ولا عيب «وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ» أي قد تكون ناقصة معيبة في بعض الحواس والجوارح والتخطيط، راجع الآية 9 من سورة الرّعد المارة. قال صاحب الجمل على الجلالين هذا تقسيم على سبيل التسمح فإن كلّ مضغة تكون أولا غير مخلقة ثم تصير مخلقة ولو جاء النظم هكذا ثم من نطفة غير مخلقة ثم من نطفة مخلقة لكان أوضح. ثم قال وكان مقتضى الترتيب السّابق المبني على التدريج من المبادئ البعيدة على القريبة أي تقديم غير المخلقة على المخلقة. وهذه جرأة عظيمة منه وهفوة كبيرة كما وقع مثل هذا وأعظم من الخطيب الشّربيني في تفسير الآية 65 من سورة يونس في ج 2 عفا الله
عنهما وبصرنا بعيوبنا «لِنُبَيِّنَ لَكُمْ» أيها النّاس كمال قدرتنا وبالغ حكمتنا ولتعلموا أن من يقدر على هذا الخلق ابتداء يقدر على الاعادة لا محالة «وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ» من هذه النّطفة المخلقة فنبقيها فيه ونحفظها ونربتيها «إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» عندنا فنسقط منها ما نشاء حسبما اقتضته حكمتنا قبل تمام خلقه ونبقي منها ما نريد بمقتضى إرادتنا «ثُمَّ» تقضي قدرتنا الأزلية با كماله وبعد تمام الأجل المقدر له من علمنا «نُخْرِجُكُمْ» من بطون أمهاتكم بواسطة وبغير واسطة «طِفْلًا» ولا تزالون برعايتنا حتى تشبّوا «ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ» من كمال العقل والقوة والتميز وأنتم بأعيننا «وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى» قبل ذلك «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» وهو حالة الهرم والخوف، ومنكم من يعمر كثيرا وهو مالك لحواسه كافة، عالم ما علمه، كالأنبياء وبعض العلماء والعارفين، لأنهم لا يتناولهم النقص
، أما غيرهم فقد يرجعون لحالة الطّفولة «لِكَيْلا يَعْلَمَ» شيئا «مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ» كان يعلمه قبل الكبر «شَيْئاً» أبدا لأنه ينساه ولا يخطر بباله حيث يفقد العقل والتمييز، راجع نظير هذه الآية الآية 71 من سورة النحل في ج 2 ونظيرتها الآية 68 من سورة يس في ج 1 تجد ما به الكفاية في هذا الشّأن. وهذا دليل حسي على البعث بعد الموت، وفي الدّلائل الحسية أيضا «وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً» ميتة يابسة لا شيء فيها ونظيرتها آية فصلت 40 خاشعة راجعها في ج 2 أي ذليلة وهما من حيث المعنى سواء «فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ» بالنبات والأزهار «وَرَبَتْ» انتفخت وارتفعت لتغلغل الري فيها وخروج النّبات منها «وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (5) يسر الناظر حسنه واستواؤه وجماله راجع الآية 67 من سورة المؤمن في ج 2 تجد ما يتعلق بهذا البحث بصورة واضحة «ذلِكَ» الذي ذكر من كيفية بدء الخلق وإحياء الأرض والنّبات لتعلموا أيها النّاس «بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» لا ريب فيه في ذاته وأفعاله وأوامره لا من غيره «وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (6) لا يعجزه شيء وإن إعادة من خلقه هي أهون عليه من خلقه ابتداعا «وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي
الْقُبُورِ»
(7)
أحياء كما كانوا في الدّنيا قص الله في هذه الآية على أهل المدينة حالة النضر بن الحارث الذي كان يكثر الجدل بانكار البعث ويقول إن الملائكة بنات الله وقد أنزل الله في مكة بحقه الآيات الكثيرة ليعلموا حال المنكرين أمثاله كأبي ابن خلف وأضرابه العريقين في الشّرك والمخاصمة، كما أنه جل شأنه قصّ حال أبي جهل واضرابه كعيقة بن معيط الّذين أنزل الله تعالى فيهم الآيات الكثيرة الحاكية بغضهم وعنادهم وكفرهم وعداوتهم لحضرة الرّسول صلى الله عليه وسلم في مكة أيضا في هذه السّورة المدنية على شأنهم، فقال جل قوله «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» (8) بل جهلا وضلالا وعتوا وعناد «ثانِيَ عِطْفِهِ» لاوي عنقه وجنبه عن حضرة الرّسول متبختر متكبر آنفا معرضا عن الله «لِيُضِلَّ» بعمله هذا النّاس «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» وعن الإيمان وكتبه ورسله فمثل هذا الخبيث الصّادر عن ذلك «لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» من أنواع الهوان والذل والمهانة والرّذالة، وقد قتل في بدر صبرا تحقيرا له «وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ» (9) الذي لا تطيقه القوى البشرية ويقال له «ذلِكَ» الذي لا قيته من خزي الدّنيا وعذاب الآخرة أصابك «بِما قَدَّمَتْ يَداكَ» من تكذيب محمد والتكبر عن دينه والاستهزاء به واختيارك الشّرك على التوحيد وإنكارك هذا اليوم والحياة فيه. وما وقع عليك من هذا ليس بظلم لك، بل جزاء عملك باختيارك واقترافك القبائح «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» (10) بل يجازي المسيء بحسب إساءته ويكافيء المحسن بأحسن من إحسانه. هذا، وما قاله بعض المفسرين من أن هذه الآيات نزلت في النّضر وأبي جهل أراد أن شبهها نزل فيها في مكة، وإن هذه الآيات نزلت في المدينة تبعا لسورتها حكاية عن تلك الآيات المكيات وقد تلاها حضرة الرّسول على أهل المدينة بيانا لحال أولئك الكفرة لا إنها نزلت فيها ثانيا، لأنهم قتلوا قبل نزولها، ولأن شيئا من القرآن لم ينزل مرتين كما ذكرناه غير مرة وأوضحناه في سورة الفاتحة ج 1، ولهذا قال بعضهم إنها مكيات. قال تعالى
«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ» وطرف من الدّين لا في وسطه وقلبه، لأن الإيمان إذا لم يتغلغل في القلب ولم يذق صاحبه
حلاوته ولم تخالط بشاشته الفؤاد كان دخوله فيه من غير عقيدة راسخة ولا رغبة كاملة ومحبة صادقة، وكان شاكا مترددا دخله على طريق التجربة «فَإِنْ أَصابَهُ» حال تلبسه فيه «خَيْرٌ» من سعة وصحة وولد وجاه «اطْمَأَنَّ بِهِ» بسبب الخير الذي رآه بدخوله فيه «وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ» من فقر أو مرض أو عقر أو حقارة «انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ» القهقرى وارتد كافرا تشاؤما منه، ولهذا جعل الله مثله مثل المتحيّر المضطرب، ومن كان هذا شأنه في الدّين «خَسِرَ الدُّنْيا» ففاته عزّها وكرامتها وأهين بالجلاء والأسر والسّبي والقتل أو بالجزية والمذلة «وَالْآخِرَةَ» خسرها أيضا لأنه لم يعدّ لها شيئا من الأعمال الصّالحة والأقوال والنّيات الحسنة «ذلِكَ» خسران الدّارين «هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (11) الذي لا يخفى على أحد لشدة ظهوره فقيه النّدامة الفارغة والحسرة المحرقة والأسف العقيم. وقرئ خسر بالفتح على الحال، وقرئ خاصر بالضم على الفاعلية، ومثل هذه القراءة التي لا زيادة فيها ولا نقص جائزة إذ لا شيء فيها سوى مد الخاء، وأن المد والقصر والإدغام والفك جائز، والمد قد يستعاض عنه بالفتحة القائمة كما في رسم بعض المصاحف، تدبر. وهذا المرتد الخامس.
مطلب ظهور غبن الكفرة وأهل الأديان السّتة والسّجود لله تعالى وضرب المثل به:
«يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ» إن عصاه «وَما لا يَنْفَعُهُ» إن أطاعه «ذلِكَ» دعاؤه من دون الله «هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (12) ، عن الصواب لأن هذا الخاسر الضّال «يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ» في طاعته وعبادته «أَقْرَبُ» له «مِنْ نَفْعِهِ» الذي كان يتوخاه منه في الدّنيا ويتوقع نفعه في الآخرة من الشفاعة وغيرها، أي أنه يدعو لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا، ويقال له في ذلك اليوم أن المولى الذي تدعوه «لَبِئْسَ الْمَوْلى» أي الناصر الذي ترجو معونته فيها «وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ» (13) المصاحب والخليل المرافق هذا وقد ظن بعضهم أن هنا تناقضا، وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ) إذ نفى النّفع والضّر عن الأصنام، وقد
أثبتها لها في هذه الآية إذ قال (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) وهذا ظن باطل ناشيء عن عدم قديره في كنه كلام الله المبرأ من كلّ ظن وشك وزعم ووهم وريب وشبهة، فضلا عما يزعمه من التناقض، لأن من أدرك المعنى وعرف المغزى زال عنه ما توهمه من إثبات النّفع والضّر في هذه الآية ونفيهما في الأولى لأن الله تعالى صفة الكافر على عبادته في الدّنيا جمادا، لا يملك ضرا ولا نفعا، وهو يعتقد فيه جهلا وضلالا أنه ينتفع فيه حين يستشفع به، ثم قال يقول هذا الكافر يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى استقراره بسبب الأصنام وإدخاله النّار بعبادتها ولا يرى أثرا للشفاعة التي ادعاها له في الدّنيا لمن ضره إلخ تدبر. واعلم أن هذه اللام الدّاخلة على من ليست بزائدة كما ذكره بعض المفسرين إذ لا زائد في كتاب الله كما أشرنا إليه غير مرة، وما قيل إن ابن مسعود قرأ بدون اللام لا يستدل به على زيادتها، وأحسن الأقوال فيها أنها موطئة للقسم أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه إلخ. هذا ويتجه انطباق الآيتين على رؤساء الكفرة الّذين كانوا يفزعون إليهم، لأنهم قد يضرون وينفعون، وذلك لأن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضر ولا تنفع، والآية الثانية تقضي كون المذكور فيها ضرا نافعا، فلو كان المذكور في هذه الأوثان لزم التناقض، فثبت أنهم الرّؤساء بدليل قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ إلخ) وهذا الاتجاه كما ترى والأوّل أولى وأسلم، والله أعلم. واعلم أن هذه الآيات الثلاث نزلت في أعراب المشركين الّذين كانوا يأتون المدينة من البادية فيدخلون بالإسلام ويقطنون فيها، فإذا رأوا صحة بأجسادهم ونتاجا في مواشيهم ونسائهم وزيادة في أرزاقهم قالوا دين حسن فيركنوا إليه، وإذا كان على العكس قالوا لم يصبنا من هذا الدّين إلّا الشّر، فيتركون المدينة ويرجعون إلى باديتهم مرتدين، وذلك لأن دخولهم في الإسلام لم يكن لمرضاة الله ولا لابتغاء وجهه ولا لأنه دين الحق، بل لمطامع دنيويّة يزول بزوالها، إذ لو كان إيمانهم عن رغبة صادقة ونية خالصة وحب قلبي طلبا لما عند الله في الآخرة لما ارتدوا مهما أصابهم من البلاء ونابهم من العناء وذاقوا من الفتن، فلم يثنهم عنه شيء حتى القتل ولم يزدهم الامتحان فيه إلّا تمسكا به وشوقا بلقاء الله، أملا
بإنالة وعده للصادقين بقوله «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» (14) لأوليائه في الكرامة كما يفعل ما يشاء لأهل معصيته من الهوان، هذا ولما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من أسد وغطفان إلى الإسلام وكان بينهم وبين يهود المدينة حلف، وقالوا تخاف ان أسلمنا أن لا تنصر ولا يظهر أمرك على اليهود، فتنقطع المحالفة بيننا وبينهم، فيقطعون عنا الميرة ولا يؤوننا ان نزلنا عليهم، أنزل الله تعالى انزاله «مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» أيضا ليس في الدّنيا فقط كما ظن هؤلاء «فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ» حبل «إِلَى السَّماءِ» أي يعلق حبلا لجهة العلو كالسقف وغيره، لأن كلّ ما علاك فأظلك هو سماء، فيجعله في عنقه ويخنق نفسه خير له من هذا الظّن الفاسد في ربه. وهنا عدل عن الحقيقة، إذ صرف لفظ السّماء عن حقيقته الظّاهرة إلى المجاز وهو السّقف الذي يطلق عليه لفظ السّماء مجازا لاستحالة تعلق الحبل بالسماء الحقيقة لئلا يتعطل اللّفظ تأمل «ثُمَّ لْيَقْطَعْ» ذلك
الحبل أي يخنق نفسه فيه وسمى الإخناق قطعا، لأن المختنق يقطع نفسه يحبس مجاريه وبعد ذلك «فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ» ذلك بنفسه «ما يَغِيظُ» (15) أي الذي يغيظه وهو نصر الله له كلا لا يرد من خنقه شيئا بل يبقى كيده في نحره، وفيه قيل:
ان لم تكوني بهذا الحال راضية
…
فدونك اليوم هذا الحبل فانشنقي
وهذه الآية عامة في معناها لكل من ظن هذا الظّن السّيء بربه، وتفيد أن الله تعالى ناصر نبيه في الدّنيا والآخرة على رغم حسّاده وأعاديه، وناصر أنصاره وأتباعه إلى يوم القيامة إذا صدقوا وداوموا على سنته «وَكَذلِكَ» كما أنزلنا على من قبلك من الرّسل كتبا وصحفا «أَنْزَلْناهُ» أي هذا الكتاب الحاوي على معنى كلّ ما نزل قبل عليهم. عليك يا سيد الرّسل وجعلناه «آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي» به إلى دينه «مَنْ يُرِيدُ» (16) من عباده الّذين سبقت لهم السّعادة في علمه الأزلي «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ» لم تذكر هذه الكلمة في القرآن كله إلّا هنا «وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا»
وهؤلاء أصحاب الأديان السّتة الموجودون على وجه الأرض عند نزول القرآن لا غيرهم، أما الفرق الأخرى الموجودون الآن فقد افترقوا بعد وانشقوا بعضهم على بعض وتشعبوا من هذه الأديان السّتة كما أخبر حضرة الرّسول، وقد ذكرهم صاحب المواقف في أواخر الجزء الثالث على وجه التفصيل فمن أراد الاطلاع عليهم ومعرفة أديانهم وأهلها والوقوف على كنههم فليراجعه. فهؤلاء ومن كان على شاكلتهم من المختلفين في أمر الدين المنزل عليك يا أكمل الرّسل لا تعبا بهم الآن «إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ» وبينك وأتباعك ومن اقتفى أثرك ومشى على طريقك «يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (17) تقدم تفسير مثله في الآية 62 من سورة البقرة المارة وسيأتي ما يقاربها في الآية 77 في المائدة عدا كلمة المجوس قال تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» كل بما يناسبه بما أراده الله منه، وبما أن من النّاس من يسجد قولا وفعلا، قال جل قوله «وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ» لأن بعضهم يتركه ظاهرا وتكبرا وتمردا وهو في الحقيقة ساجد خاضع منقاد لله تعالى بكليته. سئل الحجاج هل قتلت أحدا بحق؟
قال بلى، قتلت ثلاثة وإني لأرجو أن أدخل الجنّة بسبب قتلهم، وعدّ منهم رجلا أمره بالصلاة فقال ما يمنعني منها إلّا سجودها وركوعها لما يبدو من ذلك من تمثل العورة، أي أنه يأنف من ذلك ولو كان أمام الله، فقتله لذلك وما ذلك على الله بعزيز إذا حسنت نية الحجاج «وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ» لكفرهم وابائهم عن السّجود مثل هذا الذي ذكره الحجاج لأن من يستكبر أن يسجد لله فهو كافر «وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ» بالشقاوة الواقعة منه عن رغبة واختيار «فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ» بالسعادة التي أعرض عن أسبابها فسببت له الذل، ومن يذلّه الله لا يكرمه النّاس ولا يصيرونه مكرما عندهم، لأنه مهان عند ربه «إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» (18) من إكرام أناس وإهانة آخرين بمقتضى أعمالهم ومنهم يسجد قولا ويأنف فعلا كالمار ذكره، ومنهم من لا يسجد قولا ولا فعلا كالكفرة، أما الطّيور والحيوانات والكواكب والجبال والأشجار والنّبات فتسجد
بحسبها كما أنها تسبحه بحسبها، راجع الآية 45 من سورة الاسراء في ج 1. ثم أشار تعالى لأهل الأديان السّتة المار ذكرهم بقوله «هذانِ خَصْمانِ» بلفظ التشبه لأنهم في الحقيقة صنفان أهل كتاب ومشركون، وبما أن أهل الكتاب لم يعملوا به ولم يؤمنوا بمحمد فيكون الصّنفان مؤمنين وكافرين، لأن الأصناف الخمسة متساوون بمعنى الكفر، فهم بمثابة واحدة فيكونون صنفا والمؤمنون صنف، وقد جمع الضّمير بقوله «اخْتَصَمُوا» كل منهم «فِي رَبِّهِمْ» في الدّنيا أي اختلفوا في دينه الذي شرعه لهم على لسان أنبيائه المرسلين إليهم راجع الآية 26 من سورة النّور المارة. وقد بين الله كيفية الفصل بينهم فيما تقدم من الآيات وفي قوله تعالى «فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ» (19) الماء الشّديد الغليان المتناهي في الحرارة.
ثم بين مبالغة تأثيره فيهم بقوله «يُصْهَرُ» يذاب «بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ» من الشّحوم والأحشاء والأمعاء «وَالْجُلُودُ» (20) يذيبها أيضا
«وَلَهُمْ» عذاب آخر وهو «مَقامِعُ» سياط «مِنْ حَدِيدٍ» (21) يضربون بها «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ» من غمومها الكثيرة وحاولوا الهرب للتخلص من كربها وصعوبة بلائها «أُعِيدُوا فِيها» أعادتهم ملائكة العذاب إليها عنفا وقسرا بالضرب والكبح ويقولون توبيخا لهم وتقريعا حال ضربهم وردهم إليها «وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» (22) وهذا حكم الله تعالى يوم القيامة على فريق الكافرين أهل النّار، أما حكمه على المؤمنين أهل الجنّة فهو ما ذكره بقوله «إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ»
(23)
ويسميه العراقيون إبريسم، وهو المفتول منه عرفا «وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ» وهو ما ذكره الله تعالى (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) الآية 25 من سورة فاطر ج 1 وبقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) الآية 75 من سورة الزمر ج 2 «وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ» (24) الطريق المحمود الموصل إلى جنته بسلام. هذا ومن قال إن هذه الآية نزلت في
علي كرم الله وجهه وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين بارزوا عتبة وشيبة بنى ربيعة والوليد بن عتبة في بدر فغير وجيه، لأن هذا الاختصام المشار إليه في هذه الآية تفريع عما جاء في الآية السّابقة التي أشرقا إليها وهو اختصام في الدّين لا في الحرب، وهي متأخرة في قصة بدر ولم تأت بسباق قصة حكاية الحال حتى يصبح القول بما ذكر، كما أن ما قيل إن هذا الاختصام بين الجنّة والنّار قول واه أيضا، وإن ما رواه البخاري عن علي كرم الله وجهه أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الرّحمن يوم القيامة لا يقصد منه هذه الخصومة، وقد يراد بها- والله أعلم- ما وقع بينه وبين معاوية مع ابنه الحسن وبين الحسين ويزيد إلا أن وقوع هذا بعد وفاته يبعده عن الواقع، تدبر. وكذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال تحاجت الجنّة والنّار فقالت النّار اوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنّة فمالي لا يدخلني إلّا ضعفاء النّاس وسقطهم- الحديث- لا ينطبق علي هذه الآية وجوب حمل معناها على غير ظاهرها دون موجب أو صارف وهو غير جائز وما رواه قيس بن عبادة من أن أبا ذر أقسم أن هذه الآية نزلت في الّذين برزوا يوم بدر لا يصلح للاستدلال، لأنه خبر واحد وأخبار الآحاد لا تكون حجة لدحض مثل هذا، وإنما المراد في هذه الخصومة والله أعلم ما وقع من الاختلاف في أمر الدّين بين أهله المذكورين في هذه الدّنيا، وأنه يجاء بهم يوم القيامة بين يدي الله عز وجل فيفصل بينهم على الوجه المذكور فيها، كما ينبيء عنه ظاهر التنزيل. قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» بما جاء به محمد «وَيَصُدُّونَ» الناس مع كفرهم «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فيمنعونهم من الدّخول في الإسلام «وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ» فيمنعونهم من دخوله وهو «الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ» عامة لا يختص به واحد دون آخر، فهو قبلة ونسك وتعبّد إلى جميع الخلق «سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ» المقيم القاطن «وَالْبادِ» الذي يأتيه من البادية، فلا يجوز لأحد أن يمنع أحدا من دخوله والطّواف به. وخبر إن هذه محذوف تقديره (نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) بدلالة خبر «وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ» أي أي مراد كان في أنواع الكفر والظّلم بدلالة التنوين والتنكير